... أنّ المراد من البداء عند الشيعة الإمامية ليس إلّا تغيير المصير والمقدّر بالأعمال الصالحة والطالحة. فليس الإنسان في مقابل التقدير مسيّرا بل هو ـ بعد ـ مخيّر في أن يغيّره بصالح أعماله أو بطالحها، حتى أنّ هذا (تمكن الإنسان من تغيير المصير بالعمل) أيضا جزء من تقديره سبحانه.
فبما أنه سبحانه (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) (1). وبما أنّ مشيئته حاكمة على التقدير ، وبما أنّ العبد مختار لا مسيّر ، فله أن يغيّر مصيره ومقدّره بحسن فعله ويخرج نفسه من عداد الأشقياء ويدخلها في عداد السعداء، كما أنّ له عكس ذلك.
وبما أنّ الله (لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) (2)، فالله سبحانه لا يغير قدر العبد إلّا بتغيير من العبد بحسن عمله أو سوئه. ولا يعد تغيير التقدير الإلهي بحسن الفعل أو سوئه معارضا لتقديره الأول سبحانه ، بل هو أيضا جزء من قدره وسنته. فإنّ الله سبحانه إذا قدّر لعبده شيئا وقضى له بأمر ، لم يقدره ولم يقضه عليه على وجه القطع والحتم ، بحيث لا يغير ولا يتبدل ، بل قضاؤه وقدره على وجه خاص ، وهو أنّ ما قدّر للعبد يجري عليه ما لم يغير حاله بحسن فعل أو سوئه ، فإذا غيّر حاله تغيّر قدر الله وقضاؤه في حقه وحلّ مكان ذلك القدر قدر آخر، ومكان ذلك القضاء قضاء آخر. والجميع (من القضاء والقدر السابقين واللّاحقين) قضاء الله وقدره ، وهذا هو البداء الذي تتبناه الإمامية من مبدأ تاريخها إلى هذا الوقت.
ولأجل إيقاف الباحث على صدق هذا المقال نأتي ببعض النصوص لأقطابها القدماء حتى يعرف أنّ ما نسب إليها من معنى البداء أمر لا حقيقة له:
قال الشيخ الصدوق (ت 306 ـ م 381) في باب الاعتقاد بالبداء : «إنّ اليهود قالوا : إنّ الله تبارك وتعالى قد فرغ من الأمر ، قلنا : بل هو تعالى (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) (3) لا يشغله شأن عن شأن. يحيي ويميت ويخلق ويرزق ويفعل ما يشاء. وقلنا : (يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ) (4)» (5).
وقال الشيخ المفيد (ت 336 ـ م 413) في (شرح عقائد الصدوق) : «قد يكون الشيء مكتوبا بشرط فيتغير الحال فيه ، قال الله تعالى : (ثُمَّ قَضى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ) (6). فتبين أنّ الآجال على ضربين ، وضرب منها مشترط يصح فيه الزيادة والنقصان. ألا ترى قوله تعالى : (وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ) (7).
وقوله تعالى : (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) (8).
فبيّن أن آجالهم كانت مشترطة في الامتداد بالبر ، والانقطاع عن الفسوق.
وقال تعالى فيما أخبر به عن نوح (عليه السلام) في خطابه لقومه : (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ...) (9) إلى آخر الآيات.
فاشترط لهم في مدّ الأجل وسبوغ النعم ، الاستغفار. فلما لم يفعلوا ، قطع آجالهم وبتر أعمالهم واستأصلهم بالعذاب ، فالبداء من الله تعالى (10) يختص بما كان مشترطا في التقدير وليس هو الانتقال من عزيمة الى عزيمة ، تعالى الله عما يقول المبطلون علوا كبيرا» (11).
وقال أيضا في (أوائل المقالات) : «أقول في معنى البداء ما يقوله المسلمون بأجمعهم في النسخ وأمثاله ، من الإفقار بعد الإغناء ، والإمراض بعد الإعفاء ، وبالإماتة بعد الإحياء ، وما يذهب إليه أهل العدل خاصة من الزيادة في الآجال والأرزاق والنقصان منها بالأعمال» (12).
وقال الشيخ الطوسي (ت 385 ـ م 460) في (العدة) : «البداء حقيقة في اللغة هو الظهور ، ولذلك يقال «بدا لنا سور المدينة» و «بدا لنا وجه الرأي». وقال الله تعالى (وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا) (13).
(وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا) (14). ويراد بذلك كله «ظهر».
وقد يستعمل ذلك في العلم بالشيء بعد أن لم يكن حاصلا وكذلك في الظن. وأمّا إذا أضيفت هذه اللفظة إلى الله تعالى فمنه ما يجوز إطلاقه عليه ومنه ما لا يجوز. فأما ما يجوز من ذلك فهو ما أفاد النسخ بعينه ويكون إطلاق ذلك عليه على ضرب من التوسع. وعلى هذا الوجه يحمل جميع ما ورد عن الصادقين (عليهم السلام) من الأخبار المتضمنة لإضافة البداء إلى الله تعالى ، دون ما لا يجوز عليه : من حصول العلم بعد أن لم يكن. ويكون وجه إطلاق ذلك على الله تعالى ، التشبيه وهو أنّه إذا كان ما يدل على النسخ يظهر به للمكلفين ما لم يكن ظاهرا لهم ويحصل لهم العلم به بعد أن لم يكن حاصلا لهم أطلق على ذلك لفظ البداء» (15).
ويريد الشيخ أن إطلاق البداء على الله تعالى لأجل كونه بداء في أذهان الناس ، وظهورا بعد خفاء ، فكان ذلك مصححا لإطلاقه على الله سبحانه بالمجاز والتوسع، كما عرفت نظيره في بعض الألفاظ.
هذا بعض ما أفاده علماء الشيعة القدامى، وأما ما كتبه المتأخرون حوله فحدث عنه ولا حرج وفي وسعك المراجعة إليه (16).
هذا هو الذي تقول به الشيعة وتسميه بداء، وأما غيرهم فيقولون به حسب ما مرّ من الآيات والروايات ولا يسمونه بداء، فالنزاع في الحقيقة إنما هو في التسمية، ولو عرف المخالف أنّ تسمية فعل الله سبحانه بالبداء من باب المجاز والتوسع لما شهر سيوف النقد عليهم. وإن أبى حتى الإطلاق التجوز فعليه أن يتبع النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) حيث أطلق لفظ البداء عليه سبحانه بهذا المعنى المجازي الذي قلناه، في حديث الأقرع والأبرص والأعمى: «بدا لله عزوجل أن يبتليهم» (17).
فبأي وجه فسّر كلام النبي يفسر به كلام أوصيائه.
فاتضح بذلك أنّ التسمية من باب المشاكلة وأنّه سبحانه يعبر عن فعل نفسه في مجالات كثيرة بما يعبر به الناس عن فعل أنفسهم ، لأجل المشاكلة الظاهرية ، ولكونه مقتضى المحاورة مع الناس والتحدث معهم. وقد ذكرنا نماذج من ذلك فيما سبق.
وباختصار: إنّ البحث في حقيقة البداء المقصودة للإمامية أمر اتفق المسلمون حسب نصوص كتابهم وأحاديث نبيّهم عليه ، ولا يمكن لأحد إنكاره.
وأما التسمية بالبداء فمن باب المشاكلة والمجاز ، فمن لم يستسغه فليسمه باسم آخر «وليتّق الله ربه في أخيه المؤمن ، ولا يبخس منه شيئا» ؛ (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ* بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (18).
وبذلك تقف على أنّ ما ذكره الإمام الأشعري في (مقالات الإسلاميين) (19) والبلخي في تفسيره (20)، والرازي في (نقد المحصّل) (21)، وغيرهم حول البداء، لا صلة له بعقيدة الشيعة فيه. فإنهم فسروا البداء لله بظهور ما خفي عليه والشيعة براء منه ، بل البداء عندهم تغيير التقدير بالفعل الصالح والطالح فلو كان هناك ظهور بعد الخفاء فهو بالنسبة إلينا لا بالنسبة إلى الله تعالى ، بل هو بالنسبة إليه إبداء ما خفي وإظهاره. ولو أطلق عليه فمن باب التوسع.
____________
(1) سورة الرّحمن: الآية 29.
(2) سورة الرعد: الآية 11.
(3) سورة الرّحمن : الآية 29.
(4) سورة الرعد : الآية 39.
(5) عقائد الصدوق ، المطبوع في ذيل شرح الباب الحادي عشر ، ص 73.
(6) سورة الأنعام : الآية 2.
(7) سورة فاطر : الآية 11.
(8) سورة الأعراف : الآية 96.
(9) سورة نوح : الآيتان 10 و 11.
(10) سيوافيك وجه إطلاق البداء على الله وأنّه من مقولة المجاز ، كما قوله سبحانه (وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ) ، تمثيلا لفعل الباري بفعل البشر.
(11) تصحيح الاعتقاد ، باب معنى البداء ، ص 25.
(12) أوائل المقالات ، باب القول في البداء والمشيئة ، ص 53.
(13) سورة الجاثية : الآية 33.
(14) سورة الزمر : الآية 48.
(15) عدة الأصول ، ج 2 ، ص 29. وله كلام آخر في كتاب «الغيبة» ، ص 262 ـ 264 ، طبعة النجف يحذو فيه حذو ما ذكره في (العدة) فليرجع إليه.
(16) لاحظ مصابيح الأنوار ، للسيد شبّر ، ج 1 ، أجوبة موسى جار الله للإمام شرف الدين ص 101 ـ 103.
(17) النهاية في غريب الحديث والأثر ، للإمام مجد الدين أبي السعادات المبارك ابن محمد الجزري ، ج 1 ـ ص 109.
(18) سورة هود : الآيتان 85 و 86.
(19) مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين ، ص 107 و 109 و 119 ، طبعة محي الدين عبد الحميد.
(20) نقله شيخنا الأكبر الطوسي في تفسيره : التبيان ، ج 1 ، ص 13 ـ 14 ، طبعة النجف.
(21) نقد المحصّل ، ص 421.