حدود سلطة المحكمة في التفريق للهجر وفق التشريع العراقي
المؤلف:
حسن قحطان عبد الأمير صادق
المصدر:
التفريق القضائي للهجر واثره على الاسرة
الجزء والصفحة:
ص 99-102
2026-10-26
28
وضع المشرع العراقي اطاراً قانونياً للتفريق القضائي للهجر في قانون الأحوال الشخصية رقم (188) لسنة 1959 المعدل"، حيث نص على أنه (إذا هجر الزوج زوجته مدة سنتين فأكثر بلا عذر مشروع وإن كان الزوج معروف الإقامة وله مال تستطيع الانفاق منه) (1)، فإن تحديد مفهوم العذر المشروع وتقدير مدى توافره أو انتفائه، وكذلك تقدير ما إذا كانت مدة الهجر قد بلغت حداً يستحيل معه استمرار الحياة الزوجية (سنتين)، كلها أمور ترك أمرها لسلطة القاضي التقديرية (2).
حيث تتمتع محكمة الأحوال الشخصية بسلطة تقديرية واسعة في دعاوى التفريق القضائي، وهي سلطة لم تأتِ من فراغ، بل استمدت جذورها من مرونة مبادئ الفقه الاسلامي التي يستند لها قانون الأحوال الشخصية العراقي في كل احكامه ومن النصوص القانونية التي تهدف إلى حماية الأسرة من التفكك وحماية الزوجة من التعليق ، حيث منح المشرع العراقي للمحكمة حق التدخل لإنهاء الرابطة الزوجية إذا ما تحقق الضرر الجسيم" الناتج عن الهجر، وتخضع الدعوى لسلطته التقديرية (مع التقيد بالمحددات القانونية من حيث المدة ) وسلطة تقديرية واسعة في تقدير الضرر والظروف المحيطة بالدعوى، وحق الزوجة في طلب التفريق بناء على تضررها بسبب الهجر (3).
وتتميز سلطة القاضي في تقدير الهجر بطابع مزدوج، فهي من جهة سلطة موضوعية تتعلق بتقدير الوقائع المادية للدعوى، من حيث مدة الهجر الموجب للتفريق ومدى تحققها بصورة فعلية ، ومن جهة أخرى هي سلطة تقديرية تتعلق بتقييم الظروف المعنوية والنفسية المحيطة بالدعوى، كتقدير ما إذا كان للزوج عذر مشروع يبرر هجر الزوجة، أو اذا كان الضرر الذي لحق بالزوجة قد بلغ حداً يتعذر معه استمرار الحياة الزوجية من عدمها (4).
وتتمثل حدود سلطة المحكمة في التشريع العراقي في وجوب التحقق من شرط العذر المشروع؛ فإذا تبين أن الزوجة هي من خرجت من دار الزوجية دون عذر مشروع، فلا يحق لها طلب التفريق (5) ، كما يقع على عاتق المحكمة إكمال التحقيقات في الدعوى ، بتكليف الزوجة ببيان تاريخ بدء الهجر وإثباته قانوناً، وتؤكد محكمة التمييز الاتحادية على ضرورة أن تتعمق المحكمة في تحقيقاتها بالنسبة للضرر الحاصل على الزوجة بكافة الوسائل القانونية الممكنة (6) والتفريق للهجر كما أشرنا إليه سابقا يمكن اثباته بكافة وسائل الاثبات وحتى من خلال الشهادة السماعية (7) فإذا عجزت الزوجة عن الاثبات جاز توجيه اليمين الحاسمة .... (8)، وبذلك، إذا قصرت المحكمة في هذه الإجراءات أو أغفلت التحقق من وجود العذر المشروع، فإن حكمها يكون مخالفاً للشرع والقانون، وتنحصر سلطتها في إعمال هذه الضوابط قبل إصدار قرار التفريق. وبناء على ما تقدم فأن أولى مهام المحكمة العراقية تكمن في تكييف واقعة الهجر كونها ضرر مسوغ للتفريق وكذلك تحقق شرط المدة ، فلا يمكن للمحكمة البدء في تحقيقاتها دون مراعاة المدة القانونية لهجر فالمشرع العراقي اشترط مرور مدة سنتين أو أكثر على الهجر بلا عذر مشروع وهنا تبرز مرونة النص القانوني في استخدام عبارة بلا عذر مشروع، إذ إن تقدير المشروعية من عدمها يقع ضمن النطاق المطلق لقناعة القاضي وسلطته التقديرية(9) فالقاضي يجب أن لا ينظر إلى الهجر كفعل مادي مجرد ، بل يبحث في الباعث النفسي والظرف الاجتماعي المحيط بالزوج والاسرة بشكل عام، ما يجعل سلطته أداة لتحقيق العدالة لا مجرد تطبيق جامد للنصوص القانونية في قانون الأحوال الشخصية العراقي.
وعليه نجد أن المشرع العراقي قيد المحكمة بوجوب التحقق من ثبوت الضرر الجسيم وانعدام العذر المشروع، فالهجر بحد ذاته ليس هو العلة الوحيدة، بل الأثر المترتب عليه، فإذا أثبتت الزوجة أن الهجر أدى إلى فوات مقاصد الزواج من السكن والمودة، فإن المحكمة تمارس سلطتها في إيقاع التفريق وقد ذهب الاجتهاد القضائي العراقي إلى أن وجود مال للزوج تنفق منه الزوجة لا يمنع من الحكم بالتفريق للهجر، لأن الضرر المعنوي والنفسي والجنسي الناتج عن غياب الزوج يفوق في أثره الضرر المادي (10). فالمحكمة في ممارستها للسلطة التقديرية تميز بين الهجر الاختياري الذي يعبر عن رغبة الزوج في إنهاء العلاقة بشكل غير مباشر، وبين الغياب القسري الناتج عن ظروف خارجة عن الإرادة مثل السجن أو الخدمة العسكرية في ظروف الحرب ومع ذلك، فإن القضاء العراقي الحديث بدأ يميل إلى تغليب مصلحة الزوجة المتضررة حتى في حالات العذر القسري إذا طالت المدة وتضرر كيان الأسرة، معتبراً أن استمرار الزواج في ظل الغياب الطويل يهدم الغاية من تشريع الزواج من حيث الأصل (11).
فالملاحظ أن لمحكمة الأحوال الشخصية وفق التشريع العراقي، سلطة واسعة وكبيرة في دعوى التفريق القضائي بشكل عام ، ودعوى التفريق للهجر بشكل خاص تبدأ من امكانية اثبات الدعوى بكافة وسائل الاثبات ومرورا بسلطة المحكمة في تقييم العذر المشروع للهجر من عدمه، وصولا إلى تقييم الادلة وتمييزها للوصول الى تحديد ما إذا كان الهجر مبررا أم لا ، وهل يستوجب الحكم بالتفريق من عدمه، لنكون بالنتيجة ، امام حكم قضائي سليم، يصدر جانب كبير منه من خلال سلطة المحكمة التقديرية.
لكن في بعد التعديل قانون الأحوال الشخصية العراقي في عام 2025م، وصدور (مدونة الأحكام الشرعية في مسائل الاحوال الشخصية وفق المذهب الجعفري) (12) ، نجد أن حدود سلطة المحكمة قد تغيرت عما كانت عليه غي السابق، فالمحكمة عند نظر دعوى التفريق القضائي للهجر، فتلاحظ إذا كان عقد زواج طرفي الدعوى قد أبرم أو تم تغييره ليكون وفق أحكام المدونة الجعفرية ، فيكون نظرها وحكمها بالتفريق القضائي مختلفا عما إذا كان عليه خارج هذه المدونة.
فالمحكمة في مدونة الفقه الجعفري مقيدة بشكل كامل بأدلة الاثبات المعتبرة في قانون الاثبات العراقي بلا استثناء للبيئة الشخصية شهادة الشهود ، وهذا جانب يؤدي الى تقييد حدود سلطة المحكمة بما يتعلق بالإثبات بالتفريق القضائي ، وكذلك تقييد للزوجة باعتماد ادلة محددة في الدعوى. أما بالنسبة لحدود سلطة المحكمة في تقدير العذر المشروع للهجر، ومدة الهجر ومدى تضرر الزوجة منه، قد أصبحت حدود أوسع وفق ما نصت عليه المدونة من احكام تعطي القاضي حق تخيير الزوج بين الرجوع عن الهجر او ايقاع الطلاق(13).
وتتقيد سلطة المحكمة في المدونة الجعفرية في ايقاع القاضي للطلاق بين الزوجين، فالتفريق في مدونة الفقه الجعفري يرتبط بصورة وجوبية بموافقة المرجع الديني على ايقاع الطلاق في الحالات التي اباحت بها المدونة ، التفريق القضائي بين الزوجين (14).
وبناء على ما تقدم نجد أن حدود سلطة المحكمة في التفريق القضائي وفق التشريع العراقي ، يختلف تبعا لما يتبع له عقد زواج طرفي الدعوى من احكام قانونية فالمحكمة تنظر إلى كل حالة من جانب معين، متقيدة بالأحكام القانونية التي تحكم كل حالة من الحالتين السابقتين(قبل أو بعد التعديل).
____________
1- ينظر المادة (43/اولا/2) من قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188لسنة 1959 المعدل
2- ينظر المادة (43/ أولاً/2) من قانون الأحوال الشخصية رقم (188) لسنة (1959) المعدل.
3- ذوالفقار على وناس العنف الأسري وأثره في انحلال عقد الزواج: دراسة مقارنة رسالة ماجستير، جامعة القادسية، كلية القانون، 2023، ص 81.
4- سليمان محمد هلال، سلطة القاضي التقديرية في فض منازعات التفريق القضائي مجلة كلية القانون جامعة بغداد، العدد 36، آب 2021، ص 440 .
5- قرار محكمة التمييز الاتحادية بالعدد (16842) لسنة 2023، هيئة الأحوال الشخصية والمواد الشخصية.
6- اقرار محكمة التمييز الاتحادية بالعدد (16507) لسنة 2025، هيئة الأحوال الشخصية والمواد الشخصية.
7- ينظر المادة (33) من قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 المعدل.
8- ينظر المادة (116) من قانون الاثبات العراقي رقم 107 لسنة 1979 المعدل.
9- ينظر ، المادة (43) الفقرة أولاً (2) قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل.
10- هادي حسين الكرعاوي التفريق القضائي: دراسة مقارنة مجلة الكوفة، العدد 4، 2011، ص 128.
11- ثائر حامد عواد التأطير القانوني والفقهي لبعض المشاكل الزوجية المعاصرة وتحديد سبل معالجتها : دراسة في قانون الأحوال الشخصية العراقي، مجلة المدارات العلمية للعلوم الإنسانية والاجتماعية، المجلد 2 العدد 2، 2024، ص 201.
12- التعديل الذي جرى سنة 2025م على المادة (2) من قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 المعدل، وتعد ملحق للقانون رقم 1 لسنة 2025 .
13- ينظر، المادة (71) من مدونة الأحكام الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية وفق المذهب الجعفري.
14- ينظر، المادة (73/ثانيا) من مدونة الأحكام الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية وفق المذهب الجعفري.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في قانون الاحوال الشخصية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة