سياسة الدولة الاقتصادية (Economic Policies)
لا يستطيع أحد انكار الآثار التي قد تتركها سياسات الدولة المختلفة خاصة فيما يتعلق بالسياسة النقدية (Monetary Policy) والسياسة المالية (Fiscal Policy) على سعر عملتها. ونريد الان استعراض بعض مظاهر هذه السياسات والاثار التي قد تتركها على سعر العملة:
السياسة النقدية
أ - عرض النقد (Money Supply)
ان الزيادة الحادة في عرض النقد تدفع قيمة العملة في العادة للانخفاض، وعلى الرغم من ان بعض الاقتصاديين قد يخالفون ذلك الرأي الا ان العديد من المتعاملين في سوق العملات الاجنبية يعتبرون زيادة عرض النقد عملية مشابهة في اثارها لعملية التضخم الا إذا كانت هذه الزيادة بعد فترة انكماشية حادة. وتبقى المشكلة في هذا المضمار هي عدم وجود اتفاق عام حول تعريف موحد لمفهوم عرض النقد، ففي حين يشتمل المفهوم الضيق لعرض النقد او ما يسمى بالمفهوم الاول (MI) على النقد المتداول لدى الجمهور والودائع تحت الطلب يشتمل المفهوم الثالث لعرض النقد (3M) على النقد المتداول لدى الجمهور والودائع تحت الطلب وودائع التوفير والأجل. وكما هو واضح فان المفـهـوم الاخير لعرض النقد أكثر استقراراً من المفهوم الأول حيث نجده يغطي مجالاً اوسع من النقد مما يجعل درجة تذبذبه اقل. اما في المفهوم الأول فإننا نجد درجة تذبذب عالية تنتج باستمرار عن التحويل المستمر للأموال من حسابات التوفير للحسابات الجارية او بالعكس.
ومما تجدر الاشارة اليه هنا انه من غير الحكمة ربط القرارات المتعلقة بأسعار العملات بشكل مطلق بأرقام عرض النقد دون تحديد اتجاه عام لعرض النقد تبنى عليه مثل هذه القرارات كما انه من الضروري ان يتوفر لدى المتعامل بالعملات الاجنبية خلفية عن المفاهيم المستخدمة لعرض النقد وما يشتمل عليه كل مفهوم بالاضافة الى خلفيته عن السوق النقدي والممارسات البنكية للدولة التي تعود اليها هذه العملة ليتمكن من تحديد اثار عرض النقد على سعر العملة. وبما ان سلاح سعر الفائدة لا يزال أحد الاسلحة الفعالة التي تستعملها البنوك المركزية فإننا لا نستطيع اهمال الاثر قصير الاجل الذي تتركه سياسات عرض النقد على سعر الفائدة والارتباط القائم بينهما وأثر ذلك على سعر العملة.
ب ـ سعر الفائدة (Interest Rate)
هناك ارتباط قائم بين سعر العملة وسعر فائدتها ففي حين يعتبر ارتفاع سعر الفائدة سبباً لقوة العملة حسب نظرية التدفقات النقدية MONETARY FLOWS يعتبر انخفاض سعر الفائدة سبباً لضعفها وذلك بافتراض ثبات باقي العوامل الأخرى المرتبطة بهما. والاسعار المشار اليها في هذا المجال هي اسعار العملات القابلة للتحويل التي تحددها قوى العرض والطلب وليست الأسعار التي تتدخل السلطات النقدية في تحديد اسعارها. كما ان وضع القوة والضعف المشار اليهما هو وضع نسبي مقارن بقوة وضعف العملات المقابلة لهذه العملة. فلو افترضنا ان هناك توازناً في اغلب الفعاليات الاقتصادية لدولتين، فان سعر الفائدة العالي في الدولة الاولى سيجعل الاموال تتدفق اليها من الدولة الثانية التي لديها سعر فائدة اقل الامر الذي يخلق وضعاً غير متوازن بينهما قد يصحح عن طريق تعديلات في اسعار الفوائد القائمة بين هاتين الدولتين بحيث يرتفع سعر الفائدة المنخفض للدولة الثانية او ينخفض سعر الفائدة المرتفع للدولة الاولى او قد يصحح عدم التوازن هذا عن طريق تعديلات في سعر تبادل عملتي الدولتين المعنيتين بحيث ينخفض سعر عملة الدولة الاولى مقابل عملة الدولة الثانية الى الحد الذي يوقف فيه تدفق الاموال غير المتوازن بينهما ويمكننا توضيح ذلك اكثر في المثال التالي:
لو فرضنا ان سعر الفائدة في الدولة الاولى هو 3% سنوياً وان سعر الفائدة في الدولة الثانية هو صفر % سنوياً وان سعر تعادل عملتي البلدين هو 3 من عملة الدولة الاولى = 1 من عملة الدولة الثانية. فانه كنتيجة لذلك سيقوم مواطنو الدولة الثانية بشراء عملة الدولة الاولى وذلك عن طريق مبادلة وحدة من عملتهم بثلاث وحدات من عملة الدولة الثانية واستثمار عملة هذه الدولة للحصول على مردود مقابل 3% سنوياً بدلاً من الاحتفاظ بعملتهم التي لا تعطي اي مردود.
وسيستمر التدفق النقدي من الدولة الثانية للدولة الاولى وذلك للاستفادة من فرق الفائدة القائم بين الدولتين طالما بقي مواطنو الدولة الثانية قادرين في النهاية على استعادة عملتهم بنفس سعر التبادل القائم اي مبادلة ثلاث وحدات من عملة الدولة الاولى لوحدة من عملتهم الوطنية. الا ان هذا الوضع لا يمكن استمراره ذلك لأن مثل هذا الوضع سيدفع سعر عملة الدولة الاولى الى التغير حتى يضعف الطلب عليها اي لا بد وان يرتفع سعرها يما يعادل فرق الفائدة البالغ 3% حتى يصبح من غير المغري التحويل من عملة الدولة الثانية الى عملة الدولة الأولى وهذا يعني سعر تبادل يعادل 2,91 من عملة الدولة الأولى ليساوي وحدة من عملة الدولة الثانية.
من هنا نخلص الى ان ارتفاع سعر الفائدة سيدفع سعر العملة للارتفاع بسبب زيادة الطلب عليها الامر الذي يفسر التعديل المستمر في سعر العملة المواكب لتعديل سعر الفائدة.
ج - التضخم والكساد و الكساد التضخمي (Inflation, Deflation & Stagflation)
ان ارتفاع مستوى الاسعار في دولة ما أكثر مما هو الحال في الدول الاخرى يتطلب اجراءات مالية او نقدية لهذه الدولة، وفي غياب ذلك فان هذا يتطلب تخفيض عملة هذه الدولة والعكس يحدث لو ان الدولة تتمتع بمستوى اسعار اقل من الدول الأخرى فذلك يتطلب اعادة تقييم لعملتها. كذلك الحال بالنسبة للدولة في فترة الكساد والكساد التضخمي فمن المغري لها ان تجعل اسعارها أكثر منافسة وان هذا لا يتأتى لها الا عن طريق تخفيض عملتها. اي لا بد وان تعدل عملتها بتخفيض حاد لكي تصبح صادراتها رخيصة جدا ومنافسة للأسواق.
د - السياسة الضريبية (Taxation)
ان الاجراءات الضريبية المختلفة التي قد تضع الاموال داخل جيوب الناس او قد تسحبها تؤثر على سعر العملة، وعلى الرغم من ان هذه السياسات او الاجراءات لا تؤثر بشكل مباشر على سعر العملة الا انه في اوقات متعددة تكون مثل هذه السياسات والاجراءات مهمة ويجب ان تؤخذ بالحسبان لما لها من آثار على الدخول، وحوافز الانتاج وبالتالي الاسعار والصادرات والميزان التجاري.