إنَّ الله تبارك وتعالى هيّأ لنا أسبابًا كثيرة لأجل أن نقترب منه، وهذه نقطة جوهريّة مهمّة، فنحن عِباد لله تعالى، وبالنتيجة ربّنا غنيّ عنّا، لكن الله الرحمن الرحيم تعالى هيّأ مجموعة من العوامل؛ حتى لا نبتعد عنه، وقد ورد فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) قَالَ: ((قَالَ الله تَعَالَى لِنَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله) لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ وَكَانَتِ الْأُمَمُ السَّالِفَةُ حَسَنَتُهُمْ بِحَسَنَةٍ وَسَيِّئَتُهُمْ بِسَيِّئَةٍ وَهِيَ مِنَ الْآصَارِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَرَفَعْتُهَا عَنْ أُمَّتِكَ وَجَعَلْتُ الْحَسَنَةَ بِعَشَرَةٍ وَالسَّيِّئَةَ بِوَاحِدَةٍ، وَكَانَتِ الْأُمَمُ السَّالِفَةُ إِذَا نَوَى أَحَدُهُمْ حَسَنَةً فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَم تُكْتَب لَهُ وَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ وَإِنَّ أُمَّتَكَ إِذَا هَمَّ أَحَدُهُمْ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ وَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشَرَةٌ وَهِيَ مِنَ الْآصَارِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَرَفَعْتُهَا عَنْ أُمَّتِكَ، وَكَانَتِ الْأُمَمُ السَّالِفَةُ إِذَا هَمَّ أَحَدُهُمْ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ وَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ عَلَيْهِ سَيِّئَةٌ وَإِنَّ أُمَّتَكَ إِذَا هَمَّ أَحَدُهُمْ بِسَيِّئَةٍ ثُمَّ لَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ وَهَذِهِ مِنْ الْآصَارِ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَرَفَعْتُهَا عَنْ أُمَّتِكَ)) (1).
وروى الشَّيْخ الصدوق رحمه الله بسند معتبر عن صادق آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين، قال: ((كَانَ عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ (عليه السلام) يَقُولُ: وَيْلٌ لِمَنْ غَلَبَتْ آحَادُهُ أَعْشَارَهُ، فَقُلْتُ لَهُ: وَكَيْفَ هَذَا، فَقَالَ: أَمَا سَمِعْتَ الله (عَزَّ وَجَلَّ) يَقُولُ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 160] فَالْحَسَنَةُ الْوَاحِدَةُ إِذَا عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْراً وَالسَّيِّئَةُ الْوَاحِدَةُ إِذَا عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ وَاحِدَةً فَنَعُوذُ بِالله مِمَّنْ يَرْتَكِبُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ وَلَا تَكُونُ لَهُ حَسَنَةٌ وَاحِدَةٌ فَتَغْلِبَ حَسَنَاتُهُ سَيِّئَاتِهِ)) (2).
إنَّ الله تعالى يصنع ذلك؛ حتى نقترب إليه، وكمثال آخر أهمّيّة صلة الرّحم في أنّها علامة من علامات تماسك هذا المجتمع، كما أنَّ صلة الرّحم لها أثر عظيم في بركة الرّزق فقد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله): ((مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَجَلِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَه)) (3).
كما أنَّ الله تعالى إذا غضب على أحدنا جعل هناك سببًا لإطفاء ذلك الغضب ألا وهو صدقة السر، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ صلوات الله عليه أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ (صلى الله عليه وآله) يَقُولُ: ((إِنَّ صَدَقَةَ المُؤْمِنِ لَا تَخْرُجُ مِنْ يَدِهِ حَتَّى يُفَكَّ عَنْهَا لحَيَا سَبْعِينَ شَيْطَاناً، وَصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ، فَإِذَا تَصَدَّقَ أَحَدُكُمْ فَأَعْطَى بِيَمِينِهِ فَلْيُخْفِهَا عَنْ شِمَالِهِ)) (4)، فهناك غضب من الله تعالى استحقّه الإنسان غير أنَّ الله تعالى جعل للإنسان سبيلاً من خلاله يستطيع إطفاء ذلك الغضب.
ولا يمكن تفسير ذلك إلَّا أنَّ الله تعالى يُحبّ عباده، ويريد لهم الخير والسعادة، لذلك ينبغي أن نهتم بمفردة الحب التي سنعيش في رحابها بعد قليل، وأن ندقّق فيها، وأن نصل إلى فلسفة وغاية استعمالها في النّصوص الشريفة وخاصّة في أدعية المعصومين صلوات الله عليهم.
هناك حقيقة أنَّه عندما يُحبّ الإنسان شيئا معيّنًا لا بُدَّ من وجود صفة استثنائيّة في ذلك الشيء جعلته ينجذب إليه، وقد يندم بعد ذلك؛ لأنَّه يكتشف أنَّ تلك الصّفة لم تكن بالمستوى الاستثنائي الذي تصوّره واعتقده وأتعب نفسه من أجلها، وقد يكون الطرف الآخر المتوجّه إليه الحب غير مكترث أصلاً، فلا فائدة مرجوّة في هذه المفردة، فالحبّ الحقيقي لا بُدَّ أن يكون بين طرفٍ محبّ، وطرف قابل لهذه المحبّة.
إنَّ الإنسان قد يُحبّ حجراً، وقد يُحبّ شجرة ينجذب إليها، وتارة الإنسان يُحبّ الله تعالى، فحبّ الإنسان عادة ناشئ من جاذبيّة الشّيء المحبوب، وحينما لا يُبادلك المحبوب بمشاعر المحبّة فلا قيمة لهذه المحبّة.
أمّا حبّ الله تعالى للعبد من ثمراته أنّه يرزقه الهداية الرّوحية، والغنى السلوكيّ، والانفتاح على تحويل ذاته إلى ذات غنيّة بالخير، فالحب الإلهيّ يجعل الإنسان غنيًّا في الدنيا والآخرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الاحتجاج على أهل اللجاج، للطبرسي: 1 / 222.
(2) معاني الأخبار: 248.
(3) الخصال: 1 / 32.
(4) المصدر نفسه: 1 / 241.