والنظر في الزمن الذي دُرجت فيه هذه الدروج في كهوفها يستوجب الإجابة عن السؤال: لماذا وضعت هذه الدروج في هذه الكهوف؟ وقد تخالف العلماء في هذا الأمر، فأصرَّ سوكينيك العالم اليهودي على أن الكهوف «جنازات» سُترت فيها كل نسخة وجب إهمالها، وأشار لهذه المناسبة إلى درج نبوَّة أشعيا الذي وُجد في كهف قمران الأول وإلى الفوارق بين نصوصه والنصوص المألوفة، ووجوب إهماله ووضعه في جنازة. وأضاف أنه لا بُدَّ من جنازة أو جنازتين لكل كنيس تُحفظ فيهما الأسفار المهملة، وتُدفن بكل وقار واحترام بعد تكاثرها. والجنازة في العبرية والعربية واحدة؛ فهي مشتقة من الثلاثي جنز، ومعناه جمع وستر، ولا يخفى أن الجنز في العربية هو البيت الصغير من الطين، وأن أصل المعنى في هذه المادة كلها هو الإخفاء والكنز.

الدرج النحاسي.
وأيد هنري دل ماديكو Del Medico البندقي القسطنطيني رأي زميله سوكينيك، فقال: إن الأقمشة التي لُفَّت بها هذه الدروج إنما هي أكفانها، وإن الدروج أُلبست هذه الأكفان؛ لأنها اعتبرت كتبًا ميتة. وأضاف أن التقليد قضى بدرج الأسفار المشوَّهة والكتب المُنتحَلة في جنازات من نوع ما تقدَّم. وأشار إلى اهتمام المعلم سمعان بن غملائيل في القرن الأول بعد الميلاد لجمع رسائل الأنبياء الكذبة الذين حرضوا اليهود على الثورة الأولى ضد رومة، ولدرجها في مخابئ بعيدة عن متناول القوم، وقال: إن المعلم غملائيل الثاني (92–100) بعد الميلاد أمر بمثل ما تقدم ذكره بعد سقوط أوروشليم وخراب الهيكل. وارتأى دل ماديكو أن تكون هذه هي الظروف التي أدت إلى درج الدروج في كهوف قمران (1).
ورأى معظم العلماء غير ما رآه سوكينيك ودل ماديكو، فقالوا: إن هذه الدروج إنما دُرجت في كهوفها ضنًّا بكرامتها وحرصًا عليها، وإنها لا بد أن تكون قد خُبئت في ظرف عصيب حلَّ بأصحابها كحربٍ كاسحة أو اضطهادٍ شديد. ثم اتسعت أعمال الحفر والتنقيب فاتسع أُفق العلماء معها، وتبيَّن أن هذه الكهوف حوت مئات المخطوطات، وأن بعضها كالدَّرْجين النحاسيين، كانا من نوع لا يجب تحذير الرجوع إليه. وعثر المنقبون في السنة 1951 في خرائب قمران على جِرار من الفخار تتفق كل الاتفاق مع الجِرار التي وُجدت في الكهوف من حيث الشكل والصنع. ووجد العلماء مع هذه الجِرار نقودًا تعود إلى أواخر القرن الأول قبل الميلاد وإلى النصف الأول من القرن الأول بعد الميلاد. ودقَّق الدكتور أولبرايت Albright الأميركي في طينة الجرار فوجدها رومانية. فاضطر العلماء الباحثون أن يعتبروا الجِرار التي وُجدت فيها الدروج من النوع الذي كان يصنع في فلسطين في القرن الأول بعد الميلاد، واضطر من كان يقول بهلينية الجِرار وأنها تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد إلى التراجع عما ذهب إليه.
وأخذ الدكتور كلسو Kelso، مدير المدرسة الأميركية للأبحاث الشرقية، قطعة من القماش الذي لُفَّت به الدروج إلى الولايات المتحدة، ووضعها تحت تصرف العالم النووي الدكتور لبِّي Libby، الأستاذ في جامعة شيكاغو، وطلب إليه أن يحللها تحليلًا كيماويًّا نوويًّا للتعرف بعمرها. فجاء جواب هذا العالِم أن هذه القطعة من الكتاب تعود إلى مدة حدها الأقصى 167 قبل الميلاد، وحدها الأدنى 233 بعد الميلاد؛ وتعليل ذلك أن هنالك نوعًا من الكاربون وزنه الذري 14 بدلًا من 12، وأن هذا الكاربون ذا الرقم 14 يتولَّد باستمرار في أعلى طبقات جو الأرض من جرَّاء تعرض ذرة النيتروجين ذي الرقم 14 إلى أشعة كونية. ويختلط الكاربون ذو الرقم 14 بالأوكسوجين فيُولِّد نوعًا خصوصيًّا من أكسيد الكاربون يختلف عن أكسيد الكاربون العادي، ولكنه يمتزج فيه. وهكذا فإن جميع النباتات الحية والحيوانات تتنشق الكاربون 14 فيبقى فيها بنسبة معينة. وهذه النسبة هي واحد على تريليون من الكاربون 14 فيبقى فيها بنسبة معينة. وهذه النسبة هي واحد على تريليون من الكاربون 14 في الغرام الواحد إلى غرام واحد من الكاربون 12، وعند الوفاة ينقطع دخول الكاربون 14 إلى الأجسام والنباتات، ويبدأ انحلال الموجود منه فيها. ويتم هذا الانحلال ببطء، ولكن بمعدل لا يتغير، ونصف مدة الكاربون 14 هذه تساوي 5500 سنة. وهكذا فيصبح الغرام الواحد منه نصف غرام بعد مرور 5500 سنة على موت الحي، ويصبح أيضًا ربع غرام في اﻟ 5500 سنة التالية. وهكذا دواليك.
ويتضح مما تقدم أنه إذا تمكنا من معرفة الكاربون 14 الباقية في جسم لفظ أنفاسه عرفنا الزمن الذي مر على هذا الجسم بعد انقطاعه عن الحياة. ويُحرق عندئذٍ نموذج منه حتى يُمسي كربونًا نقيًّا. ويصار إلى تحديد كمية الكاربون 14 الباقية بمقياس إشعاعي حساس جدًّا على مثال عداد غيغر Geiger. وتُعيَّن النتيجة بعدد انحلالات الكاربون 14 في الدقيقة الواحدة والغرام الواحد. وهذه النتيجة تكون 3، 15 في مادة الجسم المعاصر، وتكون 65، 7 في جسم انقطع عن التنفس منذ 5508 سنوات، وتكون 83، 3 لنموذج انقطع عن التنفس منذ 1163 سنة، ويحسب رجال الاختصاص في هذا العمل الدقيق حساب الخطأ، فيفسحون مجالًا له يقدرونه بخمسة إلى عشرة في المائة.
ومع أن الكاربون 14 موجود في جميع الأجسام التي تتنفس، فإن بعضها أقرب لهذه المعالجة العلمية الإشعاعية من غيره. وهذا البعض هو النباتات على أنواعها، ومنها كتان الأقمصة التي لُفَّت بها دروج البحر الميت، والفحم والأصداف والقشور، وقرون الحيوان والعظم المحروق والزبل والجذور.
وقد أُجريت تجارب من هذا النوع على آثار مادية تاريخية معينة، فجاءت النتائج مدهشة، فقد أُحرقت قطعة من خشب سقف بيت وزير فرعوني، يعود، في عُرف علماء الآثار، إلى ما بين السنة 3100 والسنة 2800 قبل الميلاد، فجاءت نتيجة امتحان الكاربون 14 تدل على أن هذا الخشب قُطع في السنة 2933 قبل الميلاد، مع إمكانية خطأ يقدر بمائتي سنة قبل هذا الرقم أو بعده. وامتحن علماء الإشعاع خشب قارب يُنسب إلى الفرعون سيسوسترس الثالث الذي تُوفي في السنة 1849 قبل الميلاد بموجب تقدير علماء الآثار، فجاءت نتيجة الامتحان تُحدد سنة قطع هذا الخشب بالرقم نفسه تقريبًا. وهكذا فإنه بإمكاننا أن نقول بشيء كثير من الضبط العلمي أن الكَتَّان الذي صُنعت منه أقمصة الدروج في كهوف قمران قُطع وامتنع عن التنفس بين السنة 167 قبل الميلاد والسنة 233 بعد الميلاد (2).
وهكذا فإنه لم يبقَ مجال للتردد؛ فالدروج دُرجت في الكهوف عند خراب قمران بين السنة 66 والسنة 70 بعد الميلاد حرصًا عليها، وضنًّا بكرامتها وقدسيتها. هذا ما يقول جمهرة العلماء، ولا سيما الأب دي فو والدكتور باروز (3).
..........................................
1- Del Medico, H. E.: L'Enigme Des Manusctits de la Mer Morte, (1957). 23–27; Burrows, M.: Dead Sea Scrolls, 75-76.
2- Collier, D.: New Radiocarbon Method for Dating the Past, Biblical Archaeologist, 1951, 25–28; Guindon. W. G.: Radio-active Carbon and the Dead Sea Scrolls, Cath. Bib. Quart., 1951, 268–275; Sellers, O. R.: Date of Cloth from the Scrolls Cave, Bib. Arch., 1951, 29; Bull. Am. Sch. Or. Res., 1951, 24–26; Wright, G. E.: Some Radio-carbon Dates, Bib. Arch., 1951, 31 f.
3- Burrows, M.: Dead Sea Scrolls, 82.