الفصل الثالث عشر
إدارة رأس المال الفكري وتحديات الأعمال المعاصرة
من المتوقع بعد قراءة هذا الفصل والإطلاع على مضامينه الفكرية وتحليلاته النظرية والإجرائية أن تكون قادراً على أن:
ـ تحدد علاقة رأس المال الفكري وإدارته بالتفكير الإستراتيجي.
ـ تشخص دور إدارة المعرفة في تطوير رأس المال الفكري.
ـ توضح علاقة إدارة الجودة الشاملة برأس المال الفكري وإدارته.
ـ تبين علاقة إعادة هندسة الأعمال برأس المال الفكري وإدارته.
ـ تحدد تأثير ظاهرة العولمة في الأعمال على رأس المال الفكري وإدارته.
تمهيد:
ليس بخافٍ أن بيئة الأعمال التنافسية، ونتيجة لحركيتها الدائمة واضطرابها المستمر وتجددها المتنامي. فرضت تحديات معاصرة ألزمت بموجبها منظمات الأعمال بضرورة استيعابها ومسايرتها وتجسيدها واقعياً على أرض الواقع، والأكثر من ذلك أن هذه التحديات نشرت تأثيرها بشكل فاعل على متغيرات تنظيمية وسلوكية في غاية الحراجة لعل أبرزها وفي مقدمتها رأس المال الفكري. لذلك حتمت الضرورة الأكاديمية والمنهجية دراسة هذه التحديات المعاصرة في محاولة لتعرّف علاقتها وتأثيراتها مع وعلى رأس المال الفكري وبالتالي استثار المحصلة الإيجابية لتلك العلاقات لتفعيل الأداء وزيادة العائد وترسيخ البقاء لمنظمات الأعمال.
ومعطيات الفصل الحالي وتحليلاته هو المحاولة المقصودة في هذا الاتجاه. إذ سيناقش الفقرات الآتية:
أولاً: علاقة رأس المال الفكري بالتفكير الإستراتيجي:
1 - مفهوم التفكير الإستراتيجي:
التفكير الإستراتيجي موضوع يتسم بالحداثة على مستوى التأطير والتصنيف ويعد من الموضوعات البكر والتي مازال سبر الغور فيها يتراوح بين الندرة والمحدودية مما جعل الكثير من مفاهيمه وأبعاده لم تحسم على مستوى الفكر والتنظير.
ويشير (الخفاجي، 1998، 110، 106) بهذا الصدد إلى أن (التفكير الإستراتيجي محطة فكرية تحتاج إلى التأمل والحوار بين الباحثين بسبب ندرة، بل غياب البحوث والدراسات الميدانية وفق دلائل تؤشرها أدبيات علم الإستراتيجية في ميدان الأعمال)، ويعتقد أن السبب وراء ندرة وربما غياب الدراسات في مجال التفكير الإستراتيجي يعود إلى جملة من الإفتراضات التي يمكن تلخيصها بالآتي:
أ- هيمنة مفهوم التخطيط الإستراتيجي والذي كان يعد بديلاً عن التفكير الإستراتيجي، بل أن البعض كان لا يرى أي إختلاف بينهما كما يقول .(Mintzberg, 1994: 107, 114)
ب- الإعتقاد السائد بأن التفكير الإستراتيجي نادراً ما يستخدم، ولا يلجأ إليه سوى عند قليل جداً من الأفراد في مستوى الإدارة العليا. (جارات، .(21:1998
ج- إعتبار عملية الإستراتيجية عملية ميكانيكية مرتبة الخطوات ومن ثم فإن النتائج النهائية تتحقق بأسلوب ميكانيكي متتابع لا يحتاج إلى نمط إبداعي وإبتكاري (12: 1982 ,Ohmae) و(غراب، 19: 1995).
إن الإفتراضات السابقة بقيت سائدة من بداية الأربعينات والذي شهد ولادة التفكير الإستراتيجي (الخفاجي، 1998: 108)، (الزيدي، 2000: 52) إلى نهاية السبعينات، إلا أن بداية الثمانينات صعوداً شهدت وتحولاً كبيراً وجذرياً في النظرة إلى التفكير الإستراتيجي مفهوماً ومضموناً وفكراً وممارسة وترافق هذا التحول مع كتابات (1982) Mason, ) ،(Ohmae 1986)، (1994 ,Liedtok, 1998) ،(Mintzberg) وغيرهم. وكان نتيجة هذه الكتابات دحض الإفتراضات آنفة الذكر بوقائع ودلالات علمية وعلى النحو الآتي:
أ- التفكير الإستراتيجي: هو غير التخطيط الإستراتيجي فألاول هو عملية تركيب معطيات الشخصية للمدير وخبرة الآخرين والبيانات المتحصل عليها من البحوث، لتكوين الرؤية للإتجاه الذي يجب أن يتبع العمل بموجبه بينما الثاني هو عملية تحليل للبيانات والمعلومات ومعالجة الأرقام (1994:107 ,Mintzberg).
وإزاء ذلك ينبغي على المنظمات التمييز التام بين التخطيط الإستراتيجي والتفكير الإستراتيجي، بالشكل الذي يؤدي إلى تحديد مساهمات المخططين وأدوارهم وأنواعهم (الركابي، 72: 1998).
ب- التفكير الإستراتيجي: ضرورة ملحة ويجب أن يستخدم على الدوام، وبخاصة من قبل (مديري القمة) للمنظمة، لأن بقاء (Survival) مرهونة بمعطيات التفكير الصحيح الذي يقود إلى صناعة إستراتيجية ناجحة (1983:21 .(Ivancevich, et. Al, 1991: 184)
وإنطلاقاً من ذلك سارعت بعض الدول والمنظمات لتأسيس مراكز متخصصة في التفكير الإستراتيجي، فعلى سبيل المثال توجد في الولايات المتحدة أكثر من (200) مؤسسة يطلق عليها إسم (صهاريج الفكر Thinking Tanks) وهذه المؤسسات التي تضم نخبة من ذوي التخصصات العلمية تعنى بجميع القضايا تقريباً، إذ يطلب من هذه المؤسسات أن تقوم بدراسة المشكلات التي تتعرض لها الحياة الأمريكية في مختلف المجالات وتقديم الحلول المناسبة لها (الجحني، .(218:1996
ج- العملية الإستراتيجية؛ عملية ليست آلية مرتبة الخطوات وإنما تقوم على القدرة على مواجهة المشكلات بشكل إبتكاري، وذلك فإن منطق التفكير البديهي والتفكير الميكانيكي لا ينسجم مع متطلبات العملية الإستراتيجية، وعليه بات تبني منهج ملائم يعزز القدرة على بلوغ غايات العملية الإستراتيجية وتحقيق أهدافها أمراً في غاية الأهمية ويعد التفكير الإستراتيجي هو المنهج الملائم لذلك لأنه يتعامل مع المشكلات بشكل إبتكاري إبداعي مع استخدام عالي للخيال (غراب، .(19:1995
وفي ضوء الوقائع والدلالات والمسوغات آنفة الذكر أوضحت الحاجة إلى التأمل والحوار والنقاش والبحث في هذا الموضوع ماسة جداً لتحديد مفاهيمه وأهميته وأهدافه ورسم أبعاده وفك الاشتباك الحاصل بينه وبين الكثير من المرادفات. وفي هذا الصدد نتفق مع وجهة نظر (يونس، 1999: 39)، إذ يرى " أن مصطلح التفكير الإستراتيجي مدعاة للتأصيل في إطار خصائصه وعناصره وموضع إستخدامه ليتميز عن غيره من المصطلحات المتداولة في ميدان الإدارة الإستراتيجية".
عليه سنعرض أهم التعاريف للتفكير الإستراتيجي ونحاورها تمهيداً للخروج بتعريف يخدم المؤلف الحالي وتوجهاته الفكرية.
إذ يرى(13-12 1982 Ohmae) "أنه عملية تفهم الطبيعة الخاصة لكل عنصر من عناصر الموقف ثم إستخدام القدرة الإبتكارية والخيال الواسع لإعادة تركيب العناصر بشكل يحقق أفضل فائدة ممكنة".
وينظر إليه (114-107 : 1994: Mintzberg) بأنه "عملية تركيبية ناجمة عن حسن توظيف الحدس والإبداع والخبرات الشخصية لكل من المدير والعاملين في المنظمة في التعامل مع البيانات المتاحة لتحديد الرؤى وصياغة الاتجاه الذي يجب أن يتبع العمل بموجبه وتحقيق المنظور المتكامل للمنظمة".
ويعطيه 1997:184 ,Ivancevich et al صورة: "أنموذج للتفكير يسعى إلى تحقيق التكامل بين أهداف المنظمة وسياستها من خلال إجراء التطويرات في طرق العمل وتحديد المصادر الضرورية من أجل تحقيق الأهداف".
ويصنفه (2121: 1998 ,Liedtka ) "بأنه البناء الإستراتيجي البارع لهيكل الإستراتيجية المطلوبة من خلال الإستفادة من معطيات الحاضر في رسم صورة المستقبل معتمداً على الإبداع والإبتكار وربما التغيير الجذري للوضع التنافسي للمنظمة".
أما (جارات وآخرون، 1998: 23) فيعتبرونه " أسلوباً يتمكن من خلاله المسؤولون من توجيه المنظمة والانتقال بها من مجرد العمليات الإدارية اليومية ومواجهة الأزمات وصولاً إلى رؤية مختلفة للعوامل الديناميكية الداخلية والخارجية القادرة على تحقيق التغيير في البيئة المحيطة بما يحقق في النهاية توجيهاً فعالاً بصورة أفضل لمنظماتهم بحيث يكون المنظور الجديد متوجهاً أساساً إلى المستقبل مع عدم إهمال الماضي".
ويشبه (164, 2000 Macmillan & Tempo) بـ «مجموعة الخطط التي تؤمن المستقبل لمشروع معين عن طريق صياغة الإستراتيجية الناجحة التي تؤكد إنتهاز الفرص».
وبعد هذا العرض للمفاهيم والتعاريف الواردة بصدد التفكير الإستراتيجي، وتأسيساً عليها يمكن أن نعرف التفكير الإستراتيجي بأنه:
نمط من أنماط التفكير العام، يتضمن مجموعة من القدرات (الإستشراقية الحدسية، الإبتكارية، الإبداعية النقدية التي تمكن من يتصف بها من التجوال في محطات الإدارة الإستراتيجية بمرونة عالية وتركيب المعطيات الملائمة لمستقبلها، من خلال إجراء مناظرات معنوية للمثيرات البيئية بإستخدام البوستر والسيناريوهات والنوافذ الإستراتيجية والمواقف الإختبارية والتنبؤية للوصول إلى أفكار جديدة، تتجسد بشكل سلوك وتضمن البقاء للمنظمة.
