وتزوج كلوديوس أربع مرات، فماتت الأولى يوم الاقتران، وولدت له الثانية دروسوس وكلودية ثم طلَّقها، وتزوج من الثالثة فرُزق منها بنته أنطونية ثم طلَّقها، وبعد أن بلغ الثامنة والأربعين تزوج من «فاليرية ميسالينة Valeria Messalina»، وهي لا تزال في السادسة عشرة من عمرها، وولدت له ابنًا في السنة 41 أسماه طيباريوس كلوديوس جرمانيكوس، ثم بريتانيكوس بعد فتوحات بريطانية، ولم تكن ميسالينة جميلة، فإن رأسها كان مفلطحًا، ووجهها متوردًا، وصدرها سيئ التركيب مشوَّهًا، ولما تسلَّم زوجها أزمة الحكم تصرفت تصرف الملكة، فاشتركت في مواكب النصر، وأوجبت الاحتفال بمولدها في جميع أنحاء الإمبراطورية، ولكنها كانت شهوانية خليعة، فأحبت الرقاص «منستر Mnester» وراودته فامتنع، فطلبت إلى زوجها أن يأمره بالطاعة ففعل فامتثل! فقلَّ حياؤها وطمحت إلى غيره، آمرة بالطاعة متجنية على الرافضين، سالبة حقوقهم وأرواحهم في بعض الأحيان، واشتد جَلَعها وتعددت مداعباتها، فكثر إنفاقها، فساومت على الوظائف والالتزامات، ثم تعلقت بشاب جميل اسمه «غايوس سيليوس Silius»، فعقدت زواجًا معه في أثناء غياب كلوديوس عن رومة، فقُتلت في حضن أمها في السنة 48ب.م (1).
وتردد كلوديوس فيما إذا كان يتزوج من «لولية بولينة Lollia Paulia» أو أغريبينة الصغرى، وكانت لولية زوجة فيما مضى ﻟ «كاليغيولا Caligula» غنية جدًّا، تتحلى بجواهر تقدر بأربعين مليون سيستركة (2)، وكانت أغريبينة الصغرى بنت جرمانيكوس أخي كلوديوس من زوجته أغريبينة الكبرى، فلما أبعدت هذه في عهد طيباريوس تركت أولادها كاليغيولا وشقيقاته أغريبينة ودروسيلة ويولية في كنف جدتهم أنطونية الصغرى أرملة دروسوس، فعبث كاليغيولا بشقيقاته الثلاث، وعلم طيباريوس بالأمر فأقامه في قصره

ودبر أزواجًا للبنات، فأزوج أغريبينة الصغرى من «كنايوس دوميتيوس اهينوبربوس Ahenobarbus» ذي اللحية البرونزية، وعلى الرغم من تحدر «كنايوس Cnaeus» من أسرة عريقة في الشرف أسرة دوميتية، فإنه كان خليعًا متهتكًا قاسيًا قليل الأمانة، ومما يروى عنه أنه قتل عتيقًا؛ لأنه امتنع عن تجرع المسكر بالكمية التي أرادها له، وكان يروى عنه أيضًا، أنه قلع عين أحد الفرسان في الفوروم؛ لأنه تفوه بما لم يرضَ عنه، وأنه تعمد دهس طفل في الشارع، وأنه اختلس أموال الدولة، هذا هو الرجل الذي انتقاه طيباريوس لحفيدة أخيه أغريبينة، وأكرهها على قبوله زوجًا لها، ولا نعلم شيئًا عن السنوات الأولى من زواجها، ولكن يجوز الافتراض أنها لم تكن سعيدة، وهنالك ما يبرر القول أنها لم تكن أمينة له، ولكنها عرفت كيف تستتر عند سقوطها في المعصية (3)، ورُزقت ابنًا منه هو نيرون الشهير، ثم توفي زوجها فتزوجت من «غايوس كريسبوس Crispus» المثري الكبير، وتوفي هذا بعد مقتل ليسالينة، تاركًا لأغريبينة مالًا كثيرًا، فقيل: إن أغريبينة دست له السم دسًّا (4).
وترددت أغريبينة على عمها الأكبر الأرمل وتوددت، وكانت لا تزال في الثانية والثلاثين، وقد ورثت جمال أمها ومقدرتها وعزمها، وعقدت قلبها على إيصال ابنها نيرون إلى سدة الحكم، فسُحر كلوديوس بفتور أجفانها، وافتُتن بسحر عينيها، فهب يعلم السناتوس بعزمه على الزواج لمصلحة الدولة، ويطلب موافقتهم على زواجه من حفيدة أخيه لما في ذلك من خروج على التقليد، فوافق الشيوخ، وتغامز الشبان من طبقة الحراس، وتم الزواج (5).
وما كادت أغريبينة تصل إلى البلاط حتى بدأت تتملق زوجها؛ ليتبنى ابنها نيرون، ويزوجه من بنته أوكتافية، وكان كلوديوس قد خطَّب «أوكتافية يونيوس سيلانوس L. Junius Silanus»، الذي انتسب عن طريق أمه إلى أوغوسطوس، فاستعانت أغريبينية ﺑ «فيتليوس Vitellius» المراقب المحصي، فادعى هذا أمام السناتوس أن سيلانوس عبث بشقيقته، ففسخ الشيوخ الخطبة، فأزوج كلوديوس نيرون من بنته أوكتافية، ثم تبناه في الخامس والعشرين من شباط سنة 50ب.م. (6)، فأصبح يُدعى Tiberius Claudius Nero Drusus Germanicus (7).
وكانت ميسالينة قد اتهمت «سنكة Seneca» الفيلسوف الرواقي بمضاجعة يولية أخت أغريبينة، فنجحت في إبعاده في السنة 42 إلى جزيرة كورسيكة، وكان قد سئم هو العزلة، على الرغم من رواقيته، وتوسل إلى كلوديوس ليعفو عنه ويعيده إلى رومة، فلم يفلح، فلما وصلت أغريبينة إلى البلاط رأت أن لا بد من الاستعانة بهذا الفيلسوف؛ لبث الدعاية لابنها عند الحاجة، وللقول أن ابنها تهذب على يد أعلم علماء رومة، فألحت على كلوديوس بوجوب العفو عن سنكة، وإعادته إلى العاصمة ليتولى تربية ابنها بنفسه، فعاد سنكة في السنة 49، وتزوج من بنت بولينوس أحد كبار رجال المال، والتحق بالبلاط معلمًا مهذبًا، ورأى أن يدرب نيرون في البيان والفلسفة، ولكن أغريبينة اعترضت، مدعية أن الأباطرة ليسوا بحاجة إلى الفلسفة، بل إلى العلوم العملية، وطلبت إلى سنكة أن يعلم ابنها كيف يتكلم (8).
ثم احتاطت أغريبينة لأمر الحرس الإمبراطور فوحدت قيادتهم، وجعلت ناظرهم واحدًا بدلًا من اثنين، وانتقت لهذه الوظيفة الحساسة مدير الخاصة «افرانيوس بوروس L. Afranius Burrus» (9).
................................................
(1) SUET., Claud., 26; DIO CASS., 60:14–18.
(2) PLIN., Nat. Hist., 9:117.
(3) WALTER, G., Nero, (1957), 10–13; HOMO, L., Haut-Empier, 251-252; DIO CASS., 60:32.
(4) TACITUS, Ann., 13:2.
(5) TACIT., 12:5–7; SUET., Claud. 26.
(6) HENZEN, Eine neue Arvaltafel, (Hermes, I, 55).
(7) WALTER, G., Nero, 32–36.
(8) SUET., Nero, 52.
(9) WALTER, G., Nero, 39-40.