ورغب أغريبة في إرضاء الرومانيين واليهود في آن واحد، فسك النقود في أورشليم، يهودية خالية من كل شائبة، وأصدر عن قيصرية وبانياس وطبرية نقودًا تحمل رسمه أو رسم قيصر (1)، ودعا نفسه على بعض المسكوكات والنقوش «محب قيصر Philokaisar»، أو «محب الروم Philoromaios»، وزين قصره في قيصرية بالتماثيل، ولا سيما تماثيل بناته برنيقة ومريم ودروسيلة، وأكرم بيروت المستعمرة الرومانية الكبرى، فشيد فيها مسرحًا جميلًا وميدانًا وملعبًا وحمامات وأروقة، وبعد إنجازها دعا إلى تدشينها فأنفق المبالغ، وفكَّه الحضور بالمجالدات بين عدد ممن حُكم عليهم بالموت (2).
وجعل أغريبة أورشليم مقره العادي، وظهر فيها بمظهر الملك اليهودي المحافظ، فعلق السلسلة الذهبية التي زينه بها غايوس قيصر في الهيكل، وجزَّ شعر الناذرين؛ لأن لبس الذياذمة الملكية قضى بتطويل شعره، وكان يحمل على كتفه سلة البواكير؛ ليقدمها للرب في الهيكل، بينما كان المرتلون يرددون المزمور الثلاثين: «أعظمك يا رب؛ لأنك نعشتني، ولم تُشمت بي أعدائي» (3)، وذهب أغريبة إلى أبعد من هذا، فدافع عن اليهود وتقاليدهم خارج حدود مملكته، فإنه حينما أكره المتهلنون اليهود في دورة في داخل حدود ولاية سورية على إقامة تمثال للإمبراطور في هيكل هذه البلدة كتب أغريبة إلى بترونيوس والي سورية، مذكرًا بسياسة الإمبراطور كلوديوس، راجيًا رفع التعدي (4).
واضطر أغريبة أن ينظر في أمر المدرسة aïresis الجديدة التي أسسها يسوع الناصري لإصرار أعضائها على اعتبار يسوع مسيحًا فاديًا مخلصًا، وعلى ترجي قيامة الموتى في الدهر العتيد، ولأن بعضهم أراد أن يحطم الحواجز بين اليهود والأمم بعد دخولهم في الإيمان، وكان مجمع اليهود قد بدأ اضطهاد هؤلاء، فحكم أغريبة على يعقوب بن زبدي بالموت، وقبض على سمعان بطرس الغيور الناطق بلسانهم، وزجه في السجن.
............................................
(1) SCHURER, E., op. cit., I, 560 f., n. 40–42; OGIS, I, 418.
(2) JOSEPHUS, Ant., 19:335–338, 342, 353, 357; Bell. Jud., 7:5.
(3) JOSEPH., Ant., 19:292–296.
(4) JOSEPHUS, Ant., 19:300–311.