0

بمختلف الألوان
يُقدِّمُ لنا المرجعُ الدينيُّ الأعلى سماحةُ السيدِ عليِّ الحسينيِّ السيستانيِّ حُزمةً مِن الوصايا الثمينةِ والرفيعةِ ، وهيَ تُمثِّلُ خبرتَهُ وخُلاصةَ أفكارِهِ المُستمدةَ مِنَ النصوصِ الدينيةِ والعُلمائيةِ والتجربةِ الشخصيةِ ، يقولُ في مُقدّمةِ الوصايا: أمّا بعدُ فإنَّني أوصي الشبابَ الأعزاءَ... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
تآكل الرموز الأسرية: أبعاد تقليل الشأن المتبادل بين الزوجين وأثره على نشأة الأبناء

منذ 4 شهور
في 2026/06/16م
عدد المشاهدات :954
تآكل الرموز الأسرية: أبعاد تقليل الشأن المتبادل بين الزوجين وأثره على نشأة الأبناء
تنهض الأسرة المستقرة على ركيزتين أساسيتين هما الأب والأم، ويمثل توازنهما واحترامهما المتبادل المظلة الآمنة التي يستظل بها الأبناء للنمو السوي. غير أن تحويل ساحة الخلافات الزوجية إلى علانية أمام الأبناء، عبر سلوكيات "تقليل الشأن" وتحطيم الرموز، يُعد من السلوكيات الهدمية التي تترك آثاراً عميقة وممتدة في بنية الأسرة النفسية والتربوية. إن استهداف مكانة أحد الوالدين أمام الأطفال لا يضير الشريك كشخص فحسب، بل يشوه الفضاء التربوي، ويزرع في نفوس الناشئة بذور التشوه النفسي والسلوكي.
أولاً: إسقاط هيبة الأم.. تجريف منبع الأمان العاطفي
عندما يعمد الزوج إلى الاستهانة بزوجته أو التقليل من شأنها أمام الأبناء، فإنه يمارس تخريباً مباشراً لبيئة الطمأنينة. وتتبلور خطورة هذا المسلك في عدة أبعاد:
اهتزاز القدوة وسقوط السلطة الأدبية
إن رؤية الأبناء لوالدهم وهو يستخف بأمهم تضعف من هيبتها ومكانتها في نفوسهم. هذا الاختلال يمهد الطريق لتمرد الأبناء عليها، بل وقد يدفعهم لاحقاً إلى عقوقها ومحاكاة ذلك الأسلوب الفظ في التعامل معها ومع الآخرين.
الصراع الداخلي وتضارب الولاءات
يعيش الطفل في هذه البيئة دوامة من القلق المزمن نتيجة "تضارب الولاءات"؛ فهو فُطر على حب والديه معاً، ورؤية أحدهما يسحق الآخر تسلب منه الشعور بالأمان الأسري وتضعه في حالة دفاع عاطفي مستمر.
تلقين نموذج مشوه للعلاقات
يتعلم الأبناء بالقدوة الحية لا بالشعارات. لذا، فإن هذا السلوك يرسخ في وعي الذكور أن إهانة المرأة أمر طبيعي، بينما يزرع في نفوس الإناث قبول الدونية والاضطهاد في مستقبلهن الزوجي، ظناً منهن أن هذا هو الأصل في العلاقات.
ثانياً: تحطيم هيبة الأب.. تصدع جدار الحماية والامتثال
في المقابل، لا يقل تقليل الأم من شأن الأب أمام الأبناء خطورة؛ فالأب في الوعي الطفولي يمثل رمز السلطة، والحدود، والامتثال. وإسقاط هذه الهيبة يقود إلى كوارث تربوية منها:
زعزعة الأمان الوجودي
يمثل الوالدان معاً عالم الأمان للطفل، وحين تسعى الأم لهدم صورة الأب، يشعر الأبناء بأن الجدار الحامي لهم يتصدع، مما يورثهم خوفاً غير مبرر من المستقبل وقلقاً وجودياً مستمراً.
ضياع البوصلة التربوية والتمرد
عندما تفقد كلمة الأب قيمتها بتأثير من تقليل الأم لشأنه، يفقد الأبناء مرجعيتهم الحازمة في التوجيه والنصح. هذا التجريد من السلطة يغري الأبناء (خاصة في مرحلة المراهقة) بالتمرد على كلا الوالدين؛ فمن استباح مكانة أبيه لن يجد غضاضة في الاستخفاف بأمه لاحقاً.
الانحرافات السلوكية والانحياز العكسي
تتفاوت ردود أفعال الأبناء تجاه هذا السلوك؛ فبينما يحاكي بعضهم الأم في استحقار الأب، قد يحدث لدى البعض الآخر رد فعل عكسي متمثل في الانحياز التام للأب المظلوم، مما يولد جفوة وعداءً صريحاً تجاه الأم، فضلاً عن الاضطرابات النفسية كالتراجع الدراسي، والعدوانية، والانعزال.
ثالثاً: خارطة طريق للتعامل السليم وحماية المحيط الأسري
إن مواجهة هذه السلوكيات الهدمية وتدارك آثارها يتطلبان حكمة بالغة وإدارة وضبطاً عاليين للانفعالات، عبر مسارات واضحة:
في لحظة الموقف (أمام الأبناء)
الهدوء التام: يجب تجنب الرد بالمثل أو الصراخ، لأن ذلك يحول النقاش إلى "حلبة صراع" تعزز المشهد السلبي لدى الأبناء.
وضع حد حازم وذكي: الرد بعبارات قصيرة وحاسمة تخلو من الانفعال، مثل: "هذا الأمر نتناقش فيه بمفردنا لاحقاً"، أو "لا أقبل هذا الأسلوب أمام الأولاد". هذا التصرف يعلم الأبناء حدود الاحترام بذكاء.
منع استجداء التعاطف: تجنب إقحام الأطفال في النزاع عبر أسئلة استعطافية مثل: "هل ترون ما يفعله والدكم/والدتكم؟".
خلف الأبواب المغلقة (بين الزوجين)
الحوار الصارم في وقت الصفاء: مناقشة الأمر بنبرة حازمة تعتمد على صيغة المتكلم بدلاً من الهجوم؛ كأن يقال: "أنا لا أقبل أن تهتز صورتي أمام الأبناء، فهذا يضر بتربيتهم ونفسيتهم قبل كل شيء".
شرح الأبعاد التربوية: التركيز على أن إهانة الشريك تُسقطه هو الآخر من عين أبنائه وإن لم يظهروا ذلك، فالأبناء لا يحترمون من يهين مَن يحبون.
الاتفاق على الجبهة الموحدة: صياغة ميثاق زوجي يقضي بأن تكون الغرف المغلقة هي مكان الخلافات مهما كبرت، وأن يظهر الوالدان أمام الأبناء ككتلة واحدة متضامنة.
مع الأبناء (إعادة البناء والترميم)
فصل الخلاف عن العلاقة بهم: توضيح أن الخطأ في التعبير أو الغضب لا يلغي قاعدة الاحترام الأساسية في البيت.
التعزيز المتبادل للمكانة: يتعين على المخطئ – عند استبصار خطئه – أن يتعمد مدح الطرف الآخر والثناء على جهوده أمام الأبناء، لترميم الصورة التي اهتزت في وعيهم.
وخلاصة تربوية
إن الخلافات الزوجية جزء طبيعي من ديناميكية الحياة المشتركة، غير أن تصفية الحسابات عبر "تسييس" الأبناء وتحطيم الرموز الوالدية خطأ تربوي فادح لا يغتفر. إن احتفاظ الأب بهيبته، واحتفاظ الأم بمكانتها، هما رأس المال الحقيقي لتنشئة جيل متزن نفسياً وقادر على مواجهة الحياة.
وإذا ما تبين أن هذا السلوك نمط مستمر ومتعمد ناتج عن رغبة في السيطرة الممنهجة، ولم تفلح الحوارات الخاصة في تقويمه، يصبح من الضروري إدخال حَكَم عاقل من الأهل أو استشارة متخصص في العلاقات الأسرية؛ لوضع النقاط على الحروف وحماية البناء التربوي للأبناء قبل فوات الأوان.

اعضاء معجبون بهذا

حين يتحول المريض إلى زبون... وتغدو المهنة تجارة
بقلم الكاتب : نوري حسين نور الهاشمي
حين يتحول المريض إلى زبون... وتغدو المهنة تجارة الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي 17/10/2026 قبل ثلاث سنوات دفعتني معاناة صحية إلى مراجعة طبيب اختصاص في جراحة المسالك البولية، كان يوصف بأنه من أفضل الأطباء في المحافظة. وعندما وصلت إلى عيادته استوقفتني لافتة كبيرة ازدحمت بالألقاب والشهادات والزمالات،... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

في أعالي جبال كازاخستان، حيث تتجمع أسراب طيور الفلامينكو استعداداً للدفء، كان... المزيد
‏كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل والسماء تمطر بغزارة والبرد يتسلل من شقوق... المزيد
في صباحٍ بغداديٍّ مثقلٍ برائحة الغبار والدخان، دخل إلى دار الأستاذ هشام طفلٌ لا... المزيد
شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على ألفِ ذراعٍ...
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا يستقر فوق كل...
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة روايات كثيرة...
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...


منذ يومين
2026/10/20
يشهد العالم تغيرات متسارعة بفعل الذكاء الاصطناعي، ولم يعد تأثيره مقتصرًا على...
منذ 4 ايام
2026/10/18
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء المائة والعشرون: مبدأ التكافؤ: كيف غيّر أينشتاين...
منذ 6 ايام
2026/10/16
تعد نبتة خناق الذباب (Venus flytrap) واسمها العلمي (Dionaea muscipula) واحدة من أكثر النباتات...