( ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ )[1] .
روى السيوطي باسناده عن أبي الديلم ، قال : " لما جئ بعلي بن الحسين رضي الله عنه أسيراً ، فأقيم على درج دمشق قام رجل من أهل الشام ، فقال : الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم ، فقال له علي بن الحسين رضي الله عنه : أقرأت القرآن ؟ قال : نعم ، قال : أقرأت آل حم ؟ قال : نعم ، قال : أما قرأت ( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال : فإنّكم لأنتم هم ؟ قال نعم "[2].
روى الحضرمي بسنده عن سيّدنا علي : " لا يحفظ مودّتنا إلاّ كل مؤمن . . . قال الحافظ جمال الدين الزرندي عقب حديث ( من كنت مولاه فعلي مولاه ) : قال الإمام الواحدي : هذه الولاية التي أثبتها النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم مسؤول عنها يوم القيامة أي عن ولاية علي وأهل البيت ، لان الله تعالى أمر نبيّه إن يعرف الخلق إنه لم يسألهم عن تبليغ الرسالة أجراً إلاّ المودّة في القربى ، والمعنى أنّهم يسألون هل والوهم حقّ الموالاة كما أوصاهم النّبي ، أم أضاعوها وأهملوها . فتكون عليهم المطالبة والتبعة "[3].
وروى بسنده عن ابن عباس : " لما نزلت : ( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ) الآية . قال قوم في تقوّلهم ما يزيد إلاّ يحثّنا على أقاربه من بعده ، فأخبر جبريل عليه السّلام النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إنّهم اتّهموه ، فأنزل الله تعالى : ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ) الآية ، فقال القوم : يا رسول الله ، نشهد إنك صادق . فنزل ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ . . . )[4].
قال الخوارزمي : " لما نزلت هذه الآية ( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) ، فقال ناس من المنافقين . هل رأيتم أعجب من هذا يسفه أحلامنا ويشتم آلهتنا ويروم قتلنا ويطمع إن نحبه أو نحبّ قرباه فنزل ( قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْر فَهُوَ لَكُمْ )[5] أي ليس لي في ذلك أجر ، لأن منفعة المودّة تعود إليكم وهو ثواب الله تعالى ومرضاته "[6].
روى ابن حجر باسناده عن ابن عباس " إنّ هذه الآية لما نزلت ، قالوا : يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم ؟ قال : علي وفاطمة وابناهما . . . قال : " وللشيخ الجليل شمس الدين ابن العربي رحمه الله :
رأيت ولائي آل طه فريضة * على رغم أهل البعد يورثني القربى
فما طلب المبعوث أجراً على الهدى * بتبليغه إلاّ المودّة في القربى "[7]
قال القندوزي : " وفي المناقب بسنده عن جابر الجعفي عن الباقر عليه السّلام في قوله عزّوجل ( وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً ) قال : من تولى الأوصياء من آل محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم واتبّع آثارهم فذاك يزيده ولاية من مضى من النبيين والمؤمنين الأولين حتى تصل ولايتهم إلى آدم عليه السّلام وهو قوله عزّوجل ( مَن جَاء بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا ) وهو دخول الجنة وهو قول الله عزّوجل : ( قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْر فَهُوَ لَكُمْ ) يقول : أجر المودة التي لم أسألكم غيرها فهو لكم تهتدون بها ، وتسعدون بها وتنجون من عذاب يوم القيامة "[8] .
وروى باسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : اقتراف الحسنة المودّة لآل محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم[9].
روى الكنجي باسناده عن جابر بن عبد الله ، قال : " جاء أعرابي إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال : يا محمّد : أعرض علي الاسلام ، فقال : تشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له وإنّ محمّداً عبده ورسوله ، قال : تسألني عليه أجراً ؟ قال لا ( إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قال : قرابتي أو قرابتك ؟ قال : قرابتي ، قال : هات أبايعك ، فعلى من لا يحبّك ولا يحب قرابتك لعنة الله "[10].
روى الهيثمي باسناده عن ابن عباس ، قال : " ولما نزلت ( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قالوا : يا رسول الله ومن قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم ؟ قال : علي وفاطمة وابناهما "[11].
وروى الحسكاني باسناده عن ابن عباس قال : قالت الأنصار فيما بينهم : لو جمعنا لرسول الله مالا يبسط فيه يده ولا يحول بينه وبين أحد فقالوا : يا رسول الله أنا أردنا إن نجمع لك من أموالنا شيئاً يبسط فيه يدك لا يحول بينك وبينه أحد . فأنزل الله ( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى )[12].
قال السيد شهاب الدين أحمد : " روى إنه صلّى الله عليه وآله وبارك وسلّم ، قال : إن الله جعل أجري عليكم المودة في أهل بيتي . وإني أسألكم غداً عنهم "[13].
روى الحاكم الحسكاني باسناده عن علي قال : فينا في ( آل حم ) آية إنه لا يحفظ مودتنا إلا كل مؤمن ، ثم قرأ : ( لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى )[14].
روى أحمد باسناده عن سعيد بن جبير عن عامر قال : لما نزلت ( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قالوا يا رسول الله : من قرابتنا هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم قال : علي وفاطمة وابناهما عليهم السّلام[15].
روى الحاكم الحسكاني باسناده عن السدي في قوله تعالى : ( وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً ) قال : " المودة لآل محمّد "[16].
روى الزرندي باسناده عن ابن عباس ، قال : " المودة لآل محمّد "[17].
قال العلامة الحلي : " روى الجمهور في الصحيحين ، وأحمد بن حنبل في مسنده ، والثعلبي في تفسيره عن ابن عباس قال : لما نزل ( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ) قالوا : يا رسول الله من قرابتك الذين وجبت علينا مودّتهم ؟ قال صلّى الله عليه وآله : علي وفاطمة وأبناؤهما عليهم السّلام ، ووجوب المودّة يستلزم وجوب الطاعة "[18].
وقال في ( منهاج الكرامة ) : " وغير علي عليه السّلام من الصحابة الثلاثة لا تجب مودته فيكون علي أفضل فيكون هو الإمام ، ولانّ مخالفته تنافي المودة وامتثال أوامره يكون مودة ، فيكون واجب الطاعة ، وهو معنى الإمام "[19].
قال ابن البطريق : فقد ثبت مودّتهم عليهم السّلام إذ هي بأمر الله تعالى ولكونها أجر التبليغ ، وإذا أمر الله تعالى رسوله صلّى الله عليه وآله إن يطلب من الأمة عوض بذله لنفسه ومهجته أجر السفارة بينه تعالى وبين أمته المودّة في أولي القربى وفسّر أولى القربى من هم بقوله : علي وفاطمة والحسن والحسين ، فوجبت مودّتهم كوجوب مودة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وقامت مقام مودة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وإذا وجبت كوجوب مودّته وجب لهم من فرض الطاعة ما يجب له صلّى الله عليه وآله وجب الاقتداء بهم ، ولم يجب ذلك لهم إلاَّ من حيث كانت النفس واحدة بدليل قوله تعالى : ( فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ )[20] ونفسه علي صلى الله عليهما وآلهما ونساؤه فاطمة وابناه الحسن والحسين صلى الله عليهما ، وسيجئ فيما بعد ذكر ذلك بطرقه إن شاء الله تعالى .
ويدلّ أيضاً على وجوب الطاعة لهم قوله تعالى : ( مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ ) وإذا كانت مودّتهم كمودّة رسول الله صلّى الله عليه وآله وجب إن يكون طاعتهم كطاعة الرسول صلّى الله عليه وآله ، صارت كطاعة الله تعالى لموضع قوله تعالى : ( مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ )[21] وهذا أدّل دليل على وجوب الاقتداء بهم عليهم السلام ومعنى ( إلاّ ) في هذه الآية بمعنى غير ، ومعناها التفخيم لأمرهم ، والتعظيم لهم ، وذلك مثل قول الشاعر :
ولا عيب فيهم غير إنّ سيوفهم * بهنّ فلول من مراع الكتائب
أراد بغير ، المبالغة في المدح ، واليه ذهب عمرو بن بحر الجاحظ في كتابه الذي صنّفه للمأمون في إمامة أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السّلام :
إذا أوجب الرحمن في الوحي ودّهم * فأين عن الوحي العزيز ذهاب
وأين عن الذكر العزيز مذاهب * وأين إلى غير الإله إياب[22]
أقول : ذكر كثير من الحفّاظ نزول الآية في آل محمّد عليهم السّلام ، منهم الطبري في ذخائر العقبى ص 25 والزمخشري في الكشاف ، وابن طلحة في مطالب السؤل ، والهيثمي في مجمع الزوائد ج 9 ص 168 ، وابن حجر في الصواعق ص 101 و 135 والشبلنجي في نور الابصار ص 112 والبدخشي في مفتاح النجاء ص 9 ، وغيرهم .
( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ )[23].
روى الحاكم الحسكاني باسناده عن ابن عباس " إن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قدم المدينة وليس بيده شئ ، وكانت تنوبه نوائب وحقوق ، فكان يتكلفها وليس بيده سعة ، فقالت الأنصار فيما بينها : هذا رجل قد هداكم الله على يديه وهو ابن أختكم تنوبه نوائب وحقوق وليس في يده سعة ، فاجمعوا له طائفة من أموالكم ، ثم آتوه بها يستعين بها على ما ينوبه ، ففعلوا ثم آتوه بها فنزل : ( قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ) يعني على الإيمان والقرآن ثمناً . يقول : رزقاً ولا جعلا إلا أن توادوا قرابتي من بعدي ، فوقع في قلوب القوم شئ منها ، فقالوا : استغنى عما في أيدينا أراد أن يحثنا على ذوي قرابته من بعده . ثم خرجوا فنزل جبرئيل فأخبره إن القوم قد اتهموك فيما قلت لهم ، فأرسل إليهم فأتوه فقال لهم : أنشدكم بالله وما هداكم لدينه ، أتتهمونني فيما حدثتكم به على ذوي قرابتي ؟ قالوا : لا يا رسول الله إنك عندنا صادق بار ، ونزل ( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً ) الآية ، فقام القوم كلهم فقالوا : يا رسول الله فإنا نشهد إنك صادق ولكن وقع ذلك في قلوبنا وتكلمّنا به وإنا نستغفر الله ونتوب إليه فنزل : ( وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ )[24].
[2] الدر المنثور ج 6 ص 7 . ورواه البدخشي في مفتاح النجاء ص 9 .
[3] وسيلة المآل ص 124 مخطوط .
[6] المناقب الفصل السابع عشر ص 194 .
[7] الصواعق المحرقة ص 101 .
[8] ينابيع المودّة الباب الخامس والعشرون ص 98 .
[9] المصدر الباب التاسع والثلاثون ص 118 . ورواه البدخشي في مفتاح النجاء ص 10 - 20 .
[11] الصواعق المحرقة ص 101 ، ورواه الطبري في ذخائر العقبى ص 25 ، والزمخشري في - الكشّاف ج 3 ص 467 ، والكنجي في كفاية الطالب ص 91 ، والحسكاني في شواهد التنزيل ج 2 ص 130 و 133 و 135 رقم 822 و 824 و 828 ابن كثير في تفسير القرآن العظيم ج 4 ص 112 . وابن المغازلي في مناقب أمير المؤمنين ص 307 حديث / 352 ، والسمهودي في جواهر العقدين العقد الثاني الذكر التاسع ص 120 .
[12] شواهد التنزيل ج 2 ص 135 رقم / 829 ورواه السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 7 مع زيادة .
[13] توضيح الدلائل في تصحيح الفضائل ص 328 مخطوط .
[14] شواهد التنزيل ج 2 ص 142 رقم / 838 ، ورواه السمهودي في جواهر العقدين العقد الثاني الذكر التاسع ص 120 .
[15] الفضائل ج 1 حديث / 251 مخطوط ، ورواه السيوطي في الدر المنثور ج 6 ص 8 .
[16] شواهد التنزيل ج 2 ص 147 رقم / 845 ، ورواه الحضرمي عن ابن عباس في وسيلة المآل ص 126 مخطوط .
[17] نظم درر السمطين ص 86 .
[18] كشف الحق ونهج الصدق البحث الرابع الآية الرابعة ص 89 .
[19] البرهان السابع ص 86 مخطوط .
[20] سورة آل عمران : 61 .
[22] خصائص الوحي المبين ص 56 .
[23] سورة الشورى : 24 - 25 .
[24] شواهد التنزيل ج 2 ص 138 رقم / 835 .