إن رأس المال الفكري، يتضمن المعرفة الهادفة المتأتية من العلم والتكنولوجيا، فضلاً عن تلك العناصر المرتبطة بالقيمة المدركة من قبل الإنسان ولغيره، مثل المعرفة التامة بالتسويق الذي يدرك من خلالها المنافع لحاجاته في المجتمع. وهنا يأتي مفهوم المنفعية (Usefulness) كقياس للقيمة تعرّف على أنها المدى الذي يتم من خلاله إدراك رأس المال الفكري من حيث أسلوبه وطريقته في التعامل مع حاجـات النـاس واهتماماتهم. ولعل ما يذكر لأهميته هنا، أن البحث النظري الأساسي، عادة ما يفهم عنه، بأن ليس له قيمة مباشرة ، وإذا ما كانت له قيمة، فقد تمتد لمدة قصيرة، بحكم عدم فهمه إلا من قبل عدد قليل جداً من الأفراد المتخصصين والمهتمين حصراً. وبمعنى آخر أن السوق المستهدف له (Target Market ) يكون محدوداً، لأن العامة في المجتمع لا تتكون لديهم إدراكات واضحة حول المحتوى والقيمة. ولسوء الحظ، أن العامة بحجمهم الكبير يكون لديهم ميول لتجاهل قيمة ما لا يفهمونه. إذن، أن قيمة السوق (Market Value) هي قيمة اجتماعية لكل الناس في إطار حياتهم اليومية، ويمكن أن تخلق هذه القيمة من خلال عملية حلقة التغذية العكسية، التي تفترض بمبدعي المعرفة أن يتفاعلوا مع العامة بشكل مباشر وغيـر مباشر، بوساطة الاتصال والمشاركة في عملية التفاهم للقيمة المستقبلية، وما يجب ابتكاره لهم. وعليه أن وضع العلامة على السلع التي تقدم للزبائن هي خير مثال لرأس المال الفكري، وأن قوة هذا المدخل يشير بدقة إلى قيام الشركات الكبرى لصرف الملايين من الدولارات كشركات منتجات السلع الاستهلاكية مثل كوكا كولا، التي تستثمر كل سنة مثل هكذا مبالغ هائلة للتأثير بأفكار الرأي العام ومشاركتة والأخذ بخياراته. وهذا ما يجعل أن هنالك الملايين من الناس الذين لا يمكنهم العيش بدون شرائهم اليومي لهذا المشروب الغازي. إذن، هنا بالفعل يكمن مضمون رأس المال البشري المميز وقيمته اللامحدودة في تعزيز المقدرة الجوهرية لمنظمة الأعمال.
الخلاصة
إن ما تم طرحه في الفصل، يبقى إطار نظرياً قد أتصف بعض الشيء بالسطحية والعمومية، ومع ذلك، فإن نظرية رأس المال البشري ذات أسس منهجية تطبيقية متينة. ونرى من جانبنا، أنه بالإمكان تكييف الجهود البحثية التي قدمت لتشكيل وبناء قاعدة رصينة لإعداد طريقة مفاهيمية عملية لتقييم طاقات الأفراد المحتملة ووضعها لتكون متكاملة في إطار فكرة رأس المال الفكري.
ولقد تم التوضيح أن النظرية الاقتصادية تمتلك مناقشات نظرية ومطارحات فكرية حول مسوغات جعل تلك الفكرة أساساً لخلق القيمة، من خلال تطوير مقاييس تشغيلية موضوعية، تضم الأبعاد التي تم مناقشتها في الدراسة. ومن هنا، نحن نطالب الباحثين للقيام بمحاولات جادة في إطار البحث الأساسي والتطبيقي لتقييم العلاقة بين رأس المال البشري وأداء منظمات الأعمال، واختبار التأثيرات المتداخلة لمكوناته في ضوء الحالة الخاصة له المتمثلة برأس المال الفكري. فالمتخصصون بالموارد البشرية معنيون اليوم أن يعملوا بكل جدية، وبنظرة إستراتيجية لربط إدارة رأس المال البشري العام والخاص بأهداف ورسالتها. وبالطبع، أن تلك المهمة تعد معقدة، إذ ما تزال تواجه تحديات بسبب الصعوبات في جمع واستعمال وتحليل تلك الكميات الحيوية للبيانات الضرورية في هذا المجال الذي يتصف باللاملموسية وصعوبة الرؤية لرأس المال البشري على المدى البعيد. وهذا معهد (SAS) الأمريكي لإدارة رأس المال البشري، قد تحمل مسؤولية كبيرة في تقييم نتائج قياسه من قبل متخصصين كبار على رأسهم مؤسسه و العام السيد Jac Fitz-enz من خلال قيامهم بالتحليلات المقارنات المرجعية، دراسات الاتجاه والميول، والتنبؤات، والنمذجة. ويمتلك هذا المعهد في الوقت الحاضر أكثر من (250) مقياس للمقارنات المرجعية، التي تعد المصدر الأساسي لدراسة الأداء البشري من الناحية الكمية وتوفير بيانات التقييم المهمة له. وجرت محاولات عديدة في هذا المجال، وأبرزها إجادة تلك التي قام بها Paul Squires) (رئيس مركز (AS & K) الأمريكي، والتي برز منها أهمية إدارة المهارات والمعرفة، بوصفها هي رأس المال البشري حسب وجهة نظره بالكفاءة الجوهرية للمنظمة، وأكد كذلك على أنه يجب أن يلعب المدير التنفيذي الأعلى دوراً حاسماً في التأكد من أنه يدير مهارات العاملين ومعارفهم على نحو صحيح، ويدرك المديرين الذين معهم أن القيمة الحقيقية لرأس مالهم البشري وإدارته تتم بدقة عالية، وتجنب الفجوات التي تحدث في تلك المهارات والمعرفة التي تعد هي الحاسمة للنجاح والتفوق التنظيمي.
إن المعرفة التقنية والعلمية، قد يستفاد منها ذلك المجتمع الذي أبتكرها، وأولئك الذين يتفهمونها ويدركون قيمتها ويمكنهم استخدامها في المجال الذي يرونه مناسباً لها والمضي قدماً في هذا التوجه لأجل الفائدة العامة، فالمعرفة ينبغي أن تصبح رأس مال فكري، بحيث يمكن أن تفيد المستثمرين لتوسيع تطبيقاتها لتتصل بقطاع أوسع من المجتمع، وعلى مستوى يشمل تقديم سلع وخدمات مبتكرة على الدوام. ولأجل توجيه وإدارة هذه العملية بنجاح، فإن المدخل الفعال هو استخدام فرق الموارد البشرية المتخصصة( Special Human Resources Team) التي تتناول الأخذ بوجهات النظر المتعددة لتقييم الاحتياجات العامة للمجتمع وتوقعاته، بالاستفادة من مساهمات المشاركة الفاعلة ، لكل من المعنيين في أدناه:
1- الأفراد العاملين في العلاقات العامة (Public Relation Employees) وخصوصاً أولئك الذين يتعاملوا مع قضايا منظماتهم بكل جدوى ومصداقية ووضوح.
2 - ناقلوا الابتكار Creative Translators الذين يمكنهم ترجمة الإبداع وتحويله إلى المواقع والبيئات المختلفة ذات الصلة بالموضوع المبتكر من قبل رأس المال الفكري.
3- رجال الأعمال (Business People) الذين يكون بمقدورهم توفير الأموال وإتاحتها بالكم المطلوب لأؤلئك العاملين/ الزبائن الذين يتشجعون بدورهم لتحقيق فائدة عامة للمجتمع، ويلتزموا بأن الاستثمار هو قيمة مضافة (Added Value )للاقتصاد.
4- الخبراء القانونيين (Legal Experts) الذين يدافعون عن قيم إبداع رأس المال البشري في منظماتهم، والمحافظة على الملكيات الفكرية وبراءات الاختراع وحقوق التأليف.
5- الهيئات الحكومية التي قد تنظم أو تروج أو تشجع لأنواع معينة من الإبداعات.
وأخيراً وليس آخراً، أن التفهم والاتصال الناجحين لمفهوم الأعمال التي تشكل اللغة المشتركة، لتوحيد جميع وجهات النظر سابقة الذكر في الدراسة الدراسة، سيكون لها صدى واسع في وضع حجر الأساس لمدخل الفلسفة الإنسانية (*) (Humanistic Approach) لبناء منظمات بإطار قيمي طويل الأمد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) وهي فلسفة تركز على قيمة الإنسان وقدرته في تحقيق كل شيء لصالح الخير العام والإصلاح في العقل والذي تمثل في هذا الفصل برأس المال البشري عموماً والحالة الخاصة لرأس المال الفكري.