لفظ الكتابة في مقام التشريع ظاهر في الوجوب إلا إذا دل دليل من الخارج على منع الظهور ووجوب الانصراف وهكذا الامر أيضا في التعابير العرفية.
وظاهر تعبير كتابة القتال في الاية الشريفة (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ) هو الوجوب العيني إلا إذا أوجب دليل خاص الانصراف عن ظاهر الاية وأثبت الوجوب الكفائي ولا شك في أن وجوب الجهاد هو وجوب كفائي طبقا للأدلة.
وبعد أن نقل أمين الاسلام الطبرسي رحمه الله إجماع المفسرين على دلالة هذه الاية على وجوب الجهاد قال:
وأجمع المفسرون إلا عطاء من مفسري أهل السنة على أن هذه الاية دالة على وجوب الجهاد قال: وأجمع المفسرون إلا عطاء من مفسري أهل السنة على أن هذه الاية دالة على وجوب الجهاد وفرضه غير أنه فرض على الكفاية وقال عطاء إن ذلك كان واجبا على الصحابة ولم يجب على غيرهم وقوله شاذ عن الاجماع لا دليل عليه لأن ظاهر الاية يدل على وجوب القتال على الجميع[1].
ورغم أن تعبير الكتابة حول القصاص[2] والوصية[3] والصوم[4] هو تعبير واحد إلا أن مايفهم منه في بعض الموارد هو الوجوب العيني كما في مورد الصوم والصلاة وفي بعضها الاخر هو الوجوب الكفائي.
وقد جرت سيرة الرسول الاعظم ﷺ على عدم أخذ جميع المكلفين معه في الغزوات بل كان قسم منهم يبقون في المدينة ولم يكن بقاؤهم لحماية المدينة من هجوم العدو بل لكفاية الاشخاص المستعدين للقتال إلا في بعض الموارد الخاصة التي كان الوضع فيها يتطلب حصور الجميع أو الاكثرية ومن هنا يمكن استظهار الوجوب الكفائي وان كان محل تفصيل ذلك هو فن الفقه الشريف.
ملاحظات: 1. كما سبق وذكرنا أنّ الظاهر من (الكتابة) ومن كلمة (عَلَيْكُمُ) أيضاً هو وجوب القتال والجهاد، وأن ما يفهم من آية (لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ۚ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا[5]) من أن تاركي الجهاد أيضاً ينالهم شيء من الفضل الإلهي ليس دليلاً على استحباب الجهاد من خلال التوهم أن الجهاد لو كان واجباً لكان تاركه تاركاً لإحدى الواجبات الشرعية فيكون عاصياً، ويستحيل أن يكون للمذنب سهم في الفضل والإحسان الإلهي - إذ يمكن أن يكون وجوب الجهاد وجوباً كفائياً لا عينياً، ولما كانت الكفاية حاصلة بقيام البعض به فلن يكون قعود القاعدين تركاً للواجب، ومن هنا يمكن أن ينالهم الفضل والوعد الإلهي؛ لأنّ المجتمع يكون قد امتثل في هذه الحالة لحكم الوجوب الكفائي.
أما في حالة الوجوب العيني أو عدم قيام ما به الكفاية، فقد تم توبيخ تاركي الجهاد والقاعدين عن القتال[6].
2. إن اختصاص الخطابات الشفهية بالحاضرين هو من الأمور الخاطئة والباطلة. 3- إن الكتابة في مقام التشريع، وهي التي اصطلح على تسميتها ب (الكتابة التشريعية) أو الفقهية إنّما تشمل الجميع، خلافاً للكتابة في مقام التكوين التي تختص بأفراد خاصين، ككتابة فيض الشهادة التي لن ينالها الجميع، بل تشمل الأفراد الصالحين بناء على حكم القضاء والقدر الإلهي والتي يجب على الإنسان نفسه أيضاً أن يهنئ مقدماتها: (قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ[7]).
4. وردت كلمة (كُتِبَ) في الآية التي هي مورد البحث بصيغة المجهول، خلافاً لآية (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ[8])، وذلك لأن العبارة التي تأتي بعدها هي (وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ)؛ والإسناد المباشر للحكم المكروه إلى الله يوجب انتهاك مقام المولى وتحقير المؤمنين بالنسبة إلى عدم ارتياحهم للحرب، ومن هنا جاء الفعل في مورد البحث مبنياً للمجهول كي لا يحصل التقابل بين العبد والمولى.
[2] سورة البقرة الاية 178
[3] سورة البقرة الاية 180
[4] سورة البقرة الاية 183
[6] سورة التوبة، الآيات 44، 45 و... .
[7] سورة آل عمران الآية 154 .
[8] سورة المائدة، الآية 45.