كان الكلب من أول الحيوانات التي تم استئناسها، وذلك فيما بين 12000–10000ق.م.؛ إذ كان الكلب مصاحبًا للإنسان، ومساعدًا له في أداء بعض الأعمال، لا سيما الصيد، فاستؤنس قبل غيره من الحيوانات الأخرى، ومن ثمَّ بدأت وتوثَّقت الصلات التي تربطه بالإنسان وبحياته الاجتماعية، ويُحتمل أن تكون تلك الروابط تطوَّرت بتطوُّرِ حياةِ الإنسان، ومستواه الاجتماعي (1)، ولقد عُثر على أقدمِ أدلةِ استئناس الكلب في فلسطين، بمواقع نطوفية تُؤرَّخ بحوالي 10000–9000ق.م.، ومن ثمَّ فإن معرفة استئناس الكلب كانت قد سبقت معرفةَ الزراعةِ ببلاد الشام (2).
وقد عُثر على دفناتٍ للكلاب في العديد من مواقع الكهوف (3)، ⋆ ففي مغارة الواد، عُثر في الطبقةِ B على جمجمةٍ لكلبٍ، كانت قد دُفنت عن قصدٍ، وتُعتبر هذه الدفنةُ واحدةً من أهم الدفناتِ الحيوانيةِ؛ لأنها دليلٌ يوضح مسيرةَ الإنسان نحو الحياة المتمدنة، نحو الاستئناس وإدراكِ قيمةِ الحيوان (4).
وفي عين الملاحة (5) ⋆ عُثر على دفنةٍ أخرى لكلبٍ صغيرٍ — ورجلٍ عجوزٍ — وذلك في المقبرة رقم H.104 التي تُؤرَّخ ببداية المرحلة النطوفية 9800–9400ق.م.، كان الكلب قد عُثر عليه أسفلَ اليد اليسرى للرجل، وبدراسته تبيَّن أنَّ عمره كان يتراوح عند دفنه ما بين 3–5 شهور (6)، الشكل رقم 1 - 2.
ولقد عُثر في عين الملاحة أيضًا على دفنةٍ أخرى لجروٍ صغيرٍ، كان مصاحبًا لهيكلٍ عظميٍّ لامرأةٍ، وضعت يدَها على صدرِ الجروِ الصغيرِ، كما عُثر في دفنةٍ أخرى بالموقعِ نفسِه، على فكِّ كلبٍ، كان ملحقًا بهيكلٍ عظميٍّ آدميٍّ، ربما كنوعٍ من الدفناتِ الجزئيةِ، ولا شكَّ أنَّ العثورَ على مثلِ تلك الدفناتِ الحيوانيةِ الخاصةِ بالكلابِ، لهو دليلٌ على وجودِ نوعٍ من الإعزازِ للكلبِ (7).
هذا، ولقد اكتُشف بالقربِ من منطقة كهف هايونيم (8)، على مقبرةٍ نطوفيةٍ اشتملت على بقايا عظمية لثلاثة من الآدميين، واثنين من الكلابِ كانا قد دُفنا أسفلَ الدفناتِ الآدميةِ (9). وبنفس الموقعِ عُثر على دفنةٍ أخرى اشتملت على بقايا من عظامِ فكٍّ، وبعضِ أسنانِ كلبٍ صغيرٍ، تُؤرَّخ أيضًا بالعصر النطوفي (10).
وتؤكد العديدُ من الدراساتِ على أنَّ الكلب كان بالفعل الحيوانَ الوحيدَ الذي ثبَت استئناسه في ذلك العصر، ووضح ذلك من خلالِ ما عُثر عليه من دفناتٍ له، أو بقايا عظميةٍ خاصةٍ به؛ إذ عُثر في كهف شقبة بوادي النطوفِ على عظامٍ حيوانيةٍ لكلابٍ مستأنسةٍ، مما يؤكِّد على وجودِ علاقةٍ تربط الإنسانَ بالكلبِ منذ ذلك العصر (11)، بل ولربما من قبله أيضًا؛ إذ إنَّ الكلبَ كان أولَ الحيواناتِ التي ألِفت الإنسانَ وصاحبته في صيده، ومن ثمَّ أصبح الكلبُ صديقَ الإنسانِ وحارسه ورفيقه في حياته، بل وبعد مماته (12).
ويرى سلطان محيسن أنَّ هذا الاهتمام بالكلب من قِبل النطوفيين، لا يعني تقديسه، بل إنَّ هذا الحيوانَ الاجتماعيَّ المخلصَ كان قريبًا جدًّا إلى نفوسِ المجتمعاتِ النطوفيةِ التي يعتقد أنها استأنسته قبل باقي الحيواناتِ الأخرى (13).
ومن ثمَّ انتشرت بقاياه، وتأكَّد تواجده في أماكنَ عدة بفلسطين إبَّان تلك المرحلة الحضارية (14).
وفي شمال شرق سوريا، اكتشف فريقٌ من باحثي المتحف البريطاني سنة 1987م هيكلًا عظميًّا كاملًا لكلبٍ، بدراسته تبيَّن أنه لكلبِ صيدٍ، كان قد عُثر على شبيهه في منطقةِ أم النار ولوحظ في كلتا الدفنتين وجودُ تشابه فيما بينهما وبين دفنات كلابِ العصر النطوفي (15).
وفي مجدو (16) ⋆ عُثر على أجزاءٍ من جماجم كلاب، وذلك في اثنتين من الدفناتِ الآدميةِ، إحداهما تُؤرَّخ بالعصر الحجري النحاسي، والأخرى تُؤرَّخ بالعصر البرونزي المبكر (17).
الغرض من دفنات الكلاب
ينفي سلطان محيسن أن يكون الغرضُ من دفناتِ الكلابِ هو تقديسها، وإنما يرى أنَّ دفنها قد يكون فيه نوعٌ من الإعزازِ لها من قِبل أصحابها (18)، ولعلَّ دفنها مع أصحابها دليلٌ مؤكدٌ على مدى العلاقةِ التي ربطتها بالإنسان (19).
ويرى بعضُ الباحثين أنَّ دفناتِ الكلابِ قد تعبِّر عن نوعٍ من الوجباتِ الجنائزيةِ الخاصةِ بالآلهةِ، وقد اعتمدوا في ذلك على ما عُثر عليه من دفناتٍ لكلابٍ في مناطقَ عدةٍ بشمال شرق سوريا، كانت قد ظهرت بها علاماتُ الذبح، ووضحت بعظامها علاماتُ القطع والكسر (20). وإن كانت الدارسةُ ترى أنَّ هذا الافتراضَ من الأمورِ غيرِ المؤكدةِ لا سيما وأنَّه كان هناك حيواناتٌ أخرى يُفضَّل ذبحها وتقديمها كأضحياتٍ حيوانيةٍ، وكانت المَعْز على رأس تلك الحيوانات، أمَّا الكلابُ فلم يرِد عنها الكثيرُ في هذا الشأن.
هذا، وما زالت أغراض دفن الكلاب ببلاد الشام يكتنفها الغموضُ، ربما لقلَّتها مقارنةً بمصر، وربما لعدمِ استمراريةِ تواجدها في شتى المراحل الحضارية ببلاد الشام، إلا أنه يمكن القول بأنَّ بلادَ الشامِ كانت قد تشابهت مع مصر في الاهتمام بدفن الكلاب مع أصحابها، إعزازًا وتقديرًا لها.

شكل 1: رسم توضيحي للمقبرة رقم H.104 بعين الملاحة يظهر فيه هيكلٌ عظميٌّ آدميٌّ وهيكلٌ عظميٌّ لكلبٍ صغير. Simon J., M. Davis, “Why Did Prehistoric People Domesticate Food Animals” the Bones from Haloula 1980–86, in: Baryosef, O., 1989, fig. 2.

شكل 2: دفنة الإنسان والكلب الصغير من عين الملاحة (سلطان محيسن، «المزارعون الأوائل»، دمشق، 1994م، ص24).
...............................................
(1) Hole, F., “A reassment of the Neolithic revolution” in: Paléorient, Vol. 10/2, 1984, p. 57; Brown, C. J., “Animal husbandry” in: LUE., vol. 2, 1987, p. 23; De Vaux, R. P., Op. Cit., p. 9.
(2) Olsen, S. T., Origins of the domestic dog, Tucson, 1985, p. 72; Brewer, D. T., “The path to domestication” in Brewer, D. and Clark, I. (edit.), 2001, pp. 23, 25 .
(3) ⋆ عُثر على مخلَّفات وبقايا عظمية حيوانية، من العصر الحجري القديم في كهف عدلون (بين صور وصيدا) وكهوف نهري إبراهيم والكلب وكهف إنطلياس وكهف جبل الكرمل وفي شمال غربي البحر الميت وبحر الجليل وعند جسر بنات يعقوب (نجيب ميخائيل إبراهيم، «مصر والشرق الأدنى القديم (3)، سوريا»، الطبعة الأولى، القاهرة، 1959م، ص32).
(4) أحمد أمين سليم، «تاريخ الشرق الأدنى القديم – مصر وسوريا القديمة»، لبنان، 1989م، ص250.
(5) ⋆ عين الملاحة: تقع بوادي الأردن الأعلى، في حوض بحيرة الحولة بفلسطين، ويُؤرَّخ هذا الموقع بالألف العاشر ق.م.، وهو من أهم المواقع النطوفية.
(6) Perrot, J., Eynan (Mallaha) 1975, Israel, Exploration Journal, 1975, p. 47; Le Roi-gourhan, A., “le’nvironnement de Mallaha (Eynan) Annatoufien” in: Paléorient, vol. 10/2–1984, pp. 103–105; Simon, J. M., Davis, “Why did prehistoric people domesticate food animals?” in Baryosef, O., investigations in south Levantine prehistory, Great Britain, 1989, pp. 43-44; Clark, T., “The dogs of the ancient near east” in: Brewer, D., and Clark, T., 2001, p. 51 .
(7) سلطان محيسن، «عصور ما قبل التاريخ، المزارعون الأوائل»، دمشق، 1994م، ص 213. سلطان محيسن، «الوحدة الحضارية في الوطن العربي القديم – عصور ما قبل التاريخ»، المؤتمر الخامس عشر للآثار والتراث الحضاري في الوطن العربي، دمشق، 2000م، ص 15.
(8) يقع كهف هايونيم شمال فلسطين على ساحل البحر المتوسط، غرب الجليل، وعلى بُعد حوالي 13كم من الشاطئ الحالي، استخدم النطوفيون هذا الكهفَ لأغراض الصيد — لا سيما صيد الغزال — مرتين في العام.
(9) Clark, T., Op. Cit., p. 52.
(10) Simon, T. M., Davis, Op. Cit., p. 44.
(11) O’connor, T. P., “Working at relationships another look at animal domestication” in: Antiquity, Vol. 71, 1997, p. 159; Belfer-cohen, S., “The Natufian issue Asugestion” in: Baryosef, O., 1989, p. 298.
(12) Clutton-Brock, T., “The early history of domesticated animals in Western Asia” in: Summer, 36, 1980, p. 39; Lewis, T., Anthropology made simple, London, 1982, p. 86.
(13) سلطان محيسن، «عصور ما قبل التاريخ»، دمشق، 1999م، ص213. جاك كوفان، «القرى الأولى في بلاد الشام»، دمشق، 1995م، ص 121. سلطان محيسن، «المزارعون الأوائل»، ص28.
(14) Garrod, D., A new Mesolithic industry: the Natufian of Palestine, in: JRAIGB, vol 62, 1932, pp. 261–265.
(15) Clark, T., Op. Cit., p. 53.
(16) ⋆ تقع مجدو على بُعد حوالي 17كم شمال شرق تل الأساوير، إلى الجنوب الشرقي من حيفا بفلسطين.
(17) Bate, D. M. A., Animal remains in Megiddo tombs, Chicago, 1938, pp. 210–212; Andelkovie, B., The relations between early age 1 Canaanites and upper Egyptians, Belgrade, 1995, p. 51.
(18) سلطان محيسن، المرجع السابق، ص 213.
(19) Clark, T., Op. Cit., p. 53.
(20) Ibid., p. 54.