ويروى أن الإمبراطور تريانوس قال فيما بعد: إن حكم «نيرون في السنوات الخمس quinquennium Neronis» فاق بجودته حكم جميع الأباطرة الآخرين (1)، ومع أن هذا القول — إذا صح عزوه إلى تريانوس — كان القصد منه الإشادة بسياسة نيرون العمرانية في سنواته الأخيرة، فإن السنوات الخمس التي جاءت بين السنة 56 والسنة 61 تميزت بما أراد سنكة أن يدعوه الرأفة والرحمة clementia، وهو اسم الكتاب الذي أهداه لنيرون.
وكان نيرون — كما سبق وأشرنا — قد أعلن في خطابه أمام السناتوس في بدء عهده أنه سيتبع الخطة التي رسمها أوغوسطوس نفسه، وأنه سيبتعد عن النظر في الدعاوى «في قصره intra cubiculum»، وسيقضي على الفساد الذي دب إلى القصر على أيدي الرفاق والعتقاء، وأنه سيحترم حقوق السناتوس وامتيازات أعضائه، والواقع أنه رفض اللقب «أبا الوطن pater patriae»، الذي منحه إياه السناتوس، وقاوم بشدة أولى الدعاوى بالخيانة «العظمى maiestas»، وأعفى معاونه في القنصلية في السنة 55 عن «القسم العادي inacta principis»، وتجنب البدء في الإشارة إلى نفسه باللفظ إمبراطور، واتخذ لنفسه إكليل العفص الذي رمز إلى الحرية، وأعاد إلى السناتوس صلاحية سك النقود الفضية والذهبية EX S.C.، فاستحق بذلك مدح الشاعر «كلبورنيوس سيكيلوس Calpurnius Siculus» في أن(2) Bucolics، وإشادة «لوكان Lucan» في الكتاب الأول من «الفرسالية Pharsalia».
وعني سنكة بمالية الدولة، فزاد دخلها وسهَّل مقاضاة الولاة المتهمين بالبلص، وأعد مشروعًا لتحرير التجارة، وأمن الحبوب الواردة إلى العاصمة وإيطالية بتعيين ناظر قدير، وبإكمال إنشاءات كلوديوس في مرفأ أوستية الجديد، وحارب النزوح من الريف إلى المدن، ولا سيما إلى العاصمة بإنشاء مستعمرات عسكرية في «كابوة Capua»، و«نوكيرية Nuceria»، و«ترنتوم Tarentum»، و«أنتيوم Antium»، و«بومباي Pompeii» بعد الزلزلة في السنة 63.
......................................
(1) ANDERSON, J.G.C., Journ. of Rom. Stud. 1911, 173 ff.; LEPPER, F.A., Journ. Rom. Stud., 1957, 95 ff.
(2) DUFF, J.W. and A.M., Minor Latin Poets, (Loeb, 1935).