أخرج العيّاشيّ عن المُفَضّل بن صالح، عن بعض أصحابه، عن أحدهما [الإمام الباقر أو الإمام الصادق عليهما السلام] قال: إنّه لمّا نزلت هذه الآية: {إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ}[1] شقّ ذلك على النبيّ صلّى الله عليه وآله، وخشي أن تكذّبه قريش، فأنزل الله هذه الآية: {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ}. فقام بذلك يوم غدير خمّ.[2]
وروى العيّاشيّ أيضاً عن صفوان الجمّال قال: قال أبو عبد الله (الصادق) عليه السلام: لمّا نزلت هذه الآية بالولاية، أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله بالدَّوْحَات دوحات غدير خمّ فقمّت (الدوحات جمع دَوْحَه، وهي الشجرة الكبيرة التي تظلّل بسبب كثرة أغصانها؛ والمراد السمرات الخمس) ثمّ، نودي: الصَّلَاةَ جَامِعَةَ، ثمّ قال: "أيُّهَا النَّاسُ أ لَسْتُ أوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ؟ "قالوا: بلى! قال: فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ؛ رَبِّ وَالِ مَنْ وَالاهُ! وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ! ثمّ أمر الناس ببيعة أمير المؤمنين عليه السلام وبايعه الناس كلّهم، لا يجيء أحد إلّا بايعه؛ لا يتكلّم حتّى جاء أبو بكر، فقال النبيّ: يا أبا بكر بايع عليّاً بالولاية! فقال [أبو بكر]: مِنَ اللهِ او مِنْ رَسُولِهِ؟! فقال [النبيّ]: مِنَ اللهِ وَمِنْ رَسُولِهِ.
ثمّ جاء عمر؛ فقال [له النبيّ]: بايع عليّاً بالولاية! فقال [عمر]: مِنَ اللهِ او مِنْ رَسُولِهِ؟! فقال [النبيّ]: مِنَ اللهِ وَمِنْ رَسُولِهِ.
ثمّ ثنى [عمر] عطفيه والتقيا، فقال لأبي بكر: تَشَدَّ مَا يَرْفَعُ بِضَبْعَي ابْنِ عَمِّهِ.
ويعرض الإمام الصادق عليه السلام هنا قضيّة لقاء عمر بذلك الرجل الحسن الطيّب الريح.
ثمّ قال: لقد حضر الغدير اثنا عشر ألف رجل يشهدون لعليّ بن أبي طالب عليه السلام [بالولاية]؛ فما قدر عليّ على أخذ حقّه. وإنّ أحدكم يكون له المال وله شاهدان فيأخذ حقّه. {فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ}.[3] في عليّ عليه السلام.[4]
وروى العيّاشيّ أيضاً عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، وجابر بن عبد الله، قالا: أمر الله تعالى نبيّه أن ينصب عليّاً عَلَماً للناس، ليخبرهم بولايته. فتخوّف رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يقولوا: حامي ابن عمّه، وأن يطغوا في ذلك عليه. فأوحى الله إليه: {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}؛ فقام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بولايته يوم غدير خمّ.[5]
وأخرج العيّاشيّ أيضاً عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لمّا نزل جبرئيل على رسول الله صلّى الله عليه وآله في حجّة الوداع بإعلان أمر عليّ بن أبي طالب بقوله تعالى:{يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ}، مكث النبيّ ثلاثة أيّام حتّى أتى الجحفة؛ فلم يأخذ بِيَدِ عليّ فَرقاً من الناس.
فلمّا نزل الجحفة يوم الغدير في مكان يقال له: مَهْيَعَة، ونادى: الصَّلاةَ جَامِعَةً، فاجتمع الناس؛ فقال رسول الله: مَنْ أولَى بِكُمْ مِنْ أنْفُسِكُم؟! فجهروا وقالوا: اللهُ وَرَسُولُهُ.
ثمّ قال لهم الثانية؛ فقالوا: اللهُ وَرَسُولُهُ. ثمّ قال لهم الثالثة، فقالوا: اللهُ وَرَسُولُهُ.
فأخذ [النبيّ] بِيَدِ عليّ عليه السلام، فقال: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ، اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ، وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ، فَإنَّهُ مِنِّي وَأنَا مِنْهُ، وَهُوَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلّا أنهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي.[6]
وجاء عن العيّاشيّ أيضاً، عن عُمَر بن يزيد قال أبو عبد الله (الصادق) عليه السلام ابتداءً منه: العَجَب يا أبا حَفص، لما لقى عليّ بن أبي طالب إنّه كان له عشرة آلاف شاهد، ولم يقدر على أخذ حقّة؛ والرجل يأخذ حقّه بشاهدين.
إنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله خرج من المدينة حاجّاً؛ وتبعه خمسة آلاف؛ ورجع من مكّة، وقد شيّعه خمسة آلاف من أهل مكّة؛ فلمّا انتهى إلى الجحفة، نزل جبرئيل بولاية عليّ- وقد كانت نزلت ولايته بمنى؛ وامتنع رسول الله صلّى الله عليه وآله من القيام بها لمكان الناس- فقال [جبرئيل وحياً من الله]: {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}.
[والله يعصمك من الناس] ممّا كرهت بمنى. فأمر رسول الله فقمّت السَّمُرات. فقال رجل من الناس: أما والله ليأتينّكم بداهية [و أمر منكر].
فقلتُ لعُمَر [بن يزيد راوي هذه الرواية]: مَنِ الرجل؟ قال: الحَبَيّش.[7]
وجاء في «غاية المرام»: الَحَبَشيّ يَعْنِي عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ.[8]
ويقول في «بحار الأنوار» في ذيل هذه الرواية: الَحَبَشيّ هُوَ عُمَرُ لِانْتِسَابِهِ إلَى الصَّهَّاكَةِ الحَبَشِيَّةِ.[9]
وروى العيّاشيّ أيضاً عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه السلام قال: لمّا أنزل الله على نبيّه: {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}؛ فأخذ رسول الله بِيَدِ عليّ؛ فقال: أيّها الناس، إنّه لم يكن نبيّ من الأنبياء ممّن كان قبلي إلّا وقد عمّر؛ ثمّ دعاه الله؛ فأجابه؛ وأوشك أن ادعي، فاجيب؛ وأنا مسؤول وأنتم مسؤولون! فما أنتم قائلون؟! قالوا: نشهد أنك قد بلّغت ونصحت وأدّيت ما عليك! فجزاك الله أفضل ما جزى المرسلين.
فقال رسول الله: اللهُمَّ اشْهَدْ! ثم قال: يَا "مَعْشَرِ المُسْلِمِينَ! ليبلّغ الشَّاهِدُ الغَائِب. [قال الله لي] وأوصى: من آمن بي، وصدّقني؛ [فعليه] بولاية عليّ. ألا إنّ ولاية عليّ ولايتي (و ولايتي ولاية ربّي) ولا يدري [و لا تدرون- ظ] عهداً عهده إليّ ربّي وأمرني أن ابلّغكموه".
ثمّ قال: هَلْ سَمِعْتُمْ؟! ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يقولها.
فقال قائل: قَد سَمِعْنَا يَا رَسُولُ اللهِ.[10]
[1] الآية55، من السورة 5: المائدة.
[2] «تفسير العيّاشيّ» ج 1: ص 328؛ «بحار الأنوار» ج 9، ص 35، طبعة الكمباني؛ و «تفسير البرهان» ج 1، ص 483.
[3] الآية56، من السورة 55: المائدة.
[4] «تفسير العيّاشيّ» ج 1، ص 329؛ و «بحار الأنوار» ج 9، ص 206 و 207، طبعة الكمباني؛ و «تفسير البرهان»، ج 1، ص 485.
[5] «تفسير العيّاشيّ» ج 1، ص 331 و 332؛ و «بحار الأنوار» ج 9، ص 207؛ و «تفسير البرهان» ج 1، ص 489. و «غاية المرام»، ج 1، ص 336، الحديث الرابع، الطبعة الحجريّة؛ و «الميزان» ج 6، ص 54 و 55؛ و تفسير «مجمع البيان» طبعة صيدا، ج 2، ص 223. و نقل في «كشف الغمّة» ص 94، حديث الغدير مع شأن نزول آية التبليغ و أبيات حسّان بن ثابت، مسنداً إلي ابن عبّاس.
[6] «تفسير العيّاشيّ» ج 1، ص 332؛ و «غاية المرام» ج 1، ص 336 الحديث الخامس الطبعة الحجريّة؛ و «بحار الأنوار» ج 9، ص 207، الطبعة الكمباني؛ و «تفسير البرهان»، ج 1، ص 498؛ و تفسير «الميزان»، ج 6، ص 55.
[7] «تفسير العيّاشيّ» ج 1، ص 332؛ و «غاية المرام» ج 1، ص 336، الحديث السادس، الطبعة الحجريّة؛ و «تفسير البرهان» ج 1، ص 489؛ و «بحار الأنوار» ج 9، ص 207.
[8] «غاية المرام» ج 1، ص 336.
[9] «بحار الأنوار» ج 9، ص 207.
[10] «تفسير العيّاشيّ» ج 1، ص 334؛ و «غاية المرام» ج 1، ص 336 الحديث الثامن؛ و «تفسير البرهان» ج 1، ص 490؛ و «بحار الأنوار» ج 9، ص 207؛ و تفسير «الميزان» ج 6، ص 55.