التزام المحكم بالإجراءات المتبعة أثناء السير في الخصومة التحكيمية
المؤلف:
يقين كريم محيبس
المصدر:
التزام المحكم بضمان التوازن الاجرائي بين الخصوم في أطار العلاقات الخاصة الدولية
الجزء والصفحة:
ص96-105
2026-10-18
27
يقع على عاتق المحكّم بوصفه القائم على إدارة الخصومة التحكيمية الالتزام بجملة من الضوابط الإجرائية التي تحكم سير التحكيم منذ بدايته وحتى صدور الحكم فيه، بما يفرض عليه عدم تجاوز حدود السلطة الممنوحة له قانونا أو اتفاقا، وبما يجنب حكمه شبهة البطلان أو الطعن.
ويعد التزام المحكّم بتهيئة إجراءات الدعوى التحكيمية من أبرز هذه الالتزامات وأكثرها اتصالا بتحقيق التوازن الإجرائي بين الخصوم، إذ لا يكفي مجرد إخطار الأطراف بقيام الخصومة ما لم يقترن ذلك بتنظيم إجرائي واضح يمكنهم من ممارسة حقوقهم الإجرائية على نحو متكافئ (1).
وتتمثل تهيئة إجراءات الدعوى التحكيمية في قيام المحكّم باتخاذ التدابير التنظيمية اللازمة قبل الدخول في بحث موضوع النزاع بما يكفل انتظام الخصومة، ويمنع المفاجأة الإجرائية، ويحول دون تفوق أحد الخصوم إجرائيا على الآخر (2).
وفي هذا الإطار، يضطلع المحكّم بدور إيجابي في ضبط مسار الخصومة، من خلال تحديد القواعد الإجرائية الواجبة التطبيق وتنظيم تبادل المذكرات والمستندات وتحديد المواعيد والآجال، وإدارة الجلسات أو المسار الكتابي وذلك كله في إطار احترام مبدأ المواجهة وضمان حق الدفاع.
ومن ثم، فأن دراسة التزام المحكّم بتهيئة إجراءات الدعوى التحكيمية تكتسب أهمية خاصة، كونها تمثل الإطار العملي الذي تتحقق من خلاله المساواة الإجرائية بين الخصوم، وتصان به مشروعية الخصومة التحكيمية، الأمر الذي ينعكس مباشرة على صحة الحكم التحكيمي وقابليته للتنفيذ.
ومن أهم الإجراءات التي يقوم بها المحكّم اثناء سير الخصومة تتمثل فيما يلي:
اولا- البت في اتفاق التحكيم ومدى صحته
إن البحث في وجود اتفاق التحكيم ومدى صحته الإجراء الأول الذي يباشره المحكم بعد قبوله مهمة التحكيم، وقبل الشروع في بدء الخصومة التحكيمية واتخاذ إجراءاتها.
فالمحكم، وأن كان قبوله للمهمة يمثل قبولا مبدئيًا لتولي نظر النزاع، إلا أن ولايته الفعلية في مباشرة الخصومة لا تنعقد إلا بعد التثبت من قيام اتفاق التحكيم وصحته بوصفه الأساس القانوني الذي تستند إليه الخصومة التحكيمية برمتها (3).
ذلك أن اتفاق التحكيم يعد العقد المنشئ لولاية المحكم والمصدر الوحيد لسلطته في الفصل في النزاع، الأمر الذي يفرض عليه التزاما سابقا على بدء الخصومة، يتمثل في التحقق من وجود هذا الاتفاق، واستيفائه لشروطه القانونية، وامتداده إلى النزاع المعروض عليه.
وعند قبول المحكّم لمهمته فإنه ينتقل من مجرد شخص معين بإرادة الأطراف، إلى صاحب ولاية قانونية يناط به الفصل في نزاع قائم وفق قواعد محددة، الأمر الذي يضعه في مركز قانوني متميز يختلف عن مجرد الدور الاستشاري.
فمباشرة المحكّم لمهمته لا تقتصر على إدارة النزاع أو تقريب وجهات النظر بين الخصوم، وإنما تنصرف إلى ممارسة سلطة الفصل في الخصومة، وإصدار قرار ملزم يحسم النزاع المعروض عليه، بل حتى يقع على عاتقه التأكد من اتفاق التحكيم ومدى صحته (4).
ومن ثم، فأنّ هذا المركز القانوني والوظيفة التي يباشرها المحكّم تثير التساؤل حول الطبيعة القانونية لعمله، وما إذا كان يعد عملا قضائيا من حيث جوهره، وهو ما يستوجب الوقوف على عناصر هذا العمل ومدى تقاربه مع الوظيفة القضائية.
يرى آخر أنّ عمل المحكّم يعد عملا قضائيا من حيث جوهره، إذ تتوافر فيه العناصر الأساسية التي يقوم عليها العمل القضائي والمتمثلة في وجود خصومة قائمة بين أطراف النزاع وادعاء ومطالبة بالحق والفصل في النزاع بالاستناد إلى قاعدة قانونية محددة بقصد تحقيق الحماية القانونية المنشودة (5).
كما أن اختلاف وجهات نظر الخصوم بشأن الوقائع أو القواعد القانونية الواجبة التطبيق لا يغير من الطبيعة القضائية لوظيفة المحكّم الذي يباشر مهمته في إطار نزاع محدد ووفق ولاية مخولة له للفصل فيه.
ويترتب على ذلك أن الحكم الصادر عن المحكّم يتوافق في طبيعته وآثاره مع الحكم القضائي (6) سواء من حيث الشكل أو من حيث الموضوع، إذ يتمتع الحكم التحكيمي بحجية الشيء المقضي به ويستند في صدوره إلى سلطة الفصل المخولة للمحكم شأنه في ذلك شأنّ القاضي عند مباشرته لوظيفته القضائية كما يلتزم المحكّم بالفصل في النزاع المعروض عليه ضمن حدود ولايته(7).
كما يتشابه الوضع القانوني للمحكم مع الوضع القانوني للقاضي من حيث السلطة والمركز القانوني، إذ يملك المحكّم صلاحية اتخاذ إجراءات الإثبات والبت في الطلبات والدفوع المقدمة إليه وردها للأسباب ذاتها التي يعملها القاضي في عمله القضائي(8).
ويخضع الحكم الصادر عنه عند الاقتضاء لإجراءات التفسير أو تصحيح الأخطاء المادية أو الفصل فيما أغفل الفصل فيه من طلبات على نحو الأمر مماثل لما هو مقرر بالنسبة للأحكام القضائية.
ویری جانب آخر الذي يتبنى الطبيعة التعاقدية لعمل المحكّم أن أساس مهمة المحكّم هو اتفاق التحكيم الذي يبرمه الأطراف، فالمحكّم لا يستمد سلطته من الدولة كما هو حال القاضي، وإنما من إرادة المتنازعين أنفسهم (9).
فبمجرد اتفاقهم على عرض نزاعهم على شخص معين للفصل فيه تنشأ علاقة ذات طابع تعاقدي بين الأطراف والمحكّم، وتكون هذه العلاقة هي المصدر الحقيقي لاختصاصه وسلطته.
وبناءً على ذلك، فأن مهمة المحكّم تختلف عن مهمة القاضي من عدة أوجه، فالقاضي يؤدي وظيفة عامة دائمة تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة وتطبيق القانون باسم الدولة، أما المحكّم فيؤدي مهمة خاصة ومؤقتة هدفها حسم نزاع محدد تحقيقا لمصلحة أطراف اختاروه بإرادتهم الحرة.
كما أن المحكّم ليس موظفًا عامًا، ولا يشترط فيه ما يشترط في القاضي من صفات رسمية، بل قد يكون أي شخص تتوافر فيه الثقة والخبرة التي يرضى بها الأطراف.
كذلك، فأن سلطة المحكَّم محدودة بإطار اتفاق التحكيم، فلا يملك سلطات الأمر والإجبار التي يتمتع بها القاضي، ولا يستطيع تنفيذ حكمه بنفسه بل يحتاج إلى تدخل القضاء لمنحه الصيغة التنفيذية. وحتى حجية حكم التحكيم وقوته الملزمة تفسر وفق هذا الاتجاه بأنّها نتيجة لاتفاق الأطراف المسبق على الالتزام بما يصدر عنه (10).
فالتحكيم يقوم على اتفاق الأطراف وهذا يعطيه طابعا تعاقديًا (11) ، لكنه في الوقت نفسه ينتهي بحكم يفصل في النزاع وهذا يمنحه طابعا قضائيا ومع ذلك فهو لا يندمج بالكامل في أي منهما بل يجمع بينهما في إطار مستقل له قواعده الخاصة (12).
ولا يؤيد الباحث الرأي الذي يحاول حصر مهمة المحكّم في قوالب جامدة، سواء باعتباره مجرد وكيل عن الأطراف، أو قاض يمثل الدولة، وهي محاولة تغفل الجوهر الحقيقي والفريد لهذه الوظيفة. بل يؤيد أنّ عمل المحكّم هو نتاج ثقة منحها له الأطراف، وسلطة خولها له القانون. لذا، يؤيد الباحث الاتجاه الذي ينظر لعمل المحكّم على أنه نظام ذو طبيعة خاصة، فهو يبدأ كعقد يبرمه بشر بإرادتهم، لكنه يرتقي ليصبح قضاء يحقق العدالة.
وعليه فلا يجوز للمحكم، أن يباشر أي إجراء من إجراءات الخصومة التحكيمية، بما في ذلك الإخطار أو تهيئة إجراءات الدعوى ما لم يطمئن إلى صحة الاتفاق وصلاحيته كأساس لمباشرة التحكيم (13).
وعليه، فأنّ البحث في اتفاق التحكيم لا يُعد إجراء سابقًا على قبول المحكّم لمهمته، وإنما يعد الإجراء الأول السابق على بدء الخصومة التحكيمية ذاتها، وهو إجراء جوهري يترتب على إغفاله المساس بولاية المحكّم وتعريض الحكم الصادر عنه للبطلان؛ لصدوره دون سند من اتفاق صحيح ونافذ.
ثانيا اختيار مكان التحكيم
يعد مكان التحكيم مفهومًا قانونيا يشير الى الولاية القضائية التي يعتبر التحكيم فيها مكان انعقاده، وهو بمثابة المكان القانوني للتحكيم الدولي.
وفي الأصل يحدد مقر التحكيم من قبل الأطراف في اتفاقية التحكيم الخاصة بهم، وفي حال غياب اتفاق الأطراف يحدد هذا المكان من قبل مؤسسة التحكيم أو هيئة التحكيم بعد تعيينها.
ويعرفه البعض بأنه ذلك المكان الذي يجب أن يصدر فيه، أو الذي صدر فيه بالفعل حكم التحكيم والذي هو عادة مكان اتخاذ إجراءات التحكيم (14)
ويذهب جانب أخر من الفقه على ضرورة الوقوف على مكان التحكيم وتحديده طبقا لكل ظرف من ظروف النزاع، لذا في بعض الحالات الضرورية تستدعي نقل هيئة التحكيم خارج المكان الذي اتفق عليه الأطراف، أو المكان الذي تم تحديده سواء كان في داخل البلد أو خارجه (15) . ويؤكد جانب آخر من الفقه أنّ مكان التحكيم الذي عيّن لا يفترض بالضرورة أن تعقد فيه جلسات النزاع أجمعها إلا في حال أتفاق أطراف النزاع على ذلك(16).
إن موقع التحكيم يحمل قيمة كبيرة، إذ يمكن أن يكون القانون المعمول به في ذلك المكان هو القانون الذي يُعتمد عليه لاستكمال الإجراءات المتفق عليها بين الأطراف وتوضيح حدود مشروعيتها (17). هذا بالإضافة إلى مدى تكيف المكان المختار مع ظروف كل طرف، كما ورد في الفقرة الأولى من المادة 20 في القانون النموذجي (18).
ويقتضي ذلك تعيين المكان منذ بدء الإجراءات، إما باتفاق الأطراف أو بتفويض هيئة التحكيم حيث جاء في المادة (13/1) من نظام (A.A.A) (19)، مع مراعاة حجج الأطراف وظروف النزاع. فإذا اتفق الطرفان على مكان معين وجب احترام اتفاقهما ما لم يترتب على مخالفته إخلال بحقوق الدفاع كما أن عدم احترام هذا الاتفاق لا يؤدي بالضرورة إلى بطلان الحكم إلا إذا ترتب عليه ضرر جوهري.
وعند غياب الاتفاق، تملك هيئة التحكيم سلطة تحديد المكان مع مراعاة ما يسهل سير الإجراءات وجمع الأدلة وسماع الشهود كما أنّ تحديد مكان التحكيم يعد معياراً في وصف الحكم بالوطني أو الأجنبي، وتحديد إمكانية تنفيذه في دولة غير التي صدر فيها، الأمر الذي يبرز أهميته في المنازعات ذات الطابع الدولي (20).
ومن حيث تحديد الجهة التي يقع عليها عبء مراعاة الاعتبارات المتصلة باختيار مكان التحكيم (21)، فأن الأصل أن ذلك ينهض به الأطراف متى باشروا تعيينه باتفاقهم، إذ تكون لهم حرية تحديده داخل الدولة أو خارجها وعليهم عندئذٍ مراعاة ما يحقق المساواة بينهم وملاءمة المكان لظروف الدعوى وإمكان مشاركة كل منهم في الإجراءات دون مشقة أو إخلال بحقوق الدفاع.
أما إذا خلا الاتفاق من تحديد مكان التحكيم فأن سلطة التعيين تنتقل إلى هيئة التحكيم فتلتزم عندئذٍ بمراعاة ظروف النزاع وملاءمة المكان وراحة الطرفين وما ييسر حسن سير الإجراءات(22). ولها، في هذا الإطار، أن تجتمع في أي مكان تراه مناسباً للمداولة بين أعضائها أو لسماع الشهود والخبراء أو لفحص المستندات أو لمعاينة البضائع أو الأموال ما لم يتفق الطرفان على خلاف ذلك، على أن يتم إخطارهم بوقت كافٍ لتمكينهم من الحضور.
وأما بخصوص موقف مشروع قانون التحكيم العراقي فقد أخذ مشروع قانون التحكيم العراقي بمبدأ حرية أطراف التحكيم في اختيار مكان التحكيم، إذ نصت المادة (18/ثانيا) منه على أن من حق الأطراف الاتفاق على تحديد مكان التحكيم»، ثم قررت أنّه فأنّ لم يتفقوا تولت هيئة التحكيم تحديد ذلك المكان مع مراعاة ظروف القضية وملاءمة المكان لأطراف التحكيم.
ويتضح من هذا النص أن المشروع جعل الأصل في تحديد مكان التحكيم راجعا إلى إرادة الأطراف، أما عند غياب هذا الاتفاق فتنتقل سلطة التحديد إلى هيئة التحكيم على ألا تمارس هذه السلطة بصورة مطلقة، بل في ضوء ظروف النزاع وملاءمة المكان الأطراف الخصومة التحكيمية.
وأما عن موقف قانون التحكيم المصري رقم (27) لسنة 1994 فقد سار في الاتجاه ذاته، إذ نصت المادة (28) منه على أنّ لطرفي التحكيم الاتفاق على مكان التحكيم في مصر أو خارجها، فإذا لم يوجد اتفاق عينت هيئة التحكيم مكان التحكيم مع مراعاة ظروف الدعوى وملاءمة المكان لأطرافها، ولا يخل ذلك بسلطة هيئة التحكيم في أنّ تجتمع في أي مكان تراه مناسبًا للقيام بإجراء من إجراءات التحكيم...".
وبذلك يكون المشرع المصري قد أكد حرية الأطراف في اختيار مكان التحكيم، وقرر سلطة احتياطية لهيئة التحكيم عند عدم الاتفاق مع التمييز بين مكان التحكيم بوصفه مقرًا قانونيا وبين المكان الذي قد تباشر فيه الهيئة بعض الإجراءات المادية.
وكذلك موقف قانون التحكيم الفرنسي فقد عالج مسألة مكان التحكيم من خلال القواعد العامة المنظمة لإجراءات التحكيم الدولي أي لم ينص على مادة مستقلة تخص مكان التحكيم على غرار المشرعين العراقي والمصري، إذ نصت المادة (1509) من قانون الإجراءات المدنية الفرنسي على أنّ اتفاق التحكيم يجوز أن ينظم الإجراءات الواجب اتباعها في الخصومة التحكيمية مباشرة أو بالإحالة إلى نظام تحكيم أو قواعد إجرائية، فإذا سكت الاتفاق تولت هيئة التحكيم تنظيم الإجراءات بالقدر اللازم. كما أوجبت المادة (1510) على هيئة التحكيم ضمان المساواة بين الأطراف واحترام مبدأ المواجهة.
ومن ثم، فأن تحديد مكان التحكيم في القانون الفرنسي يستند ابتداء إلى إرادة الأطراف ضمن سلطتهم في تنظيم الإجراءات، وعند غياب الاتفاق تنتقل هذه السلطة إلى هيئة التحكيم بشرط مراعاة الضمانات الإجرائية الأساسية.
ويفهم من ذلك أن حرية الأطراف مطلقة في تحديد مكان التحكيم دون التمييز مع إمكانية أن تعقد الهيئة جلساتها في أي مكان تراه مناسبا بشرط عدم الاخلال بحقوق الدفاع كما نصت على ذلك أيضا المادة (2/13) من نظام (A.A.A)(23)
وبذات الاتجاه ذهبت أيضا المادة (20) من القانون النموذجي (24) ، كما جاء في المادة (14) من نظام التحكيم لغرقة التجارة الدولية في باريس (25) بالنص على مكان التحكيم.
ولغرض استكمال ما بدأنا به لمهام المحكّم في تهيئة الدعوى، وبعد تناول مكان التحكيم الذي يمثل الركيزة الجغرافية والإجرائية للخصومة، يجد المحكَّم نفسه أمام التزام جوهري آخر لا يكتمل الإطار القانوني للدعوى بدونه، ألا وهو تحديد القواعد الموضوعية التي سيفصل في النزاع استناداً إليها. فالمكان التحكيمي ليس مجرد مكان مادي، بل هو نقطة انطلاق لتحديد القانون الواجب التطبيق في حال غياب اتفاق الأطراف، الأمر الذي ينقلنا إلى الإجراء أو التزام ثالث جديد يقع على عاتق المحكّم ويجب الالتزام به ولا يمكنه اغفاله وسنبينه في الفقرة التالية.
ثالثا- تحديد لغة التحكيم
تعد لغة التحكيم موضوعًا بالغ الأهمية، وتزداد أهميتها في التحكيم الدولي؛ لذا حبذا أن تتفق الأطراف المتنازعون مسبقًا على تحديد لغة التحكيم.
فإذا بوشرت إجراءات التحكيم بلغة لا تعد لغة اي من أطراف النزاع، ولا لغة الشهود الذين يستعان بهم في اثبات الحق، فإنّ ذلك سيلقي عبنا اضافيا على كاهل الأطراف المتنازعة، فضلا عما سيتكبدونه من نفقات إضافية ناجمة عن اللجوء إلى الترجمة (26).
وأن المقصود بلغة التحكيم اللغة التي تستعمل في مباشرة إجراءات الخصومة التحكيمية بما في ذلك تقديم المرافعات والمذكرات وتبادل المستندات والوثائق فضلا عن اللغة التي يحرر بها الحكم التحكيمي (27).
وقد تكون لغة التحكيم واحدة في جميع مراحل الخصومة، كما قد تتعدد تبعا لتعدد لغات أطراف النزاع دون أن يكون لذلك تأثير في الطبيعة القانونية للحكم التحكيمي، إذ لا يُعد الحكم وطنيًا أو أجنبيًا استنادا إلى اللغة التي صدر بها (28).
والأصل أن يترك تحديد لغة التحكيم لإرادة الأطراف باعتبارها مظهرا من مظاهر مبدأ سلطان الإرادة في التحكيم، إذ يلتزم الأطراف باختيار لغة التحكيم واللغة التي يصدر بها الحكم؛ كون المرافعات والطلبات تقدم بذات اللغة التي يحرر بها الحكم التحكيمي، وهي غالبا لغة الدولة أو اللغة المتفق عليها بين الخصوم.
كما لابد أن نشير الى حالة عدم أتفاق على لغة التحكيم من قبل الأطراف المتنازعة (29)، فأن هذا يؤدي بالمحكّمين إلى اعتماد لغة المراسلات كلغة للتحكيم، وقد تكون هذه اللغة ليست بلغة العقد في أحيان كثيرة (30)، وقد جرى العمل على المستوى الدولي على الأخذ بالحل الثاني (31).
أما بخصوص موقف مشروع قانون التحكيم العراقي للأطراف حرية الاتفاق على لغة التحكيم، إلا أنه جعل اللغة العربية هي الأصل الذي تجرى به إجراءات التحكيم عند عدم وجود اتفاق على خلاف ذلك، وبذلك تبنى المشروع حلاً وسطا يجمع بين احترام سلطان إرادة الأطراف والحفاظ على اللغة الرسمية للدولة. كما وسع نطاق تطبيق اللغة المختارة لتشمل جميع إجراءات التحكيم، والمذكرات والمرافعات الشفوية، والأحكام والقرارات والإعلانات الصادرة عن هيئة التحكيم، مع منح الهيئة سلطة طلب ترجمة ما يقدم إليها من وثائق أو مستندات إلى اللغة المعتمدة في التحكيم إذا اقتضت الضرورة ذلك.
وقد نصت المادة (21 / أولا) من مشروع قانون التحكيم العراقي على يجري التحكيم باللغة العربية ويشمل ذلك إجراءات التحكيم وما يقدمه الأطراف من مذكرات مكتوبة أو مرافعة شفوية أو أي حكم تحكيمي أو قرار أو إعلان يصدر عن هيئة التحكيم ما لم يتفق على خلاف ذلك".
وكذلك اتجه المشرع المصري إلى منح الأطراف حرية كاملة في تحديد لغة التحكيم، دون أن يجعل لغة معينة هي الأصل، فإذا لم يتفق الأطراف على اللغة تولت هيئة التحكيم تحديدها. ويعد هذا الاتجاه أكثر مرونة من مشروع القانون العراقي، إذ لم يفترض لغة معينة لإجراءات التحكيم، وإنما ترك الأمر ابتداء لاتفاق الأطراف، ثم لسلطة هيئة التحكيم عند غياب الاتفاق، وقد نصت المادة (29) من قانون التحكيم المصري رقم (27) لسنة 1994 يجرى" التحكيم باللغة العربية أو بأي لغة أو لغات أخرى يتفق عليها الطرفان، فإذا لم يوجد مثل هذا الاتفاق حددت هيئة التحكيم لغة أو لغات التحكيم، ويسري حكم تحديد اللغة على لغة البيانات والمذكرات المكتوبة والمرافعات الشفوية، وكذلك على كل قرار تتخذه هيئة التحكيم أو رسالة توجهها أو حكم تصدره، ما لم ينص اتفاق الطرفين أو قرار هيئة التحكيم على غير ذلك، ولهيئة التحكيم أنّ تقرر أن يرفق بكل أو بعض الوثائق المكتوبة التي تقدم في الدعوى ترجمة إلى اللغة أو اللغات المستعملة في التحكيم".
ولم يتضمن القانون الفرنسي نصّا خاصا ينظم لغة التحكيم، سواء في التحكيم الداخلي أو الدولي، وإنما ترك تحديدها لمبدأ سلطان الإرادة، بحيث يكون للأطراف الاتفاق على اللغة التي يرونها مناسبة، فإذا لم يوجد اتفاق كأن لهيئة التحكيم، استنادًا إلى سلطتها في إدارة الإجراءات، تحديد اللغة التي تجرى بها الخصومة التحكيمية ويعكس هذا الاتجاه حرص المشرغ الفرنسي على منح هيئة التحكيم والأطراف أكبر قدر من المرونة، دون فرض لغة معينة، وهو ما يتلاءم مع الطبيعة الدولية للتحكيم وأما بخصوص موقف بعض التشريعات فقد نصت المادة (22) من القانون النموذجي Model Law (32)، في حين تنص المادة 14 من نظام A.A.A)) (33)على ذلك أيضا، ويتبين من هذين النصين أنّ اللغة التي يتم الاتفاق عليها من قبل الأطراف، أو التي تحددها هيئة التحكيم عند غياب هذا الاتفاق، تعد اللغة الرسمية التي تسري على جميع إجراءات الخصومة التحكيمية، وتمتد لتشمل المرافعات والطلبات والمذكرات وسائر الأوراق والمستندات المقدمة في الدعوى التحكيمية (34).
ويتم استخدام اللغة المختارة لكتابة البيانات والملاحظات والمرافعات وكذلك في كل قرار يصدر عن محكمة التحكيم أو رسالة تجهز إليها، باستثناء أنّ الأطراف يمكنها الاتفاق على استخدام لغة أخرى غير اللغة المحددة مسبقاً في المرافعات. في حال كانت هيئة التحكيم هي التي حددت اللغة، فيمكنها أيضاً تغيير اختيارها في أي وقت وإذا تم تقديم مستندات مكتوبة بلغة أخرى غير اللغة المعتمدة في التحكيم، فأن المحكمة يمكنها إصدار أمر بترجمتها إلى اللغة التي تم اختيارها. وإذا كأنّ هناك أكثر من لغة، يحق لمحكمة التحكيم أن تعتمد لغة واحدة فقط (35).
يثور في هذا المقام تساؤل جوهري مؤداه هل يعد إخلال المحكم بالالتزامات السابقة، المتمثلة في التحقق من صحة اتفاق التحكيم، واحترام مكان التحكيم ولغته وفق ما اتفق عليه الأطراف، مجرد مخالفة إجرائية، أم أنّه يمثل إخلالا بالتوازن الإجرائي بين الخصوم ينعكس أثره في صحة الإجراءات والحكم التحكيمي؟
إن الالتزامات المتقدمة لا تعد مجرد تنظيمات إجرائية شكلية؛ وإنما تمثل ضمانات أساسية لتحقيق التوازن الإجرائي بين الخصوم، فالتثبت من صحة اتفاق التحكيم هو الذي يضفي المشروعية على ولاية المحكم، فلا يجوز له مباشرة إجراءات الخصومة في غياب اتفاق صحيح ونافذ كما أن احترام مكان التحكيم المتفق عليه يعد ضمانة لتمكين كل طرف من المشاركة الفاعلة في الإجراءات دون تحميله أعباء غير مبررة أو المساس بحقوق دفاعه.
ويحسب الأمر ذاته على لغة التحكيم، إذ أنّ مخالفة اللغة المتفق عليها أو اعتماد لغة تحول دون تمكين أحد الأطراف من فهم الإجراءات أو عرض دفاعه على الوجه الأكمل من شأنه أن يخل بمبدأي المواجهة والمساواة، وهما من أهم مقومات التوازن الإجرائي.
ومن ثم، فأنّ إخلال المحكّم بأي من هذه الالتزامات، متى ما ترتب عليها المساس بحقوق الدفاع أو التأثير في مركز أحد الخصوم، لا يعد مجرد مخالفة تنظيمية، وإنما يمثل إخلالا بالتوازن الإجرائي قد يترتب عليه بطلان حكم التحكيم أو رفض الاعتراف به أو تنفيذه، بحسب الأحوال.
_________________
1- ينظر في المعنى القريب من ذلك: مريجة خديجة، تكاري هيفاء رشيدة، إرساء المسؤولية المدنية للمحكم في الخصومة التحكيمية بين إشكاليات التكييف وحتمية الحد من الأخطاء التحكيمية، المجلة الأكاديمية للبحوث القانونية والسياسية، مجلد السادس، العدد الأول، 2021، ص 186.
2- ينظر في المعنى القريب من ذلك : محمد خير خلف العبيات، إجراءات التحكيم، رسالة ماجستير، جامعة الشرق الأوسط، 2019، ص29.
3- ناصر محمد الشرمان، المركز القانوني للمحكم في التحكيم التجاري الدولي، ط1 ، مركز الدراسات العربية للنشر والتوزيع، مصر، 2015، ص251
4- ينظر في المعنى القريب من ذلك عمر محي الدين سلطة القضاء في إبطال حكم التحكيم موضوعيا، رسالة ماجستير، جامعة الشرق الأوسط، أيار 2020 ص 23- ص 24.
5- عمر سعد الله حل النزاعات الدولية ،ط1 ، ديوان المطبوعات الجامعية ،الجزائر، 2005، ص189.
6- محمد حسنين عبد العال حجية الأمر المقضي في المواد المدنية والتجارية بلا طبعة، دار الجامعة الجديدة، الإسكندرية، 2012، ص 59.
7- مصطفی محمد جمال عكاشة عبد العال التحكيم في العلاقات الخاصة الدولية والداخلية، ط1، منشورات الحلبي الحقوقية ، 1998 ، بيروت - لبنان ، ص 43.
8- أبو العلا على أبو العلا النمر، وأحمد قسمت الجداوي، المحكمون، دراسة تحليلية لإعداد المحكم، مركز التحكيم، حقوق عين الشمس دار أبو المجد، القاهرة، 2002، ص 59 الى 61 .
9- مسعودي أسماء المحكّم في خصومة التحكيم الدولي مذكرة لنيل شهادة ماستر أكاديمي، جامعة قاصدي مرباح - ورقلة، كلية الحقوق والعلوم السياسية، 2015، ص6.
10- علي رمضان بركات، خصومة التحكيم في القانون المصري والمقارن، رسالة دكتوراه، 1996، ص 25.
11- ينظر في المعنى القريب من ذلك: سهام العلواني، أثر شرط الكتابة على اتفاق التحكيم مجلة الاجتهاد القاضي، المجلد 13 ، العدد 2 ،الجزائر، 2021، ص 1313.
12- إبراهيم أحمد إبراهيم التحكيم الدولي الخاص ،ط3، دار النهضة العربية، القاهرة، 2000، ص40.
13- راجعي حدة المحكم ودوره في خصومة التحكيم، رسالة ماجستير، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة محمد بوضياف المسيلة، الجزائر، 2021، ص31.
14- عاطف بيومي محمد شهاب الاختصاص بالتحكيم في عقود التجارة الدولية، أطروحة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة عين الشمس، 2001، ص 370 يعرف أيضا هو الولاية الجغرافية والقانونية التي يرتبط بها التحكيم، نقلا عن:
Arbitration, http. ://en.wikipedia.org/wiki/Arbitration.
15- Herman Verbist, La Pratique internationale arbitrage, de, La, C.C.I. en matiére de fixation Lieu arbitrage, Rev. Dr. Att. Intr. 1995, P.1000.
16- محسن شفيق، التحكيم التجاري الدولي، ط 1 ، دار النهضة العربية، القاهرة، 1973 ، ص 242.
17- Henri Alvarez, Fasken Martineau, Achieving the Potential of International Commercial Arbitration, op.cit, p2.
18- فوزي محمود سامي، التحكيم التجاري الدولي، ج 5 ، ط5، جامعة بيروت مكتبة دار الثقافة للنشر والتوزيع 2022، ص 165.
19- المادة 13/1 " إذا لم يتفق الأطراف على مكان التحكيم تتولى هيئة التحكيم الأمريكية تحديد هذا المكان في مرحلة أولى مع مراعاة حق المحكمة التحكيمية في تحديده نهائيًا في خلال الستين يوما التي تلي تشكيلها وفي جميع الأحوال يأخذ في هذا الخيار بعين الاعتبار حجج الأطراف وظروف القضية".
20- جمال محمود الكردي، القانون الواجب التطبيق في دعوى التحكيم، ط1 ، دار النهضة العربية، 2003، ص83.
21- المادة 1/13 من نظام تحكيم الهيئة الامريكية.
22- Herman Verbist.Op.cit.P1004.
23- المادة (13/2) يمكن لمحكمة التحكيم أن تنتقل إلى أي مكان تراه مناسبا عقد اجتماعاتها، وسماع الشهود، أو الفحص مستندات، وجب إخطار الأطراف قبل الموعد بوقت كاف ليتمكنوا من الحضور".
24- المادة 20 - للطرفين حرية الاتفاق على مكان التحكيم، فأن لم يتفقا على ذلك تولت هيئة التحكيم تعيين هذا المكان، على أن تؤخذ في الاعتبار ظروف القضية بما في ذلك راحة الطرفين. - استثناء من أحكام الفقرة (1) من هذه المادة، يجوز لهيئة التحكيم أن تجتمع في أي مكان تراه مناسبا للمداولة بين أعضائها ولسماع أقوال الشهود أو الخبراء أو طرفي النزاع أو لمعاينة بضائع أو غيرها من الممتلكات، أو لفحص المستندات مالم يتفق الطرفان على خلاف ذلك ».
25- المادة (14) 1 - ما لم يكن هناك اتفاق مخالف من الأطراف، وبعد استشارتهم، يجوز للمحكمة أن تعقد جلسات أو اجتماعات التحكيم في أي مكان آخر تراه مناسبا". 2- يجوز للمحكمة التحكيمية أن نعقد جلسات مداولة في أي مكان تراه مناسبا".
26- عاشور مبروك، النظام الاجرائي لخصومة التحكيم، ص195.
27- راجعي حدة المحكم ودوره في خصومة التحكيم، رسالة ماجستير، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة محمد بوضياف المسيلة، الجزائر، 2021، ص32 .
28- عيمور نجاة، حصايم سميرة سلطة المحكّم في إصدار الحكم التحكيمي التجاري الدولي، أطروحة دكتوراة، جامعة بجاية ، 2023، ص7.
29- R. Doak Bishop, King & Spalding, op.cit, p 36.
30- أكثم أمين الخولي، صياغة اتفاق التحكيم، مجلة التحكيم العربية، العدد الثالث، 2000، ص22.
31- نقلا عن محمد بواط التحكيم في حل النزاعات الدولية، ص 142 .
32- المادة (22)" للطرفين حرية الاتفاق على اللغة أو اللغات التي تستخدم في إجراءات التحكيم، فأن لم يتفقا على ذلك بادرت هيئة التحكيم إلى تعيين اللغة أو لغات التي تستخدم في هذه الإجراءات، ويسري هذا الاتفاق أو التعيين على أي بيان مكتوب يقدمه أي من الطرفين وأي مرافعة شفوية وأي قرار تحكيم وقرار أو أي بلاغ آخر يصدر من هيئة التحكيم، ما لم ينص الاتفاق على غير ذلك". 2- لهيئة التحكيم أن تأمر بأن يرفق بأي دليل مستندي ترجمة إلى اللغة اللغات التي اتفق عليها الطرفان أو عينتها هيئة التحكيم".
33- المادة (14)" ما لم يتفق الأطراف على خلاف ذلك، تكون لغة (أو لغات) التحكيم المعتمدة هي ! لغة لمستندات الي تتضمن اتفاق التحكيم، مع مراعاة حق المحكمة باتخاذ قرار مخالف بناء على حجج الأطراف وظروف القضية، ويجوز للمحكمة أن تأمر أن يرفق أي مستند مكتوب بلغة أخرى بترجمته إلى لغة أو لغات التحكيم".
34- يوسف عيسى الهاشمي، التحكيم وفقا لقواعد الاونسترال للتحكيم التجاري الدولي بدون طبعة، دار الكتب والدراسات العربية الإسكندرية، 2017، ص123.
35- عبد العزيز قادري، الاستثمارات الدولية، التحكيم التجاري الدولي ضمان للاستثمارات دار هومة، الجزائر، ط2، 2006 ، ص 275- 276 .
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في القانون الدولي الخاص
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة