ونهج «لوكيوس ألبينوس Lucceius Albinus» المحصل الجديد سياسة لين ومسالمة، فاتُهم بالرشوة (1)، وجاء بعده «غيسوس فلوروس Gessius Flours» (64–66) شديدًا مؤدبًا، فإنه في آيار السنة 66 صادر سبع عشرة وزنة من خزانة الهيكل؛ ليسد بها النقص في المال المفروض على اليهود، فغضب اليهود، ونزلوا إلى الشوارع متظاهرين صاخبين، ففرَّقهم غيسيوس بقساوة، واستقدم من قيصرية فوجين لمساندة الحامية، وتراجع اليهود عن تطرفهم، وأظهروا ميلًا للتفاهم، ولكن الجنود تكبروا فتجدد النزاع، ونجح اليهود في قطع المواصلات بين قلعة أنطونية والهيكل، فاضطر غيسيوس أن يخرج من أورشليم، تاركًا فيها حاميتها وفوجًا واحدًا من الجنود.
وهرع أغريبة من الإسكندرية وأَمَّ أورشليم لردع سكانها عن موقفهم، ولكنه لم يفلح، فالجماهير طالبت بإلغاء التقدمة اليومية للإمبراطور، وتمكن بعضهم من الاستيلاء على قلعة المسدة المشرفة على ساحل البحر الميت الغربي، ثم استحوذ الجمهور على قلعة أنطونية في أورشليم، وأكرهوا حاميتها على الالتجاء إلى أبراج قصر هيرودس، واستسلم رجال أغريبة وتبعهم في ذلك رجال الحامية فذُبحوا (2).
وفي خريف السنة 66، عمت الثورة فلسطين بكاملها، ودخل اليهود بها في حرب أهلية مع غير اليهود، فثار يهود الإسكندرية في وجه طيباريوس ألكسندروس حاكمها الروماني، وخف غير اليهود في قيصرية وبيسان وصور إلى ذبح اليهود، فقتلوا عددًا كبيرًا منهم، وكان «كستيوس غالوس Cestius Gallus» والي سورية قد نهض على رأس الفرقة الثانية عشرة Fulminata وغيرها إلى أورشليم؛ ليخضع الثوار فيها، فما كاد يصل إليها حتى تراجع عنها خشية الاضطرار إلى الدفاع عن جانبيه ومؤخرته والهجوم على الثائرين في أورشليم في آن واحد، وقيامًا بواجب المحافظة على الأمن في ولايته، وإخماد الفتنة بين اليهود وغير اليهود فيها، وما إن بدأ بالتراجع حتى انقض عليه اليهود من كل جانب، فتحول تراجعه إلى هزيمة، واضطر أن يتخلى لليهود الثائرين عن شيء كثير من عتاده ومئُونته (3)، وعلم الدمشقيون بذلك، فأحاطوا باليهود في بلدتهم، وذبحوا أكثر من عشرة آلاف منهم (4).
واضطر المعتدلون المسالمون من اليهود أن يماشوا العناصر الثائرة، فتسلم القيادة والدفاع عن أورشليم حنان رئيس الكهنة الأسبق ويوسف بن غوريون، وقسمت البلاد إلى مناطق عسكرية، وتولى القيادة في كل منها قائد معين، وإذا جئنا نقيس خبرة القادة وحنكتهم بما نعلمه عن قائد منطقة الجليل المتاخمة لولاية سورية، التي كانت تعتبر الجبهة الرئيسة، قلنا: إن هؤلاء القادة لم يكونوا مدربين مجربين، فقائد الجليل كان يوسف بن متياس، الذي أمسى فيما بعد يوسيفوس مؤرخ اليهود الشهير، كان يوسف كاهنًا في الثلاثين من عمره، ملمًّا بالناموس والمذاهب اليهودية على أنواعها، وكان قد زهد، واعتزل في البرية على يد بانوس ثلاث سنوات متتالية، ثم عاد إلى الاختلاط بالناس، فعُرف فريسيًّا معتدلًا محبًّا لرومة، فأُنفذ إليها؛ ليفاوض في أمر الكهنة الذين حُجزوا فيها، وانتقاء يوسيفوس لقيادة الثورة في الجليل يدل على أن كبار الزعماء لم يرغبوا في حرب حقيقية ضد رومة، وإنما أرادوا التظاهر بالعنف؛ ليصلوا بالمفاوضة مع رومة إلى حل وسط يعيد المياه إلى مجاريها.
وتضاربت آراء اليهود في الجليل، فانقسموا أحزابًا وعصابات، فمنهم من تزمت وتطرف فطالب بالاستقلال التام، ومنهم من والى رومة واعتدل وأحب المفاوضة، ومنهم من أيد أغريبة، ومنهم من عارضه، وكان زعيم المتزمتين المتطرفين يوحنا بن لاوي، الذي اعتصم في غيشالة في شمال صفد، وأراد أن يسيطر على الجليل الأعلى، ومن هؤلاء أيضًا، يسوع بن صفيا، الذي هدد كل محب لرومة، وجال في الجليل معربدًا محرقًا، وأعلنت صفورية ولاءها لرومة واستعدادها للدفاع، وثارت جملة في الجولان على أغريبة، واشتهر باعتداله يوستوس ابن بيستوس، ولكنه اضطر أن يماشي يوحنا بن لاوي، وعبثًا حاول يوسيفوس توحيد الصفوف للصمود في وجه الرومان الزاحفين من سورية (5)، ولم ترضَ أورشليم عن سياسة يوسيفوس، فأنفذت إلى الجليل أربعة قواد ليحلوا محله، فامتنع يوسيفوس، وزاد امتناعه الطين بلة (6).
وكان نيرون لا يزال في بلاد اليونان مستغرقًا في أحلامه منشدًا مغنيًا، فلما علم بانتحار غالوس الوالي أمام أورشليم استفاق من غفلته، ووكل أمور سورية وما جاورها إلى رجل عسكري قدير، كان قد أبعده؛ لأنه كان قد نام وهو يسمع غناء الإمبراطور، وكان هذا «طيطس فلاويوس وسباسيانوس Titius Flavius Vespasianus» ذا خبرة واسعة في الحرب، محبوبًا في أوساط الجنود، فمنحه نيرون «السلطة الكبرى maius imperium»، وعينه «واليًا legatus» على سورية وما جاورها، وأمره بالتوجه إليها فور تسلمه الأمر بذلك (7).
وجاء وسباسيانوس أنطاكية في آذار السنة 67، وتسلم قيادة الفرقة الخامسة Macedonica والفرقة العاشرة Fretensis، وكان ابنه طيطس قد وصل إلى عكة على رأس الفرقة الخامسة عشرة Apollinaris المصرية، وضم وسباسيانوس إلى هذه الفرق القوات المحلية المساندة ورجال الملوك المحليين الحلفاء، وبينهم أغريبة الثاني الملك اليهودي، وسهيم ملك حمص، ومالك الثاني ملك الأنباط، فتجمع لديه حوالي خمسين أو ستين ألفًا (8)، وفي حزيران السنة نفسها، نهض إلى حدود الجليل، وآثر اليهود حرب العصابات، فرسم وسباسيانوس خطة طويلة الأمد، كان شعاره فيها عدم تفريق الجنود، وحاول يوسيفوس أن يجمِّع رجاله بالقرب من صفورية عند قرية الرينة Garis، ولكنهم ذابوا ذوبانًا قبل الشروع في القتال، فالتجأ يوسيفوس إلى حصن «يوتبات Jatapata» في شمال صفورية (خان جفات الحديثة)، وامتنع فيه فحصره وسباسيانوس سبعة وأربعين يومًا، وعند نهاية الحصار لجأ يوسيفوس وكبار ضباطه إلى صهريج تحت الحصن، واتفقوا على قتل بعضهم بعضًا، وفعلوا، ولما لم يبق منهم سوى يوسيفوس وضابط آخر استسلم يوسيفوس لوسباسيانوس، ونال عطفه حينما تنبأ بوصول القائد إلى منصة الإمبراطورية قريبًا، فلما تم ذلك عتق وسباسيانوس أسيره يوسيفوس (9).
وفتحت طبرية أبوابها لجيش رومة، وتجزأت المقاومة في الجليل، وكادت تنحصر في «تريخية Taricheia» عند انطلاق الأردن من بحيرة الجليل، وفي غيشالة في شمال صفد، ولا سيما في جملة، وطال امتناع هذه المراكز حتى خريف السنة 67، وقضى وسباسيانوس شتاء السنة 67-68 في قيصرية، وفي ربيع السنة 68، بدأ يحصر المقاومة في اليهودية، فاحتل الساحل والسامرة بسهولة، وثبَّت سلطته في بيرية في شرق الأردن، وفي أدوم في جنوب الميت وأورشليم، وانحصرت مقاومة اليهود عند أول حزيران في هيرودية والمسدَّة والمكاور وأورشليم وتلالها، وبينما كان وسباسيانوس يستعد للزحف على أورشليم، فوجئ بانتحار نيرون، فأوقف أعماله الحربية، منتظرًا تجديد مهمته من قبل الإمبراطور الجديد، فطال انتظاره سنة كاملة.
............................................
(1) JOSEPHUS, Bell. Jud., 2:272 f., Ant., 20:204 f.
(2) JOSEPH., Bell. Jud., 2:315–407, 408–448.
(3) JOSEPH., Bell. Jud., 2:499–555.
(4) Ibid., 2:559–561.
(5) BAERWALD, A., Flavius Josephus in Galilaa, (1877); LUTHER, H., Josephus und Justus von Tiberias, (1910).
(6) THACKERAY, H., Josephus the Man and the Historian, (1929).
(7) SUETONIUS, Vespasianus 4.
(8) JOSEPHUS, Bell. Jud., 3:64–69.
(9) Ibid., 3:316–408; SUET., Vesp. 5; DIO CASSIUS, 66:1.