التجريبية المنطقية وميكانيكا الكم: رؤية كاسيرر بين العلم والفلسفة |
![]() ![]() |
أقرأ أيضاً
التاريخ: 1-8-2016
![]()
التاريخ: 19-8-2016
![]()
التاريخ: 11-8-2016
![]()
التاريخ: 25-7-2016
![]() |
يمثل كاسيرر الوقائع المتضمنة فى مبدأ اللايقين لهيز نبرج بالطريقة الآتية : تبعاً للشروط التى يتم الرصد في إطارها يظهر لنا الموضوع بوجه مختلف إلى حد ما، وتبعا لاختيار وسيلة القياس وطريقة استخدامها نحصل على صور مختلفة للحدث. وليس هناك مشاهدة واحدة يمكن أن تبين لنا في وقت واحد مجمل الوجوه الممكنة. ومع اختلاف ترتيبات القياس تحجب عنا بعض سمات الحدث مثلما يحدث مثلاً في حالة طبيعة الضوء الموجية أو الجسيمية، بينما تظهر سمات أخرى مكانها. أما ماهية الشيء بمعنى مطلق، خارجاً عن ظروف الرصد حسب ما تحقق في تجارب مختلفة، فهي شيء لم تحصل بعد على إجابة عنه.
ومن خلال هذا النمط من التعبير يصف كاسيرر الموقف كما لو كانت ميكانيكا الكم تنطوي على أشياء مطلقة لا يمكن فهمها في كل وجوهها بترتيب قياس واحد. وبهذه
الطريقة يدخل في الفيزياء مصطلحات من فلسفة المثالية الترنسند نتالية الغريبة تماماً على مبدأ بور في التام بصورته الفيزيائية. وكل ما تقوله فيزياء الكم في هذا السياق هو أنه لا مجال لتعريف مفاهيم مثل جسيم ذو موضع محدد" أو "جسيم ذو سرعة محددة إلا من خلال ترتيبات تجريبية محددة.
وبكلمات أخرى فإن العمليات الفيزيائية التي تحدث مع هذه الترتيبات التجريبية يمكن التنبؤ بها من خلال عبارات يشار فيها إلى جسيم فى موضع محدد" أو "جسيم ذي سرعة محددة ولكن ليس هناك ترتيبات قياس يمكن التنبؤ بما تتضمنه من عمليات من خلال عبارات تتضمن في نصها جسيماً ذا موضع وسرعة محددين". ولكن ذلك لا يعنى وجود جسيمات لا يمكن قياس خصائصها (موضعاً وسرعة) بسبب عدم كفاية الأجهزة أو بسبب قوانين الطبيعة الماكرة، ولكن المقصود هو أن توافيق الكلمات من مثل "جسيم إحداثياته X,Y,Z ، وسرعته . * لا يجب استخدامها في لغة الفيزياء. وإذا قلنا الآن إن الأشياء المعنية بمثل هذه التوافيق من الكلمات موجودة رغم ذلك في صورة أشياء مطلقة لكنها مجهولة نكون بذلك قد انتقلنا إلى ميتافيزيقا بحثة محطمين كل الأواصر بالخبرة، وبالتأكيد ليس ذلك قصد كاسيرر.
وهكذا، كثيرا ما يميز كاسيرر البنية العلمية المنطقية لقوانين ميكانيكا الكم بصورة جد مناسبة، ولكنه يعمد دائما بعد ذلك إلى صياغتها بلغة الفلسفة المثالية، وبهذه الطريقة يسلبها معناها العلمى الواضح فاتحاً الباب لسوء التفسير في اتجاه الميتافيزيقا المطلقة.
ويمكن ملاحظة أن كاسيرر لا يقبل أساساً هذا التفسير الميتافيزيقي لنظرية الكم وذلك بإصراره على رفض فكرة إمكان استنتاج أى نتائج من هذه النظرية لصالح القدرية أو حتى المسئولية الأخلاقية. ويرى كاسيرر بوضوح أكبر كثيراً منه بالنسبة للعديد من الفيزيائيين، ضعف كل هذه الحجج ويضعها في مكانها المناسب. فهو يقول مثلاً: إن الأمر سيئ إذا لم يتح للأخلاق بمقامها الرفيع، أن تحتفظ بهيمنتها إلا بالبحث عن ثغرات في التفسير العلمي للطبيعة في أعماقها".
وبهذه الكلمات يكشف كاسيرر باقتدار المحاولات المتكررة من جانب الفلاسفة وكثير من الفيزيائيين لاستخدام الثغرات فى العلم بقصد تقديم عوامل خارقة للطبيعة. وفى مكان آخر يقول : لو وقعت الحرية الأخلاقية تحت تهديد هذه الأفكار أفكار القوانين الطبيعية الصارمة فإنها لن تنال دعماً من ميكانيكا الكم. وفيما يتعلق بهذه المشكلة فلا أهمية هناك سواء كنا نعتقد بأن الظاهرة الطبيعية تحكمها قوانين ديناميكية صارمة أو كنا نفترض مجرد انتظام إحصائى، لأنه حتى بالنسبة للرأي الثاني فقد يتقرر الأمر إلى درجة أن الحرية الظاهرية، القدرية، لا تجد فـيـه مـلاذا؛ وهو من الناحية الفيزيائية أمر ليس مستحيلاً، بالتأكيد، ولكنه بعيد الاحتمال ولا ضرورة لأخذه في الاعتبار في مجال إرادتنا".
وباختصار دقيق تماماً : "لا يختلف الأمر بالنسبة لمسألة الطبيعة والحرية حيث تبقى كما هي سواء أخذنا بالقوانين العامة التي تشكل مفهوم الطبيعة بأنها قوانين ديناميكية أو إحصائية . هذا الفصل لمسألة القوانين الطبيعية عن مسألة الحرية الأخلاقية يتناولها كاسيور بطريقة مماثلة جداً لطريقة شليك فى كتابه مشاكل الأخلاق (1)، الذي تعرض للهجوم لاعتباره وضعياً متطرفاً. وكذلك يرجع رفض استخدام ثغرات قوانين الفيزياء بهدف إقحام العوامل الروحانية، إلى الخطوط الوضعية في الفكر والموجودة في صورة مماثلة تماماً في كتابي قانون السببية وحدوده".
هذا الاتجاه من جانب كاسيرر نحو مسألة العلاقات بين ميكانيكا الكم والأخلاق ينبغي أن يكون موضع تقدير كبير فى ظل وجود فيزيائيين كثيرين يؤيدون بشدة سوء استخدام نظرية الكم هذا، بل كانوا أحياناً هم الذين يبادرون به، وعلى النقيض من الحجة العلمية الصارمة لدى كاسيرر فى هذه المسألة أود أن أسوق هنا قليلاً من الجمل من محاضرة حديثة ألقاها الفيزيائى الإنجليزي الشهير چيه اتش جينز حيث يقول: "الإنسان البسيط المتوسط.. كان يعتقد أنه حر في الاختيار بين الأعلى والأدنى وبين الخير والشر، وبين الرقى والانحدار. وبالنسبة لكثير من الفكتوريين (*) Victorians كان العلم يبدو متحدياً لكل هذه المعتقدات، فالعلم لا يفرق بين الأعلى والأدنى وبين الرقى والانحدار، وإنما يعرف فقط الماكينة الهائلة التي تدور بذاتها ويقصورها الذاتي كما لو كانت قد ضبطت لتعمل منذ أول أيام الخلق. لقد بدأنا الآن نعتقد أن هذا التحدى كان على غير صواب، وأن الكون قد يكون أشبه بصورته في الإدراك الفطري لدى الإنسان الساذج منذ جيل مضى، وأن الإنسانية ربما لم تكن مخطئة في اعتقادها بحرية المرء في أن يختار بين الخير والشر، وأن يحدد اتجاهه في التطور، وأن يرسم مستقبله ولو في حدود (3).
وفي نهاية كتابه يشير كاسيرر إلى فائدة فلسفته في ميكانيكا الكم. فهو يعتقد أن التغير في الرأي بين النظرية الموجية والنظرية الجسيمية الذي أحدثته نظرية الكم في الفيزياء يشبه التغير فى الرأى الحادث عند الانتقال من اعتبارات علمية إلى اعتبارات أخلاقية أو جمالية. هذه المماثلة كشفها أيضاً كثير من الفيزيائيين مثل ہی جوردان P.Jordan وجريت هيرمان Grete Hermann ونيلز بور ولو بحذر شديد وتحفظات كثيرة. وسواء اعتبرناها متعمقة مثمرة أو مجرد سطحية فالأمر هو مجرد مسألة تخمين لتطورات المستقبل أكثر منه حجة علمية.
وباختصار : إننا نرحب بكتاب كاسيرر من زاوية التجريبية المنطقية على أنها محاولة جد ناجحة لاستمرار تعديل الفلسفة المثالية التقليدية بما يناسب تقدم العلم وهي في رأيي يمكن أن تنتهى إلى تفتيت كامل للفلسفة التقليدية. إن حجج كاسيرر الصريحة المطروحة هنا بلغة واضحة مفهومة سوف يقرؤها ويستفيد منها كل فيزيائي كما أنها سوف تفيد فى تصحيح كثير من أخطاء التفسير فى الفيزياء الحديثة. أما أتباع فلسفة المدارس فإنهم يرون في الكتاب، كما هو الحال في كثير من كتابات كاسيرر، طريقة للخروج من أى مأزق.
|
|
"إنقاص الوزن".. مشروب تقليدي قد يتفوق على حقن "أوزيمبيك"
|
|
|
|
|
الصين تحقق اختراقا بطائرة مسيرة مزودة بالذكاء الاصطناعي
|
|
|
|
|
قسم شؤون المعارف ووفد من جامعة البصرة يبحثان سبل تعزيز التعاون المشترك
|
|
|