قال (عليه السلام): ((وَثِقَتِي بِمَعْرِفَتِكَ مِنِّي أَنْ لَا رَبَّ لِي غَيْرُكَ وَلَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ اللهُمَّ أَنْتَ الْقَائِلُ وَقَوْلُكَ حَقٌّ وَوَعْدُكَ صِدْق)) (1).
في هذا المقطع حالتان قال بهما الله تبارك وتعالى، وإذا كان الله تعالى هو القائل سيكون قوله حقّ، ووعده صدق، ومعنى قوله حق أنَّ هذا القول لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ويمكن القول: إنَّ أيّ كتاب ممكن أن يتصوّره الإنسان، وأي قول يمكن أن يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه، ما خلا قول الله تبارك وتعالى فهو حقّ لا يحيل، وحق لا يأتيه الباطل، وكذلك وعد الله تبارك وتعالى صدق في مقابل الوعد المكذوب.
إنَّ هذا الوعد وعد صدق وهناك وعد مكذوب، ومسألة الصّدق ومسألة الكذب فيها كلام، لكن نعرض عنه؛ لكونه يحتاج إلى عرض أطول، ولكن نشير إلى جانب مختصر منه.
إذا أنجز الوعد الصادق يقول لك إنِّي سأفعل كذا، وسأعطيك كذا إن عملت كذا، فأنا أعدك مقابل عمل، فإذا أنجزتُ ما عليّ أكون صادق الوعد، وإذا لم أنجز ما ذكرت أكون كاذب الوعد، أي لم أوفِ بوعدي، لذلك النبي إسماعيل (عليه السلام) عبّر عنه القرآن الكريم بصدق الوعد: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم: 54] في مقام الثناء والمدح، ولقد ذكرت الرّوايات المأثورة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) سبب هذه التسمية، فقد رُوِيَ عن الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) أنَّهُ قَالَ: ((إِنَّمَا سُمِّيَ إِسْمَاعِيلُ صَادِقَ الْوَعْدِ؛ لِأَنَّهُ وَعَدَ رَجُلًا فِي مَكَانٍ فَانْتَظَرَهُ فِي ذَلِكَ المَكَانِ سَنَةً فَسَمَّاهُ اللهُ (عَزَّ وَجَلَّ) صَادِقَ الْوَعْدِ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الرَّجُلَ أَتَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ إِسْمَاعِيلُ: مَا زِلْتُ مُنْتَظِراً لَكَ))(2).
فعبّر عنه صادق الوعد، ولعلّه طرف من هذه التسمية هذه القصة وإلّا صادق الوعد قد يكون له معنى أعمق، والله تعالى صادق الوعد بكلّ معانيها، إذ لا يوجد سبب يجعل الله تعالى لا يفي بوعده؛ لأنَّ الإنسان قد لا يفي بوعده، لنسيان، أو إعاقة عائق، وقد يندم، وهذه الأشياء منتفية عند الله تبارك وتعالى، فالله لا يمكن أن ينسى، ولا يمكن أن يُعرقله شيء، ولا يمكن أن يحدّه شيء، ولا يمكن أن يندم، فهو سبحانه إذا وعد وفى، فجعل الإمام هذه المقدّمة حتى يستدرّ رحمته تبارك وتعالى؛ لأنّها داخلة ضمن سياق: ((اللَّهُمَّ أَنْتَ الْقَائِلُ وَقَوْلُكَ حَقٌّ وَوَعْدُكَ صِدْق)) (3).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مصباح المتهجد وسلاح المتعبد: 2 / 583.
(2) عن أَبِي عبد اللهِ (عليه السلام) قَال: ((إِنَّ إِسْمَاعِيلَ الَّذِي قَالَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولًا نَبِيًّا} لَمْ يَكُنْ إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ (عليهما السلام)، كَانَ نَبِيّاً مِنَ الْأَنْبِيَاءِ بَعَثَهُ اللهُ إِلَى قَوْمِهِ فَأَخَذُوهُ فَسَلَخُوا فَرْوَةَ رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ، فَأَتَاهُ مَلَكٌ عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَقَالَ: إِنَّ اللهَ بَعَثَنِي إِلَيْكَ فَمُرْنِي بِمَا شِئْتَ فَقَالَ: لِي أُسْوَةٌ بِمَا يُصْنَعُ بِالْحُسَيْنِ ـ عليه السلام ـ)) ينظر: كامل الزيارات: 65.
(3) مصباح المتهجد وسلاح المتعبد: 2/ 583.