تتشكل عدة سيناريوهات محتملة في محاولة لصياغة واقعة الفقد والتي ينتج عنها احتمالين، اما الحياة أو الموت، طوعاً أو قسراً، بالنسبة لاحتمال الحياة، قد يكون المفقود اختار الغياب كوسيلة للهرب من دين أو خطر يحدق به، أو فرض عليه لتعرضه لوضع صحي كفقدان للوعي أو الذاكرة، أو لتعرضه لعملية اختطاف، او تعرض لحالة ضياع ليس الا اما بالنسبة لاحتمال الموت، فإما كان مختاراً لموته كإقدامه على الانتحار، تعرض لحادث أو جريمة، أو عرض له الموت بصورة طبيعية ولكن يُجهل مكانه، وفي المتقدم من البحث أوضحنا الأسس المعتمدة في بناء الحكم بموت المفقود ( الحقيقة والافتراض)، تسهم الوسائل الحديثة العلمية والتقنية من خلال استنباطها للأدلة أو التحقيق في الأدلة الثابتة الوجود، اما بتوفير دليل قطعي على حالة المفقود، أو بإضاءة بعض الجوانب لواقعة الفقد وعلى اثر ذلك إما ستنقل أساس الحكم من افتراض الى حقيقة، أو تمنح ميزان الاحتمالات بعض الأدلة المرجحة لاحد الاحتمالات، وفي الآتي سنتناول هذه الوسائل:
اولاً : الوسائل التقنية: تؤدي هذه الوسائل عبر خدماتها ذات الطبيعة المتباينة عدة وظائف تفيد في اثبات حالة الفقد من بينها، (تحديد الموقع)، اذ تعمل خدمة تحديد الموقع التي تقدمها الشبكة الخلوية والانترنيت على تحديد موقع المفقود، أو الموقع الأخير الذي تواصل منه، أو التقطته الشبكات، مما يفيد في تحديد وحصر منطقة البحث والتقصي عنه، والتحقق من مزامنة الوجود في المحل الذي التعرض الى الخطر والذي يتحقق مع وقوعه الهلاك. ايضاً فإنها تفيد في (تبيان الارادة)، فقد يفصح الشخص بمكنونات نفسه الى آخر تجهل العائلة المجتهدة بالبحث عنه معرفته او عبر مذكرة الكترونية يشاركها العامة او الاصدقاء او يحتفظ بها لنفسه، ويكون ذلك اما منشور يشاركه عبر حسابه الخاص في مواقع التواصل الاجتماعي، أو من خلال رسائل او مكالمات او تسجيلات يبعث بها الى اصدقائه، أو مذكرة في هاتفه، قد يشير ذلك الى رغبة في الاقدام على الانتحار، أو الاعراب عن الوجهة القادمة، أو التنويه عن الخطر الذي يحدق به، لذا بات مستلزماً على الشركات المزودة بالخدمات ان منح الجهات القانونية صلاحية الوصول للمحتوى الشخصي للمفقود للقيام بتحليله واستيضاح الارادة. ولا يمكن الاغفال عن قوة وسائل التواصل الاجتماعي بميزتها في تقريب المسافات ووصولها الى جميع انحاء العالم دون الحاجة الى استهلاك الوقت والتكاليف الباهظة، في (تكوين واقعة الفقد عبر سلسلة من التتابعات التي سيدلي بها بعض الاشخاص الذين قد يصدف لهم رؤيته أو سماع بعض الاخبار بشأنه، ومن دون شك تعتمد هذه الاعلانات على قوة وتأثير المصدر المعلن، فنجد مثلاً حملة نادي روما الايطالي والتي يطلق عليها (أطفال مفقودون)، التي تعرض مقاطع فيديو للأطفال المفقودين مع إعلانات انتقالات اللاعبين الخاصة بهم، أدت الى العثور على 7 أطفال فقدوا، وفي ذلك حذت بعض الأندية العالمية حذوهم مثل Manchester United و real madrid و Paris (1) تفيد هذه الوسائل في الحالات التي ينعدم بها الحضور الجسدي، وسيتحصل منها اما دليل قطعي على الحياة أو الموت، أو أدلة ترجح احد هذه الاحتمالات اما بالنسبة لمدى دقتها، فالوسائل دقيقة من حيث تحديدها للموقع، ولكن قد تتأثر لا دقة التحديد نفسها وانما حقيقة ما اذا كان هذا هو الموقع الفعلي للمفقود، فهنالك احتمال يومئ الى عدم مصاحبة المفقود لهاتفه نتيجة ضياع أو سرقة الهاتف، وبالتالي لا يمكن الركون الى هذه الوسيلة بنسبة يقينية تامة. اما الوسائل المعتمدة في تبيان الارادة فتواجه ذات المشكلات التي تعرضنا اليها في اثبات عقد الزواج وانحلاله، لذا فنحيل اليها.
ثانياً: الوسائل العلمية: تتجلى وظيفة هذه الوسائل بتعيين الهوية لجثة مجهولة الهوية، وذلك من خلال المقارنة بين المعلومات المستخلصة من الجثة والتي تكون اما بهيئة كاملة أو اعضاء مجزأة أو بقايا متلاشية، ومعلومات المفقود والتي كانت معروفة قبل فقده، ولا تتشكل صعوبة في تعيين الهوية لجثة واضحة القسمات، وانما تتشكل بالنسبة لتلك المتحللة للغاية والممزقة والمشوهة بحيث يتعذر التعرف عليها، اما نتيجة لمضي الزمن والذي يصعب معه المحافظة على الهيئة الجسدية دون تغير، أو لكارثة طبيعية كالفيضانات، أو لكارثة تعزو لفعل انساني مثل تقطيع الجثة؛ وتغيير الملامح نتيجة جراحة تجميلية ليصعب التعرف على هويتها؛ أو الانفجارات. وتنقسم الوسائل في ذلك الى نوعين:
1 - الاختبارات الانثروبولوجية : تعمل هذه الوسائل على تأسيس الهوية من خلال توفيرها لبعض المعطيات الجماعية مثل تحديد السن؛ والجنس والقامة؛ والنسب ؛ والحالات المرضية التي كان يعاني منها الميت، والفردية مثل الشامات والندوب وعلامات الوشم؛ والتشوهات الواضحة على الجسد حتى وان كان في حالة تحلل أو هيكل عظمي، في ضوء هذه المعطيات سيتحدد نطاق المرشحين المحتملين، ثم مقارنتها مع معلومات المفقودين الذين تنطبق معلوماتهم مع هذه المعطيات تظهر نتائج المقارنة عادةً، اما توافقاً وعلى اثره يدرج المفقود كمصدر محتمل للرفات او لا توافق وعليه يُستبعد، أو لا تمنح النتائج اي ترجيح سبق وان تناولنا تحديد السن والنسب، وسنتعرض بإيجاز الى تحديد الجنس، والذي يعد النمط الظاهري للأفراد، و هناك طريقتان منهجيتان للتحديد الشكلية (المورفولوجية ) والمترية، بالنسبة للشكلية المعتمدة على التقييم البصري بوساطة الميكروسكوب للسمات ثنائية الشكل، والمرتكزة على حقيقة التباينات الموروفولوجية بين الاناث والذكور الناشئة من التفاعل بين الجينات والتنوع الهرموني والثقافة والبيئة، ويعد عظم الجمجمة الأكثر موثوقية في ذلك، اذ يتميز الذكور بسمات أكثر متانة وقوة في عظام الجمجمة؛ والوجه؛ والعضلات مقارنة بالاناث، ولكن في بعض الاحيان تتسبب التغيرات المرتبطة بالعمر ببعض الاستنتاجات الخاطئة مثل: قد تكون لدى الاناث بعد انقطاع الطمث بعض السمات الذكورية في الجمجمة، وقد يظهر بعض الذكور ملامح أقل سمكاً وأكثر أنثوية. يليه عظم الحوض الذي تظهر الكثير من الاختلافات، من بينها الزاوية السفلى للعانة التي تصنعها عظام العانة اليمنى واليسرى تكون أكثر اتساعاً لدى الاناث من الذكور، حيث تقترب في الاناث من 120 درجة اما الذكور فتقترب من 90 درجة، وايضاً فان الجانب البطني لمدخل الحوض يكون ذا بهيئة قلب لدى الذكور، وبهيئة بيضوية لدى الاناث. قد لا تتوفر التباينات الموروفولوجية في الرفات التي يُعثر عليها، لذا يُعمد الى الوسائل المترية المرتكزة على الاختلاف الحجمي للعظام الأقل ثنائية للشكل بين الذكور والاناث، تستند هذه الوسائل على حقيقة أن الذكور يميلون إلى أن يكونوا أكثر قوة لأن مستويات هرمون التستوستيرون الطبيعية تنتج كتلة عضلية أكبر، ولكن المعايير التي تم اعتمادها لا يمكن ان تكون موحدة لجميع سكان العالم، اذ يختلف الحجم من مجموعة سكانية لأخرى، مثل يختلف حجم عظام الافراد ذو البشرة السوداء في امريكا عنهم في افريقيا. تعدّ هذه الوسائل غير موثوقة بالنسبة للرضع والاحداث، اذ لا تظهر التباينات بين الذكور والاناث الا بعد البلوغ، لذا فتعد موثوقة بالنسبة للبالغين، الا انها متأثرة بعدة عوامل مثل حجم وشكل العظام المتوفرة، تأثير البيئة طبيعة الكارثة التي تعرض لها فمثلاً تنكمش العظام بنسبة (10-12) في حالة تعرض الرفات للحرق، يجعل التشوه شبه المستحيل تحديد السمات الموروفولوجية (2) . ونوجه بالاعتماد على هذه الوسائل كبداية في انشاء ملف بيولوجي للرفات.
2 - التنميط الوراثي: تبدأ عملية التنميط باستخلاص الـ DNA من الرفات البشرية ؛ والمتعلقات الشخصية للمفقود قبل اختفائه مثل الشعر أو بقع الدم أو من أقاربه البيولوجيين والتي ستعدّ العينات المرجعية، ثم إنشاء ملف تعريف DNA لكل من الرفات والعينات المرجعية بعدها تتم مقارنة خصائص الDNA بوساطة برامج تحديد الهوية التي تقودها قواعد البيانات، وفي ضوء ذلك سيتم اتخاذ قرار بشأن درجة المطابقة التي تتوافق مع العلاقة المطالب بها. يمكن استخلاص الـ DNA من الدم الطري، أو مسحات الخد، أو الأنسجة بسهولة وسر. رعة طالما كانت ظروف التخزين قبل التحليل مناسبة، في الماضي كان من الصعب استخلاص الـ DNA من المواد الهيكلية، ولكن نتيجة للتطور العلمي، صار من الممكن الاستخلاص اذا ما كان الهيكل رطب، وظروف الحفظ مناسبة. وتكون المقارنة أدق اذا ما تم استخلاص الـ DNA من المواد البيولوجية مثل الشعر أو اللعاب الذي تركه المفقود قبل فقده، أو من الأقارب المقربين مثل الآباء والابناء. قد لا يكون اختبار الـ STR ناجحًا دائمًا عند تحليل الرفات البشرية المتدهورة، لذا فيُعمد الى الاختبارات الأخرى التي تتلائم ونوع العينة التي يمكن استخلاصها mtDNA ، للمقارنة ما بين الرفات مع الأم أو جدة الأم ، أو الأخ أو الأخوال، يجب توخي الحذر بشكل خاص في تقييم هذا النوع من الأدلة حيث قد يكون من الصعب تقييم دقة المقارنة (3) . تمتلك غالبية الدول قاعدة بيانات تحتوي على ملفات تعريفية عن عينات الـDNA تسمح من خلالها بالمقارنة مع العينات المرجعية كوسيلة لإثبات موت المفقود مثل (CODIS) وهو نظام فهرس مدمج يحتوي على ملفات تعريف الـDNA التي تساهم بها مختبرات الطب الشرعي الامريكية، بدأ هذا البرنامج كمشروع تجريبي لمكتب التحقيقات الاتحادي بعد أن قام قانون تحديد الـ DNA لعام 1994 بتمويل مختبرات الDNA الاتحادية، والأذن لمكتب التحقيقات الاتحادي بالبدء في تجميع المعلومات الجينية في قاعدة بيانات مركزية (4)، وذلك في المادة (أ) من القسم (12592) ( يجوز لمدير مكتب التحقيقات الاتحادي وضع فهرس لما يلي: (3) تحليل عينات الDNA المستخلصة من رفات بشرية مجهولة الهوية؛ و(4) تحليل عينات الDNA التي ساهم بها طواعية أقرباء الأشخاص المفقودين) (5) ، وتعتمد المملكة المتحدة على (MPDD) وهي قاعدة بيانات الأشخاص المفقودين، والتي تحتفظ بملفات تنميط الDNA، التي تم الحصول عليها من المتعلقات الشخصية للمفقودين أو من أقاربهم المقربين الذين لديهم DNA مماثل، والجثث مجهولة الهوية (6) ، اما في فرنسا ف بناءً على توصية مجلس الاتحاد الأوروبي في عام 1998 للدول الاعضاء بإنشاء ملفات الـDNA، اعتمدت الملف الوطني الآلي للFnae DNA) لتسهيل التعرف على مرتكبي جرائم معينة مثل الجرائم ذات الطابع الجنسي، والقتل، والاتجار بالمخدرات، يستخدم أيضا للبحث عن أسباب وفاة أو اختفاء شخص عندما تكون الظروف مقلقة أو مشبوهة، ولتحديد هوية المتوفى مجهول الهوية(7)، بموجب المادة (706-54) من قانون الإجراءات الجنائية (يحتوي الملف المنصوص عليه في هذه المادة (Fnaeg) أيضًا على البصمات الوراثية التي تم جمعها في بعض الأحيان: 1- إجراءات البحث عن أسباب الوفاة أو البحث عن أسباب الاختفاء؛ -2 البحث لأغراض تحديد الهوية المنصوص عليها في المادة 16-11 من القانون المدني ، عن الأشخاص المتوفين الذين تعذر تحديد هويتهم ، باستثناء الجنود الذين ماتوا أثناء عملية قادتها القوات المسلحة أو التشكيلات ذات الصلة)(8)، وتنص المادة (16-11) من القانون المدني على (لا يمكن التعرف على هوية الشخص من خلال بصماته الوراثية إلا (3) لغرض إثبات هوية المتوفين في حالة عدم معرفة ذلك ) (9) ، ولم نجد ما يشير لوجود هذهِ القاعدة البيانية المعتمدة في العراق.
__________
1- Liverpool, Manchester United, Barcelona and Real Madrid Among 86 Top European Clubs Using Social Media to Find Missing Children,2/3/2021 .
https://www.news18.com/news/football/liverpool-manchester-united-barcelona-and-real- madrid-among-86-top-european-clubs-on-using-social-media-to-find-missing-children-2636607.html
2-Angi M. Christensen; Nicholas V. Passalacqua and Eric J. Bartelink, Op Cit, p.287 382.; Krishan, Kewal, Chatterjee, Preetika M., Kanchan, Tanuj, Kaur, Sandeep, Baryah, Neha, Singh, R.K., A review of sex estimation techniques during examination of skeletal remains in forensic anthropology casework, in Forensic Science International, Vol 261, 2016, p.1:17; M.Steyn, Sexing, Encyclopedia of Forensic Sciences, 2013, p. 34:36; Roberta Hall, Kenneth Beals, Holm Neumann, Georg Neumann, Gwyn Madden, Sex Estimation of the Pelvis, 632021 https://med.libretexts.org/Learning Objects/Laboratories/Book%3A Introduction to Hu man_Osteology/6%3A_Pelvis_and_Dentition/6.5%3A_Sex_Estimation_of_the_Pelvis.
3- MISSING PEOPLE, DNA ANALYSIS AND IDENTIFICATION OF HUMAN REMAINS A guide to best practice in armed conflicts and other situations of armed violence, Second edition, 2009, p9:35.
4- The FBI and DNA, November 23 . 2011. 7/3/2021
https://www.fbi.gov/news/stories/the-fbi-and-dna-part-1 .
5- 34 U.S. Code § 12592 Index to facilitate law enforcement exchange of DNA identification information.
6- J. Verdejo, Forensic Information Database Service (FINDS), FINDS-P-040 - Issue 3, 2020, p.10.
7-Direction de l'information légale et administrative (Premier ministre), Fichier national 832021, automatisé des empreintes génétiques (Fnaeg), 06 mai 2020, https://translate.google.com/?hl=ar&sl=fr&tl=ar&text=V%C3%A9rifi%C3%A9%20le%0A%2006%20mai%202020%20-
%20Direction%20de%201%27information%201%C3%A9gale%20et%20administrative%20(Premier%20ministre)%0A%0A&op=translate
8- Article 706-54, Code de procédure pénale.
9-Article 16-11, Code civil.
الموضوع : اثبات الموت المفترض للمفقود بالوسائل الحديثة
المؤلف : ولاء سعد حسن
المصدر : وسائل الاثبات الحديثة ودورها في مسائل الأحوال الشخصية ، ص 249-254
__________
تتشكل عدة سيناريوهات محتملة في محاولة لصياغة واقعة الفقد والتي ينتج عنها احتمالين، اما الحياة أو الموت، طوعاً أو قسراً، بالنسبة لاحتمال الحياة، قد يكون المفقود اختار الغياب كوسيلة للهرب من دين أو خطر يحدق به، أو فرض عليه لتعرضه لوضع صحي كفقدان للوعي أو الذاكرة، أو لتعرضه لعملية اختطاف، او تعرض لحالة ضياع ليس الا اما بالنسبة لاحتمال الموت، فإما كان مختاراً لموته كإقدامه على الانتحار، تعرض لحادث أو جريمة، أو عرض له الموت بصورة طبيعية ولكن يُجهل مكانه، وفي المتقدم من البحث أوضحنا الأسس المعتمدة في بناء الحكم بموت المفقود ( الحقيقة والافتراض)، تسهم الوسائل الحديثة العلمية والتقنية من خلال استنباطها للأدلة أو التحقيق في الأدلة الثابتة الوجود، اما بتوفير دليل قطعي على حالة المفقود، أو بإضاءة بعض الجوانب لواقعة الفقد وعلى اثر ذلك إما ستنقل أساس الحكم من افتراض الى حقيقة، أو تمنح ميزان الاحتمالات بعض الأدلة المرجحة لاحد الاحتمالات، وفي الآتي سنتناول هذه الوسائل:
اولاً : الوسائل التقنية: تؤدي هذه الوسائل عبر خدماتها ذات الطبيعة المتباينة عدة وظائف تفيد في اثبات حالة الفقد من بينها، (تحديد الموقع)، اذ تعمل خدمة تحديد الموقع التي تقدمها الشبكة الخلوية والانترنيت على تحديد موقع المفقود، أو الموقع الأخير الذي تواصل منه، أو التقطته الشبكات، مما يفيد في تحديد وحصر منطقة البحث والتقصي عنه، والتحقق من مزامنة الوجود في المحل الذي التعرض الى الخطر والذي يتحقق مع وقوعه الهلاك. ايضاً فإنها تفيد في (تبيان الارادة)، فقد يفصح الشخص بمكنونات نفسه الى آخر تجهل العائلة المجتهدة بالبحث عنه معرفته او عبر مذكرة الكترونية يشاركها العامة او الاصدقاء او يحتفظ بها لنفسه، ويكون ذلك اما منشور يشاركه عبر حسابه الخاص في مواقع التواصل الاجتماعي، أو من خلال رسائل او مكالمات او تسجيلات يبعث بها الى اصدقائه، أو مذكرة في هاتفه، قد يشير ذلك الى رغبة في الاقدام على الانتحار، أو الاعراب عن الوجهة القادمة، أو التنويه عن الخطر الذي يحدق به، لذا بات مستلزماً على الشركات المزودة بالخدمات ان منح الجهات القانونية صلاحية الوصول للمحتوى الشخصي للمفقود للقيام بتحليله واستيضاح الارادة. ولا يمكن الاغفال عن قوة وسائل التواصل الاجتماعي بميزتها في تقريب المسافات ووصولها الى جميع انحاء العالم دون الحاجة الى استهلاك الوقت والتكاليف الباهظة، في (تكوين واقعة الفقد عبر سلسلة من التتابعات التي سيدلي بها بعض الاشخاص الذين قد يصدف لهم رؤيته أو سماع بعض الاخبار بشأنه، ومن دون شك تعتمد هذه الاعلانات على قوة وتأثير المصدر المعلن، فنجد مثلاً حملة نادي روما الايطالي والتي يطلق عليها (أطفال مفقودون)، التي تعرض مقاطع فيديو للأطفال المفقودين مع إعلانات انتقالات اللاعبين الخاصة بهم، أدت الى العثور على 7 أطفال فقدوا، وفي ذلك حذت بعض الأندية العالمية حذوهم مثل Manchester United و real madrid و Paris (1) تفيد هذه الوسائل في الحالات التي ينعدم بها الحضور الجسدي، وسيتحصل منها اما دليل قطعي على الحياة أو الموت، أو أدلة ترجح احد هذه الاحتمالات اما بالنسبة لمدى دقتها، فالوسائل دقيقة من حيث تحديدها للموقع، ولكن قد تتأثر لا دقة التحديد نفسها وانما حقيقة ما اذا كان هذا هو الموقع الفعلي للمفقود، فهنالك احتمال يومئ الى عدم مصاحبة المفقود لهاتفه نتيجة ضياع أو سرقة الهاتف، وبالتالي لا يمكن الركون الى هذه الوسيلة بنسبة يقينية تامة. اما الوسائل المعتمدة في تبيان الارادة فتواجه ذات المشكلات التي تعرضنا اليها في اثبات عقد الزواج وانحلاله، لذا فنحيل اليها. ثانياً: الوسائل العلمية: تتجلى وظيفة هذه الوسائل بتعيين الهوية لجثة مجهولة الهوية، وذلك من خلال المقارنة بين المعلومات المستخلصة من الجثة والتي تكون اما بهيئة كاملة أو اعضاء مجزأة أو بقايا متلاشية، ومعلومات المفقود والتي كانت معروفة قبل فقده، ولا تتشكل صعوبة في تعيين الهوية لجثة واضحة القسمات، وانما تتشكل بالنسبة لتلك المتحللة للغاية والممزقة والمشوهة بحيث يتعذر التعرف عليها، اما نتيجة لمضي الزمن والذي يصعب معه المحافظة على الهيئة الجسدية دون تغير، أو لكارثة طبيعية كالفيضانات، أو لكارثة تعزو لفعل انساني مثل تقطيع الجثة؛ وتغيير الملامح نتيجة جراحة تجميلية ليصعب التعرف على هويتها؛ أو الانفجارات. وتنقسم الوسائل في ذلك الى نوعين:
1 - الاختبارات الانثروبولوجية : تعمل هذه الوسائل على تأسيس الهوية من خلال توفيرها لبعض المعطيات الجماعية مثل تحديد السن؛ والجنس والقامة؛ والنسب ؛ والحالات المرضية التي كان يعاني منها الميت، والفردية مثل الشامات والندوب وعلامات الوشم؛ والتشوهات الواضحة على الجسد حتى وان كان في حالة تحلل أو هيكل عظمي، في ضوء هذه المعطيات سيتحدد نطاق المرشحين المحتملين، ثم مقارنتها مع معلومات المفقودين الذين تنطبق معلوماتهم مع هذه المعطيات تظهر نتائج المقارنة عادةً، اما توافقاً وعلى اثره يدرج المفقود كمصدر محتمل للرفات او لا توافق وعليه يُستبعد، أو لا تمنح النتائج اي ترجيح سبق وان تناولنا تحديد السن والنسب، وسنتعرض بإيجاز الى تحديد الجنس، والذي يعد النمط الظاهري للأفراد، و هناك طريقتان منهجيتان للتحديد الشكلية (المورفولوجية ) والمترية، بالنسبة للشكلية المعتمدة على التقييم البصري بوساطة الميكروسكوب للسمات ثنائية الشكل، والمرتكزة على حقيقة التباينات الموروفولوجية بين الاناث والذكور الناشئة من التفاعل بين الجينات والتنوع الهرموني والثقافة والبيئة، ويعد عظم الجمجمة الأكثر موثوقية في ذلك، اذ يتميز الذكور بسمات أكثر متانة وقوة في عظام الجمجمة؛ والوجه؛ والعضلات مقارنة بالاناث، ولكن في بعض الاحيان تتسبب التغيرات المرتبطة بالعمر ببعض الاستنتاجات الخاطئة مثل: قد تكون لدى الاناث بعد انقطاع الطمث بعض السمات الذكورية في الجمجمة، وقد يظهر بعض الذكور ملامح أقل سمكاً وأكثر أنثوية. يليه عظم الحوض الذي تظهر الكثير من الاختلافات، من بينها الزاوية السفلى للعانة التي تصنعها عظام العانة اليمنى واليسرى تكون أكثر اتساعاً لدى الاناث من الذكور، حيث تقترب في الاناث من 120 درجة اما الذكور فتقترب من 90 درجة، وايضاً فان الجانب البطني لمدخل الحوض يكون ذا بهيئة قلب لدى الذكور، وبهيئة بيضوية لدى الاناث. قد لا تتوفر التباينات الموروفولوجية في الرفات التي يُعثر عليها، لذا يُعمد الى الوسائل المترية المرتكزة على الاختلاف الحجمي للعظام الأقل ثنائية للشكل بين الذكور والاناث، تستند هذه الوسائل على حقيقة أن الذكور يميلون إلى أن يكونوا أكثر قوة لأن مستويات هرمون التستوستيرون الطبيعية تنتج كتلة عضلية أكبر، ولكن المعايير التي تم اعتمادها لا يمكن ان تكون موحدة لجميع سكان العالم، اذ يختلف الحجم من مجموعة سكانية لأخرى، مثل يختلف حجم عظام الافراد ذو البشرة السوداء في امريكا عنهم في افريقيا. تعدّ هذه الوسائل غير موثوقة بالنسبة للرضع والاحداث، اذ لا تظهر التباينات بين الذكور والاناث الا بعد البلوغ، لذا فتعد موثوقة بالنسبة للبالغين، الا انها متأثرة بعدة عوامل مثل حجم وشكل العظام المتوفرة، تأثير البيئة طبيعة الكارثة التي تعرض لها فمثلاً تنكمش العظام بنسبة (10-12) في حالة تعرض الرفات للحرق، يجعل التشوه شبه المستحيل تحديد السمات الموروفولوجية (2) . ونوجه بالاعتماد على هذه الوسائل كبداية في انشاء ملف بيولوجي للرفات.
2 - التنميط الوراثي: تبدأ عملية التنميط باستخلاص الـ DNA من الرفات البشرية ؛ والمتعلقات الشخصية للمفقود قبل اختفائه مثل الشعر أو بقع الدم أو من أقاربه البيولوجيين والتي ستعدّ العينات المرجعية، ثم إنشاء ملف تعريف DNA لكل من الرفات والعينات المرجعية بعدها تتم مقارنة خصائص الDNA بوساطة برامج تحديد الهوية التي تقودها قواعد البيانات، وفي ضوء ذلك سيتم اتخاذ قرار بشأن درجة المطابقة التي تتوافق مع العلاقة المطالب بها. يمكن استخلاص الـ DNA من الدم الطري، أو مسحات الخد، أو الأنسجة بسهولة وسر. رعة طالما كانت ظروف التخزين قبل التحليل مناسبة، في الماضي كان من الصعب استخلاص الـ DNA من المواد الهيكلية، ولكن نتيجة للتطور العلمي، صار من الممكن الاستخلاص اذا ما كان الهيكل رطب، وظروف الحفظ مناسبة. وتكون المقارنة أدق اذا ما تم استخلاص الـ DNA من المواد البيولوجية مثل الشعر أو اللعاب الذي تركه المفقود قبل فقده، أو من الأقارب المقربين مثل الآباء والابناء. قد لا يكون اختبار الـ STR ناجحًا دائمًا عند تحليل الرفات البشرية المتدهورة، لذا فيُعمد الى الاختبارات الأخرى التي تتلائم ونوع العينة التي يمكن استخلاصها mtDNA ، للمقارنة ما بين الرفات مع الأم أو جدة الأم ، أو الأخ أو الأخوال، يجب توخي الحذر بشكل خاص في تقييم هذا النوع من الأدلة حيث قد يكون من الصعب تقييم دقة المقارنة (3) . تمتلك غالبية الدول قاعدة بيانات تحتوي على ملفات تعريفية عن عينات الـDNA تسمح من خلالها بالمقارنة مع العينات المرجعية كوسيلة لإثبات موت المفقود مثل (CODIS) وهو نظام فهرس مدمج يحتوي على ملفات تعريف الـDNA التي تساهم بها مختبرات الطب الشرعي الامريكية، بدأ هذا البرنامج كمشروع تجريبي لمكتب التحقيقات الاتحادي بعد أن قام قانون تحديد الـ DNA لعام 1994 بتمويل مختبرات الDNA الاتحادية، والأذن لمكتب التحقيقات الاتحادي بالبدء في تجميع المعلومات الجينية في قاعدة بيانات مركزية (4)، وذلك في المادة (أ) من القسم (12592) ( يجوز لمدير مكتب التحقيقات الاتحادي وضع فهرس لما يلي: (3) تحليل عينات الDNA المستخلصة من رفات بشرية مجهولة الهوية؛ و(4) تحليل عينات الDNA التي ساهم بها طواعية أقرباء الأشخاص المفقودين) (5) ، وتعتمد المملكة المتحدة على (MPDD) وهي قاعدة بيانات الأشخاص المفقودين، والتي تحتفظ بملفات تنميط الDNA، التي تم الحصول عليها من المتعلقات الشخصية للمفقودين أو من أقاربهم المقربين الذين لديهم DNA مماثل، والجثث مجهولة الهوية (6) ، اما في فرنسا ف بناءً على توصية مجلس الاتحاد الأوروبي في عام 1998 للدول الاعضاء بإنشاء ملفات الـDNA، اعتمدت الملف الوطني الآلي للFnae DNA) لتسهيل التعرف على مرتكبي جرائم معينة مثل الجرائم ذات الطابع الجنسي، والقتل، والاتجار بالمخدرات، يستخدم أيضا للبحث عن أسباب وفاة أو اختفاء شخص عندما تكون الظروف مقلقة أو مشبوهة، ولتحديد هوية المتوفى مجهول الهوية(7)، بموجب المادة (706-54) من قانون الإجراءات الجنائية (يحتوي الملف المنصوص عليه في هذه المادة (Fnaeg) أيضًا على البصمات الوراثية التي تم جمعها في بعض الأحيان: 1- إجراءات البحث عن أسباب الوفاة أو البحث عن أسباب الاختفاء؛ -2 البحث لأغراض تحديد الهوية المنصوص عليها في المادة 16-11 من القانون المدني ، عن الأشخاص المتوفين الذين تعذر تحديد هويتهم ، باستثناء الجنود الذين ماتوا أثناء عملية قادتها القوات المسلحة أو التشكيلات ذات الصلة)(8)، وتنص المادة (16-11) من القانون المدني على (لا يمكن التعرف على هوية الشخص من خلال بصماته الوراثية إلا (3) لغرض إثبات هوية المتوفين في حالة عدم معرفة ذلك ) (9) ، ولم نجد ما يشير لوجود هذهِ القاعدة البيانية المعتمدة في العراق.
__________
1- Liverpool, Manchester United, Barcelona and Real Madrid Among 86 Top European Clubs Using Social Media to Find Missing Children,2/3/2021 .
https://www.news18.com/news/football/liverpool-manchester-united-barcelona-and-real- madrid-among-86-top-european-clubs-on-using-social-media-to-find-missing-children-2636607.html
2-Angi M. Christensen; Nicholas V. Passalacqua and Eric J. Bartelink, Op Cit, p.287 382.; Krishan, Kewal, Chatterjee, Preetika M., Kanchan, Tanuj, Kaur, Sandeep, Baryah, Neha, Singh, R.K., A review of sex estimation techniques during examination of skeletal remains in forensic anthropology casework, in Forensic Science International, Vol 261, 2016, p.1:17; M.Steyn, Sexing, Encyclopedia of Forensic Sciences, 2013, p. 34:36; Roberta Hall, Kenneth Beals, Holm Neumann, Georg Neumann, Gwyn Madden, Sex Estimation of the Pelvis, 632021 https://med.libretexts.org/Learning Objects/Laboratories/Book%3A Introduction to Hu man_Osteology/6%3A_Pelvis_and_Dentition/6.5%3A_Sex_Estimation_of_the_Pelvis.
3- MISSING PEOPLE, DNA ANALYSIS AND IDENTIFICATION OF HUMAN REMAINS A guide to best practice in armed conflicts and other situations of armed violence, Second edition, 2009, p9:35.
4- The FBI and DNA, November 23 . 2011. 7/3/2021
https://www.fbi.gov/news/stories/the-fbi-and-dna-part-1 .
5- 34 U.S. Code § 12592 Index to facilitate law enforcement exchange of DNA identification information.
6- J. Verdejo, Forensic Information Database Service (FINDS), FINDS-P-040 - Issue 3, 2020, p.10.
7-Direction de l'information légale et administrative (Premier ministre), Fichier national 832021, automatisé des empreintes génétiques (Fnaeg), 06 mai 2020, https://translate.google.com/?hl=ar&sl=fr&tl=ar&text=V%C3%A9rifi%C3%A9%20le%0A%2006%20mai%202020%20-
%20Direction%20de%201%27information%201%C3%A9gale%20et%20administrative%20(Premier%20ministre)%0A%0A&op=translate
8- Article 706-54, Code de procédure pénale.
9-Article 16-11, Code civil.