الإنسان متمدّن على أساس فطرته التي فُطر عليها: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30]. فيتعامل مع الآخرين ويحترم حقوقهم على أساس فطرته الإلهية. وإن هذا التعاون والتعامل الذي له جذوره في المدينة المطلوبة لدى الدين موجود في فطرة الإنسان الحقيقية وفي هذا الشأن يقول الشاعر المرحوم «سعدی»: بنو آدم أعضاء الجسد واحد وقد خلقوا من جوهر واحد فإذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء
فإن مضمون هذا الشعر بالإضافة إلى كونه عصارة لبعض الأحاديث الدينية الشريفة(1)، يعتبر من المستلزمات القطعية لفطرة الإنسان، لأن الإنسان بمقتضى فطرته يحزن لحزن الآخرين ويفرح لفرحهم.
ومن جانب آخر فإن الإنسان بالاستناد إلى فطرته الإنسانية يحب لغيره ما يحب لنفسه ويكره لغيره ما يكره لنفسه. وإن هذه الخصيصة كما أنها من مستلزمات الإيمان كما جاء في الحديث النبوي الشريف: «لا يستكمل المرء الإيمان حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»(2)، هي من مستلزمات الفطرة أيضاً لأن الإنسان مفطور على الإيمان وهذا ما يتم استظهاره من صدر هذه الآية: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} [الروم: 30].
ومن هنا فإن مدنية الإنسان الفطرية لا تنسجم بتاتاً مع نهب الثروات الطبيعية وتلويث البيئة والتعدي على حقوق الآخرين وإنه وإن كان يسير وراء المنافع الدنيوية حسب متطلباته المادية ولكن لا يتعدى على مصالح الآخرين للوصول إلى مآربه بل يسعى لأن يغض الطرف عن حقوقه أيضاً من أجل مساعدة الآخرين وقضاء حوائجهم؛ {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } [الحشر: 9]، لأن الإنسان الذي تطابق أعماله الفطرة السليمة لا تكـون دوافعه الدنيوية ومطامعه المادية مبرراً لمعونته ومساعدته للآخرين وبما أن فطرته الإلهية الحنيفة متوجهة صوب المبدأ الأزلي الربوبي على الدوام، لا يُروى غليله بالدوافع والمنافع الدنيوية والمادية الصرفة ولذا تجده في ما وراء أي عمل يقوم به من مساعدة الآخرين يبحث عن ماء الحياة وعن ضالته الحقيقية؛ {إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا } [الإنسان: 9].
وإن كل ما قيل من مفاهيم كالتعاون والتفاهم والمساعدة والمشاركة والشعور بالتضامن والتضحية والإيثار وما إلى ذلك إنما هي من المظاهر الاجتماعية للفطرة السليمة وإن المدنية المطلوبة لدى الدين أيضاً تتبلور على أساس مثل هذه الأمور.
___________________________
(1) راجع: الكافي، ج2، ص166.
(2) بحار الأنوار، ج72، ص257.