ثَمة طريقة أخرى للتفكير في الروبوتات وتصنيفها وهي حسب مستوى استقلاليتها. فالعديد من الروبوتات الفعلية، بما في ذلك بعض الروبوتات التي سأناقشها في الفصل الثاني، ليست مستقلة، وإنما يشغلها البشر عن بعد. ومن الأمثلة على ذلك المركبات الغواصة المشغلة عن بعد، وهي من الروبوتات المستخدمة للتنقيب تحت سطح البحر أو صيانة آبار النفط. وتُعرف هذه الروبوتات أيضًا باسم الروبوتات المشغلة عن بعد. لا تحتاج الروبوتات المشغلة عن بعد إلا إلى الحد الأدنى من الذكاء المدمج فيها؛ لأن «الذكاء الرئيسي» الذي يتحكم في الروبوت هو الإنسان. وتتمتع بعض الروبوتات المشغلة عن بعد بمستوى عال من الذكاء الداخلي، ولا تستلزم تحكُّم مَن يُشغلها عن بُعد إلا في أوقات معينة. على سبيل المثال، يمكن للطائرات بدون طيار أن تطير وحدها (على نظام الربان الآلي حتى تصل إلى موقع محدد مسبقا، وعندها يتولى الطيار البشري زمام الأمور. وفي بعض الأحيان تُعرف هذه الروبوتات بأنها شبه مستقلة.
عندما يتحدث علماء الروبوتات عن الروبوتات المستقلة، فإنهم عادةً ما يقصدون الروبوتات التي تقرر ما ينبغي فعله في الخطوة التالية دون أي تدخل أو تحكم بشري على الإطلاق. ولا بد هنا من توخي الحذر لأنهم لا يتحدثون عن الاستقلالية الحقيقية،بمعنى أنها قادرة مثلي ومثلك على تقرير مصائرها، بل يتحدثون عما يمكن أن أسميه «استقلالية التحكم». المقصود باستقلالية التحكم أن الروبوت يستطيع أداء وظيفته أو مهمته دون تدخل بشري، لكن الأمر بأداء هذه المهمة أو البرمجة على أدائها قد صدر من البشر على أي حال. واقع الأمر أنَّ عددًا قليلا للغاية من الروبوتات المستخدمة الآن هي التي تتمتع بهذه الاستقلالية حتى في سياق هذا المعنى المحدود. ومن الأمثلة المرعبة على مثل هذا النوع من الروبوتات الصاروخ الجوال، وهو «سلاح ذكي قادر على توجيه نفسه إلى الهدف المخصص له دون تحكم بشري». لكنه يحتاج بالرغم من ذلك إلى مشغل بشري لمراقبة وحدة التحكم في الصاروخ وإيقافه إذا لزم الأمر.
ربما سيساعدنا أن نتخيل استقلالية الروبوتات على أنها نطاق واسع يتراوح بين التشغيل عن بعد (بلا استقلالية) إلى الاستقلالية الكاملة. ويمكننا بعد ذلك تصنيف الروبوتات ضمن هذا النطاق وفقًا لدرجة استقلاليتها.
يجدر بي الآن أن أوضح شيئًا عن الفرق بين كلمة المستقلة وكلمة ذاتية الحركة. فعلى الرغم من أن الكلمتين لهما معان متشابهة في الواقع، يفضل علماء الروبوتات كلمة المستقلة لأنها أوسع نطاقا وأكثر ثراءً من ذاتية الحركة، ويعتبر السعي لتحقيق قدر أكبر من الاستقلالية هدفًا مهما في علم الروبوتات.
ما نقصده بكلمة ذاتية الحركة هو «العمل من خلال سلسلة ثابتة من الإجراءات المبرمجة مسبقًا». ولهذا يوصف ذراع الروبوت المستخدم في طلاء السيارات بالرش بأنه ذاتي الحركة، وهو يقع على الطرف الأدنى من مقياس الاستقلالية. لكن ماذا عن المكنسة الروبوت؟ صحيح أنه روبوت بسيط نسبيًّا، لكنه يتمتع بقدر كبير من الاستقلالية. والسبب هو أن أفعاله تحدد من خلال مدخلاته الحسية، وليس بسبب ترتيبها في سلسلة الإجراءات المبرمجة مسبقا. فعند وضع عقبة أمام الروبوت، سيتَّخذ إجراء تجنبها. وفي حالة عدم وجود أي عوائق، سيواصل الروبوت التقدم للأمام.
على مقياس الاستقلالية، يُعتبر الروبوت الذي يمكنه أن يتصرف من تلقاء نفسه استجابة لأجهزة الاستشعار الخاصة به مستقلا للغاية. والروبوت الذي لا يستطيع التصرف، ربما لأنه لا يحتوي على أي أجهزة استشعار، غير مستقل. من المهم أيضًا ملاحظة أن الاستقلالية والذكاء ليسا الشيء نفسه. فقد يكون الروبوت مستقلا لكن ليس ذكيًا جدًّا، مثل المكنسة الروبوت.