0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية

القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي

المجموعة الجنائية

قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي

القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية

القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني

قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية

المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات

علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

بطلان الحكم التحكيمي للإخلال بمبدأ التوازن الاجرائي

المؤلف:  يقين كريم محيبس

المصدر:  التزام المحكم بضمان التوازن الاجرائي بين الخصوم في أطار العلاقات الخاصة الدولية

الجزء والصفحة:  ص124-133

2026-10-19

25

+

-

20

لا يقتصر بطلان الحكم التحكيمي على تجاوز هيئة التحكيم لحدود الاتفاق بين الأطراف أو مخالفتها لرغباتهم فقط؛ بل يمكن أن يحدث البطلان أيضاً إذا ثبت أن الهيئة قد انتهكت مبدأ التوازن الإجرائي الذي يعد أحد الأسس الأساسية للنزاع التحكيمي (1).
على الرغم من أن التحكيم يعتمد في أساسه على قوة الإرادة فأن هذه الإرادة لا تؤدى في فراغ بل تخضع لقيود إجرائية أساسية تفرضها اعتبارات العدالة وضمانات المحاكمة العادلة، ومن أبرزها مبدأ المساواة بين الأطراف وحق الدفاع ومبدأ المواجهة (2).
وأن التوازن الإجرائي لا يقتصر على السماح للأطراف بشكل رسمي بتقديم طلباتهم، بل يستلزم أيضا تقديم فرص حقيقية ومتساوية لكل طرف لعرض؛ دفوعه ومستنداته والرد على ما يطرحه خصمه. وبالتالي، فأن أي إدارة للإجراءات تحتوي على تمييز غير مبرر بين الأطراف، أو تؤدي إلى حرمان أحدهم من فرصة حقيقية للدفاع تعتبر انتهاكا خطيرًا لهذا التوازن.
يتضح اختلال التوازن الإجرائي على سبيل المثال عندما تمنح هيئة التحكيم أحد الأطراف فترة استثنائية لتقديم دفاعه أو مستنداته دون إعطاء الطرف الآخر فرصة مشابهة، أو تقبل مستندات أو دفوعا في مرحلة متقدمة من النزاع دون فتح المجال للرد عليها، أو تعتمد حكمها على عناصر قانونية أو واقعية لم يتم تناولها في المناقشة بين الأطراف ويحدد مبدأ المواجهة أنه ينبغي ألا يبنى الحكم إلا على ما تمكن الأطراف من مناقشته بشكل كامل وألا يكون أي طرف متفاجنًا بأساس لم يتاح له التعليق عليه (3) .
ويعرف اخرون البطلان الاجرائي، بأنه جزاء يرتبه المشرع أو تقضي به المحكمة أذا أفتقر العمل القانوني أحد الشروط الشكلية أو الموضوعية فيودي الى عدم فاعلتيه وافتقاره لقيمته القانونية المفترضة في حالة صحته (4).
ويذهب جانب آخر في تعريفه أيضا، بأنه وصف يلحق الإجراء القضائي المعيب لمخالفته قواعد القانون، وهذه المخالفة تؤدي إلى عدم أنتاج الآثار التي يرتبها القانون (5).
لذا يعد الحكم التحكيمي باطلاً؛ إذا لم تلتزم هيئة التحكيم بمبدأ المساواة بين الأطراف المعنية ويحدث ذلك عندما تقوم الهيئة بتمييز أحد الأطراف في سير الإجراءات، سواء من خلال السماح لأحدهم بتقديم مذكرات أو دفوع إضافية دون منح الفرصة ذاتها للطرف الآخر، أو بمنحه مهلا غير متكافئة لتقديم دفاعه أو مستنداته أو من خلال إتاحة المجال له للمرافعة شفهيًا، بينما تحصر الآخر في تقديم مذكرة كتابية فقط، أو أي إجراء أخر يقلل من قدرة أحد الأطراف على تقديم دفاعه والرد على دفوع الطرف الآخر في ظروف متكافئة، وبسبب هذا الإخلال، يصبح الحكم باطلاً؛ لأنه يؤثر سلبًا على حق الدفاع ويمنع الطرف من الحصول على فرصة حقيقية لتقديم قضيته والرد على المطالب المقدمة ضده (6).
أما بخصوص موقف التشريعات من بطلان حكم التحكيم، فقد ذهب مشروع قانون التحكيم العراقي، بإفراد فصل خاص لدعوى بطلان حكم التحكيم، وهو الفصل الثامن، بما يعكس اتجاه المشرع إلى تنظيم الرقابة القضائية على الأحكام التحكيمية في إطار قانون التحكيم ذاته، بدل الاكتفاء بالقواعد العامة الواردة في قانون المرافعات المدنية.
ويستفاد من أحكام هذا الفصل أنّ دعوى البطلان تعد طريقًا استثنائيا للطعن في الحكم التحكيمي، ولا تهدف إلى إعادة نظر موضوع النزاع، وإنما تقتصر على التحقق من سلامة الإجراءات واحترام الضمانات الأساسية التي يقوم عليها التحكيم. وعلى الرغم من أن المشروع لم يرد فيه مصطلح ((التوازن الإجرائي)) صراحة، إلا أن أسباب البطلان الواردة فيه تكفل حماية هذا المبدأ من خلال ترتيب البطلان عند الإخلال بالضمانات الإجرائية الجوهرية كحق الدفاع والمساواة بين الخصوم، ومبدأ المواجهة، متى كان هذا الإخلال مؤثرًا في سلامة الحكم التحكيمي. ويعد هذا التنظيم أكثر انسجاما مع الاتجاهات التشريعية الحديثة التي تجعل دعوى البطلان وسيلة لضمان مشروعية الإجراءات دون تحويلها إلى طريق للاستئناف أو إعادة الفصل في موضوع النزاع.
أما قانون المرافعات المدنية العراقي فقد نصت المادة (273) منه على "يجوز للخصوم عندما يطرح قرار المحكمين على المحكمة المختصة أن يتمسكوا ببطلانه وللمحكمة من تلقاء نفسها أن تبطله في الاحوال الاتية: أ - إذا كان قد صدر بغير بيئة تحريرية أو بناء على اتفاق باطل أو إذا كان القرار قد خرج عن حدود الاتفاق ب - إذا خالف القرار قاعدة من قواعد النظام العام أو الآداب وقاعدة من قواعد التحكيم المبينة في هذا القانون. ج- إذا وقع خطا جوهري في القرار أو في الإجراءات التي تؤثر في صحة القرار ".
أيضا ما ذكر في الفقرة الثانية من المادة (272) إذ نصت على أنه " لا ينفذ قرار المحكمين إلا في حق الخصوم الذين حكموهم وفي الخصوص الذي جرى التحكيم من اجله " يبين هذا النص أنه إذا نفذ قرار المحكم في حق شخص غير الخصم وفي موضوع لا يمت بالمسألة التي أقيم التحكيم من اجلها يبطل ذلك القرار.
ولم يتغير موقفه بالطعن ضد قرارات هيئة التحكيم حيث ظل ثابتا كما في القانون السابق لأصول المرافعات المدنية والتجارية رقم (88) لسنة (1956) الذي تم الغاؤه المادة (275) "الحكم الذي تصدره المحكمة المختصة وفقا للمادة السابقة غير قابل للاعتراض وإنما يقبل الطعن بالطرق الأخرى المقررة في القانون أو في ظل القانون الحالي للمرافعات المدنية حيث يسمح بالطعن ضد قرارات التحكيم باستخدام كل الطرق المتاحة للاستئناف في الاحكام القضائية باستثناء طريق الاعتراض.
كما نص المشرع المصري في المادة (53/1/ز) " إذا وقع بطلان في حكم التحكيم، أو كانت إجراءات التحكيم باطلة بطلانا أثر في الحكم." أي قانون التحكيم على جواز الحكم بالبطلان إذا كانت إجراءات التحكيم باطلة بطلانا أثر في الحكم الأمر الذي يعني أن بطلان الإجراء لا يعتد به في ذاته وإنما لتأثيره فيما أنتهى إليه المحكمون من قضاء.
أما القانون الفرنسي، فقد نظم دعوى بطلان الحكم التحكيمي في المواد (1518-1527) من قانون الإجراءات المدنية الفرنسي، وجعلها الطريق القضائي المقرر للطعن في الأحكام التحكيمية الدولية الصادرة في فرنسا.
وقد حدد المشرع الفرنسي أسباب البطلان على سبيل الحصر في المادة (1520)، ومن بينها عدم احترام مبدأ المواجهة بين الخصوم، إذ نصت الفقرة الرابعة منها على أن دعوى البطلان تقبل إذا لم يحترم مبدأ المواجهة ( Le principe de la contradiction n'a pas été respect). ويعد هذا المبدأ أحد أهم مظاهر التوازن الإجرائي، لما يكفله من تمكين كل طرف من الاطلاع على طلبات ودفوع ومستندات خصمه وإتاحة الفرصة الكاملة لمناقشتها والرد عليها قبل صدور الحكم. كما أكدت المادة (1510) من القانون ذاته أنّ هيئة التحكيم، أياً كانت الإجراءات المختارة، تلتزم بضمان المساواة بين الأطراف واحترام مبدأ المواجهة.
ومن ثم، فأن المشرع الفرنسي لم يورد مصطلح "التوازن الإجرائي" صراحة، إلا أنه رتب بطلان الحكم التحكيمي على الإخلال بأهم ضماناته، ولا سيما المساواة بين الخصوم ومبدأ المواجهة، بما يعكس حرصه على حماية حقوق الدفاع وصيانة عدالة الإجراءات التحكيمية.
ولم يقتصر تكريس بطلان الحكم التحكيمي عند الإخلال بالتوازن الإجرائي على النصوص التشريعية، بل أكد القضاء المقارن هذا الاتجاه من خلال العديد من الأحكام التي عدت المساس بحقوق الدفاع أو بمبدأ المساواة أو بمبدأ المواجهة سببًا لإبطال الحكم التحكيمي متى كان مؤثرًا في سلامة الإجراءات أو في النتيجة التي انتهت إليها هيئة التحكيم.
وقد حسمت محكمة النقض المصرية موقفها في هذا الشأن، إذ قررت في حكمها الصادر في الطعن رقم (4729) لسنة 66 قضائية أن تمكين أحد أطراف التحكيم من تقديم مذكرات إضافية دون إتاحة الفرصة ذاتها للطرف الآخر يعد إخلالا جسيمًا بمبدأ المساواة بين الخصوم وينطوي على مساس مباشر بحق الدفاع الأمر الذي يرتب بطلان الحكم التحكيمي لقيامه على إجراءات افتقرت إلى التكافؤ الواجب بين الأطراف (7).
كما أكدت المحكمة ذاتها في حكمها الصادر في الطعن رقم (7595) لسنة 81 قضائية بتاريخ 2014/2/13 أن حرمان أحد الخصوم من تقديم دفاعه أو عدم تمكينه من الرد على مستندات ودفوع خصمه يشكل إخلالا جوهريًا بحق الدفاع، وأنّ هذا الإخلال لا يُعد مخالفة شكلية يمكن تجاوزها بل هو عيب يمس سلامة البناء الإجرائي للتحكيم ويؤدي حتما إلى بطلان الحكم التحكيمي متى ثبت تأثيره في مركز الخصم الإجرائي (8).
وفي الاتجاه ذاته، شددت محكمة استئناف باريس Cour d'appel de Paris في قرارها الصادر بتاریخ 12 فبراير 2009 على أن احترام المساواة بين الخصوم يمثل ضمانة أساسية لسلامة الحكم التحكيمي، فقضت بإبطال حكم تحكيمي تأسس على عناصر قانونية وواقعية لم تطرح للمناقشة بين الأطراف، ولم تتح لهم فرصة حقيقية للتعقيب عليها وقررت المحكمة أنّ بناء الحكم على أسس لم تخضع للمواجهة يشكل إخلالا جوهريًا بحق الدفاع، ويعد مساسًا مباشرًا بالتوازن الإجرائي الواجب توافره في الخصومة التحكيمية الأمر الذي يبرر الحكم بالإبطال (9).
إذا كان ما تم ذكره أعلاه قد أوضح أن الإخلال بمبدأ المساواة بين الأطراف يظهر بوضوح حدوث اختلال في التوازن الإجرائي، الأمر الذي يؤدي إلى بطلان الحكم التحكيمي، إذا ثبت تأثيره على حق الدفاع، فأنه ينبغي التنويه إلى أن هذا التوازن لا يتحقق بالكامل، إلا من خلال احترام أحد أركانه الأساسية، و وهو مبدأ المواجهة بين الأطراف.
إذ إن تحقق المساواة الفعلية يتطلب أن تتاح لكل طرف معرفة ما يقدمه خصمه من دفوع ومستندات وأدلة فضلا عن الحصول على فرصة حقيقية لمناقشتها والرد عليها قبل أن تتخذ هيئة التحكيم قرارها.
لذا، فأن دراسة انتهاك مبدأ المواجهة لا يعد انحرافا عن السياق السابق؛ بل تعد توسيعا منطقيًا له، حيث تعتبر إحدى التطبيقات العملية للتوازن الإجرائي وهذا يستلزم توضيح أشكال هذا الانتهاك وتأثيره على صحة الحكم التحكيمي.
وعليه فأن إحدى الأمثلة العملية لتوازن الإجراءات التي يظهر فيها هذا الامتداد، هي قاعدة مواجهة الخصوم التي تفرض على هيئة التحكيم واجبًا إيجابيًا، يتجلى في تمكين كل طرف من الحصول على معلومات شاملة حول جميع ما يقدمه الطرف الآخر من مذكرات ومستندات وأدلة وتقارير خبرة، فضلا عن توفير الوقت الكافي لكل طرف ليتناولها ويناقشها قبل اتخاذ القرار في النزاع.
لا يكفي فقط تبادل الأوراق بشكل شكلي، بل يجب أن يكون هذا التبادل فعليا ويسهم في تمكين الطرف الثاني من ممارسة دفاعه في ظروف تضمن التكافؤ والعدالة.
ويحدث الإخلال بهذا المبدأ عندما تستند هيئة التحكيم في قرارها إلى عناصر لم يتم مناقشتها، أو تعتمد مستندات لم يتم إبلاغها للطرف الآخر ، أو تأخذ بتقرير خبير دون إتاحة الفرصة للخصوم للاطلاع عليه والتعبير عن ملاحظاتهم حوله أو تعقد جلسة دون أن تخطر أحد الأطراف بطريقة تسمح له بالحضور والدفاع أو تقبل إيضاحات أو دفوعًا في غياب الطرف الآخر دون أن تتيح له الفرصة للرد عليها.
وفي جميع هذه الحالات يعد الحكم مبنيًا على أساس لم يتعرض للمواجهة الشاملة، الأمر الذي يهدد ضمانة هامة من ضمانات العدالة الإجرائية.
إن احترام المواجهة ليس مقتصرًا على مرحلة معينة من مراحل التحكيم، بل يمتد ليشمل جميع إجراءاته منذ بداية النزاع وحتى صدور الحكم (10).
ويتضمن ذلك تبادل المذكرات وتقديم المستندات والاستماع إلى الشهود، ومناقشة تقارير الخبراء أن أي عنصر استخدمته الهيئة في بناء عقيدتها دون أن يتاح للخصوم الفرصة لمناقشته، يُعدّ عنصرًا قاصرًا الامر الذي يؤثر على الحكم ذاته بعيب إجرائي كبير. وأكدت محكمة استئناف باريس في حكم صادر لها بتاريخ 7 نوفمبر 1996 على أهمية احترام مبدأ المواجهة بين الأطراف، إذ ورد في هذا الحكم بأنه ( يتعين أن يلتزم المحكمون حتى الذين يقتصر منهم دورهم على التحكيم وفقا لقواعد العدالة والأنصاف، باحترام المبادئ الموجهة لدعوى التحكيم، وعلى وجه الخصوص مبدأ المواجهة الواجب التطبيق في دعوى التحكيم)(11).
وتعترف المحاكم الفرنسية أيضا بحق الإبطال عندما يخضع الحكم التحكيمي لإخلال بمبدأ المواجهة بين الأطراف، إذ قضت Cours de cassation في قرارها رقم 23-13.599 بتاريخ 9 أكتوبر 2024 بأن عدم احترام مبدأ principe de la contradiction يمكن أن يؤدي إلى إبطال الحكم التحكيمي إذا أثر في حقوق الدفاع والمساواة بين الخصوم (12).
لابد من الإشارة الى حرمان أحد الأطراف من حق الدفاع على القرار النهائي الذي توصل إليه المحكمون. فإذا تم التأكيد على أن هذه المخالفة تتعلق ببعض الوثائق لأنها لم تتبادل بين الأطراف أو لأنها تم تقديمها بعد انتهاء فترة المرافعة وثبت أنّ المحكمين اعتمدوا على هذه الوثائق في قرارهم فقد يؤدي ذلك إلى إلغاء حكم التحكيم (13).
إذا كان ما تم ذكره أعلاه حول صور الإخلال بمبدأ المساواة بين الأطراف، ومبدأ المواجهة قد أظهر مظاهر عدم التوازن في الإجراءات في التحكيم فأنّ هذا عدم التوازن لا يقتصر فقط على التنظيم الإجرائي البحت بل يؤثر بالضرورة على جوهر الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة وفي مقدمتها مبدأ حقوق الدفاع.
أن المساواة الإجرائية لا تتحقق فقط من خلال المعاملة الشكلية المتساوية بين الأطراف بل تتطلب تمكينا حقيقيًا ومتوازنًا لكل طرف العرض أوجه دفاعه وتقديم أدلته والرد على ما يطرحه خصمه من دفوع ومستندات ضمن إطار يتيح تكوين قناعة الهيئة بناءً على نقاش متوازن ومواجهة شاملة.
بناءً على ذلك، فأن أي انحرف في إدارة الإجراءات يعيق قدرة أحد الأطراف على تقديم دفاعه أو مناقشة جوانب النزاع يعتبر في الواقع تعديًا مباشرًا على حقوق الدفاع، حتى وأن كان يبدو في ظاهره كتنظيم إجرائي.
ويعد قبول الوثائق أو الدفاعات دون إتاحة الفرصة للطعن عليها أو اعتماد أساس قانوني أو واقعي لم يتم مناقشته أو منح أحد الأطراف امتيازات زمنية أو إجرائية غير مبررة مخالفا لمبدأ التوازن المطلوب بين الأطراف.
ويتحول ذلك إلى عيب أساسي إذا تم إثبات تأثيره على تشكيل قناعة هيئة التحكيم إذن، فأن دراسة انتهاك مبدأ حقوق الدفاع لا تعتبر تحولا إلى عنصر منفصل، بل تمثل توسيعا منطقيًا وتحليليًا لما تم تصوره سابقا حول مبدأ المساواة والمواجهة، حيث أنّ هذه المبادئ تتكامل مع بعضها البعض لتكون الإطار الذي يضمن سلامة النظام الإجرائي للحكم التحكيمي
وقضيت محكمة استئناف القاهرة (14) بأنه ( ويدخل في عدم احترام حق الدفاع والإخلال به إغفال سماع شاهد له أهميته في النزاع وعدم إطلاع الخصم على مذكرة منتجة في النزاع وكذلك اطلاعه على تقرير الخبير أو عدم إعلانه بجلسات المرافعة أو المعاينة وكذلك عدم تمكينه من إبداء طلبات عارضة ناشئة عن نفس الطلب).
كما لا بد من أن نشير الى حالة حرمان أحد الخصوم من حق الدفاع، وإلى مدى تأثير هذه المخالفة على الحكم الذي أنتهى إليه المحكمون فإذ ثبت أنّ هذه المخالفة قد انصبت على بعض المستندات لأنه لم يتم تبادلها بين الخصوم، أو لأنها قدمت بعد قفل باب المرافعة وثبت أن المحكمين قد استندوا إلى هذه المستندات في حكمهم فأنّ من شأنه أن يودي إلى إبطال حكم التحكيم، اما إذا ثبت أن المحكمين لم يستندوا إلى هذه المستندات في حكمهم، فأنّ هذه المخالفة لا يترتب عليها الحكم بالبطلان (15)...
ويعكس اتجاه محكمة التمييز الاتحادية العراقي (16) هذا المبدأ بوضوح في قراراتها والتي تنطلق من قاعدة أن الحكم أو القرار لا يصح أن يبقى ساري المفعول إذا شابه عيب إجرائي أو جوهري في تكوينه وفي قرار لها مرقم بالعدد 2315 الهيئة الاستئنافية منقول لسنه 2025 قررت محكمة التمييز الاتحادية إبطال قرار التحكيم وتصديقه على الحكم؛ لأن قرار التحكيم ذاته لم يستوف شروطاً وإجراءات قانون المرافعات المدنية، وقد بني ذلك على أن قرار التحكيم صدر من دون بيان واضح لوجه الإخلال بالعقد الموجب للفسخ ولا للطرف الذي صدر منه ونسبته، الأمر الذي يعد انحرافا جوهريا عن قواعد الإثبات والإجراءات الموضوعية التي تقود إلى نتيجة غير قانونية، وهو ما استدعى نقض حكم تصديق قرار التحكيم وإعادته إلى محكمة الموضوع لإجراء التحقيق والفصل الصحيح.
هذا القرار يعكس مبدأ أساسيًا، هو أن المحكّمة غير مقيدة بإقرار قرار تحكيم معيب من حيث الأساس القانوني والإجرائي، بل من واجبها تعطيل تنفيذ هذا القرار إذا ثبت خلل جوهري في بنائه. استناداً إلى ما تم توضيحه حول مبدأ التوازن الإجرائي وما يرتبط به من ضمانات أساسية، مثل المساواة بين الأطراف ومبدأ المواجهة وحق الدفاع يتضح أن عدم الالتزام بهذه الضمانات قد يؤدي في بعض الأحيان إلى تقديم الطعن في الحكم التحكيمي وطلب إلغاءه.
ومع ذلك، يثير هذا الأمر قضية هامة تتعلق بطبيعة الرقابة المفروضة على الحكم التحكيمي، وما إذا كانت هذه الرقابة تعتبر مرحلة ثانية من مراحل التقاضي أم أنّها رقابة استثنائية تركز فقط على التحقق من صحة الإجراءات دون التدخل في موضوع النزاع.
وبهذا المعنى جاء حكم محكمة النقض المصرية (17) (إغفال الحكم ذكر وجه دفاع ابداه الخصم لا يترتب عليه بطلان الحكم - وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة - إلا إذا كان هذا الدفاع جوهريا ومؤثرا في النتيجة التي انتهى إليها الحكم بمعنى أن المحكمة لو كانت قد بحثته لجاز أن تتغير به هذه النتيجة إذ يعتبر عدم بحث مثل هذا الدفاع قصورا في أسباب الحكم الواقعية بما يترتب عليه البطلان طبقا للفقرة الثانية من المادة (178) .
أما القانون الفرنسي، فقد نظم دعوى بطلان الحكم التحكيمي في المواد (1518-1527) من قانون الإجراءات المدنية الفرنسي، وجعلها الطريق القضائي المقرر للطعن في الأحكام التحكيمية الدولية الصادرة في فرنسا.
ولابد من التفرقة بين نظام التحكيم على درجتين الذي يعرفه البعض (18)، بأنه نظام يتفق فيه الأطراف على أن يتم التحكيم على درجتين بناء على شرط أو أتفاق واضح في العقد، وعلى أن يكون الحكم الصادر عن هيئة التحكيم الأولية قابلاً للمراجعة أمام هيئة تحكيم ثانية تم تشكيلها خصيصاً لهذا الغرض، وتقوم هذه الاخيرة بإعادة النظر في الحكم، سواء كليا أو جزئيًا، وذلك ضمن الحدود التي يحددها اتفاق الأطراف.
وعرفه اخرين (19) بانه نظام يتيح فيه الطعن في حكم المحكّم أمام هيئة تحكيم استئنافية خلال فترة زمنية محددة (غالباً تكون ثلاثين يوماً من تاريخ استلام الحكم )، وتكون لتلك الهيئة صلاحية تأييد الحكم أو تعديله أو إلغائه.
وكذلك عرفه البعض (20)، بانه عملية إجرائية تعاد بموجبها مناقشة موضوع النزاع الذي تم الحكم فيه من قبل هيئة التحكيم الأولى أمام هيئة تحكيمية ثانية استئنافية يتم تشكيل هذه الهيئة بموجب اتفاق بين الأطراف، لتتولى الفصل في النزاع مرة أخرى من الناحيتين الواقعية والقانونية، بطريقة تشبه نظام التقاضي على درجتين من حيث الأغراض، مع استمرار الخصومة ضمن الإطار التحكيمي المتفق عليه. ويتبين من هذه التعريفات أنّ التحكيم على درجتين لا يعد مرحلة طبيعية أو ضرورية من مراحل التحكيم، فلا يفترض وجوده بمجرد الاتفاق على التحكيم، بل يتطلب وجود توضيح وإرادة واضحة من الأطراف لأنشاء ما يمكن تسميته بالتحكيم الاستئنافي ضمن الإطار التحكيمي نفسه.
ويختلف نظام التحكيم على درجتين عن بطلان الحكم التحكيمي، لما قد يثور من خلط بين هذين النظامين، فالتحكيم على درجتين يعتمد على اتفاق الأطراف ويمارس أمام هيئة تحكيمية ثانية وقد يمتد نطاق نظرها وفقًا لاتفاق الأطراف، إلى موضوع النزاع من حيث الوقائع والقانون ويعتبر جزءًا من الخصومة التحكيمية الأصلية.
إما دعوى البطلان (21)، فهي تستند إلى نص القانون وليس إلى اتفاق الأطراف، وترفع أمام المحكمة الوطنية، كما أنّها تقتصر على أسباب شكلية وإجرائية معينة، ولا تعتبر وسيلة للاعتراض على الموضوع (22).
ومن ثم، فأن التحكيم على درجتين ليس بديلاً عن دعوى البطلان، ولا يمكن أن يعوض عنها ولكنه قد يساهم فعليا في تقليل استخدامها عندما يتيح للأطراف الفرصة المناسبة؛ لتصحيح الأخطاء الجوهرية ضمن الإطار التحكيمي وفي ضوء ما تقدم يتضح في سياق التحليل الفقهي والقضائي الذي تم تقديمه أعلاه حول مبدأ التوازن الإجرائي وما يترتب عليه من متطلبات المساواة بين الأطراف ومبدأ المواجهة وضمانات حق الدفاع يتبين لنا أن هذه المبادئ ليست مجرد قواعد شكلية يمكن تجاهلها من قبل هيئة التحكيم تحت مظلة السلطة التقديرية، بل تشكل الأساس الذي يعتمد عليه النظام الإجرائي للتحكيم بنفسه.
وأن عدالة التحكيم لا تتحدد فقط بسرعة حل النزاع أو بمرونة إجراءات التحكيم، بل تعتمد أيضاً على مدى الالتزام بالضمانات الأساسية التي تتيح للأطراف فرصة حقيقية ومتوازنة لتقديم مراكزهم القانونية والتأثير في تكوين قناعة هيئة التحكيم.
لذا بين التطبيق القضائي المقارن خصوصا في النظامين القضائيين المصري والفرنسي، أنّ انتهاك مبدأ المساواة أو حق الدفاع يعد خطاً جوهريا يستدعي إلغاء الحكم التحكيمي، وهذا ليس فقط لأنه يعد مخالفة إجرائية مجردة؛ بل لأنه يتصل بشكل مباشر بسلامة تكوين الرأي القضائي وأكدت المادة (1/ 53 / ز) من قانون التحكيم المصري أنّ سبب البطلان لا يتعلق بالعيب الشكلي بحد ذاته، بل يعتمد على مدى تأثيره على الحكم الذي تم إصداره.
وفي موقف القضاء العراقي، فأنّ عدم وجود منطوق حكم مشابه لا يعني غياب الحماية، حيث أن القضاء العراقي من خلال إشرافه على قرارات التحكيم عند تصديقها، يتناول العيوب الجوهرية التي تؤثر على صحة الأساس القانوني أو سلامة الإجراءات.
وقد تجلى ذلك في قرار محكمة التمييز الاتحادية رقم 2315 / الهيئة الاستئنافية منقول/2025، الذي أكد مبدأ عدم جواز إقرار قرار تحكيمي يعاني من عيب في تكوينه أو يتعارض مع القواعد الجوهرية وهذا يدل على وجود اتجاه قضائي ثابت يؤكد أنّ الشرعية الإجرائية تعد شرطًا أساسيا لتنفيذ الحكم التحكيمي
ومن ثم، يعتبر احترام حقوق الدفاع في التحكيم ليس مجرد التزام تنظيمي، بل يعد ضمانة أساسية لصحة وشرعية الحكم، وأي انتهاك لهذا الحق حينما يثبت تأثيره على النتيجة يضعف الثقة في عدالة القرار ويتطلب إلغائه.
____________
1- ينظر في المعنى القريب من ذلك سالم بن أحمد مسلم حار الكثيري، بطلان حكم التحكيم وحالاته وفق القواعد الدولية والتشريع العماني كلية الحقوق جامعة ظفار، سلطنة عمان، مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، مجلد 9، العدد 2، 2026، ص 1039
2- نجيب أحمد عبد الله ثابت الجبلي، التحكيم في القوانين العربية مكتبة الجامعي الحديث الإسكندرية، مصر، 2006، ص 41.
3- أحمد بشير الشرايري بطلان حكم التحكيم ومدى رقابة محكمة النقض (التمييز) عليه، دراسة مقارنة، ط1، دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2011 ، ص 115 .
4- سامي عبد الحميد إبراهيم بطلان الإجراءات وآثاره في قانون الإجراءات المدنية مجلة الدراسات العليا، جامعة النيلين مجلده، عدد 19، 2016 ص 113. وينظر في المعنى نفسه: الغوثي بن ملحة، القانون القضائي الجزائري، بدون طبعة ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر، 1995، ص 265.
5- عبد الحكيم فوزي البطلان في المرافعات المدنية والتجارية، ط2، 1990، ص23. وينظر في المعنى نفسه: مدحت محمد الحسيني، البطلان في المواد الجنائية، دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، مصر، 1993، ص8.
6- عبد الله بن علي العقلان متى يبطل حكم التحكيم /https://www.dr-alailan.com ، تمت الزيارة بتاريخ 1/3/2026
7- https://www.cc.gov.eg تمت الزيارة بتاريخ 2026/3/1.
8- https://www.laweg.net/PrintNew.aspx?ID=48938&ItemID=0&Type=16&op تمت الزيارة بتاريخ 2026/3/1.
9- https://www.legifrance.gouv.fr ، تمت الزيارة بتاريخ 2026/3/1
10- قرار محكمة استئناف باريس 1971/2/11 ، منشور في مجلة التحكيم سنة 1973، ص29.
11- Serge GUINCHARD, L'arbitrage et le respect du principe du contradictoire (àpropos de quelques décisions rendus en 1996), Op.Cit. p185.
12- https://www.legifrance.gouv.fr تمت الزيارة بتاريخ 2026/3/1.
13- علي بركات الطعن في أحكام التحكيم، 2003، دار النهضة العربية، ص 62.
14- نقلا عن طلعت محمد دويدار ضمانات التقاضي في خصومة التحكيم الدعوى رقم 88 لسنة 118ق - جلسة 2002/1/23، ص189.
15- حسني المصري، التحكيم التجاري الدولي في ظل القانون الكويتي والقانون المقارن، 1996، ص 500.
16- https://www.mondag.com تمت الزيارة بتاريخ 2026/3/2
17- الطعن رقم 664 لسنة 40 ق - جلسة 24 من يونية سنة 1975 - مجموعة أحكام محكمة النقض - السنة السادسة والعشرون - من يناير إلى يونية سنة 1975 - ص 1265
18- Born, G. B. (2021). International commercial arbitration (3rd ed.). Kluwer Law International.
19- Bhavya Shree, S., & Gayathri, M. Rmmanya. (2023). Two tiers or three tier: A never-ending saga of dispute settlement - a delaying mechanism in arbitration, International Journal for Multidisciplinary Research (IJFMR).
20- يسرى عوض عبد الله عبد القادر التحكيم على درجتين بين العدالة والنهاية (دراسة تحليلية نقدية)، مجلة العلوم الإنسانية والطبيعية، المجلد 7، العدد 1، 2025، ص 832 الى ص 856.
21- يعرف البعض دعوى البطلان بأنها الدعوى الأصلية التي يلحقها المحكوم عليه في الخصومة أمام الهيئة المختصة طبقا للقانون المتفق عليه بين الخصوم إذا وجدت حالة من حالات البطلان التي ينص عليها القانون. سارة بوقرنوس، بطلان حكم التحكيم، (رسالة ماجستير مقدمة إلى كلية الحقوق جامعة ام البواقي الجزائر 2017، ص 35.
22- يسرى عوض عبد الله عبد القادر التحكيم على درجتين بين العدالة والنهاية (دراسة تحليلية نقدية)، مصدر سابق ص 857

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد