لا بد من أن القارئ قد لاحظ أن الاحتمالات الكوانتية لم يتم إدخالها بعد في تعليم أوليات العالم الذي يطالعه ملاكنا(1). ربما يبدو هذا مثيرا للدهشة، خاصة إذا ما أعطيت هذه الاحتمالات وظيفتها السائدة. سوف نراها الآن تدخل الصورة بطريقة غير متوقعة تماما، ليس باعتبارها مقياسا للمصادفة، ولكن من حيث إنها أداة لإكمال المنطق وإكسابه معنى متسقا . والحقيقة أنه بفضل الاحتمالات نستطيع أن نقنع أنفسنا بأن بعض التواريخ لها معنى وبعضها الآخر بلا معنى، وهناك من بينها ما يقوم بتعريف التكافؤ واللزوم المنطقيين في عالم الكوانتم. وبهذا تقبع الاحتمالات في موقع اللب من النظرية، ويمتد دورها إلى أبعد من مجرد وصف المصادفة.
هذه نتيجة ناجمة عن بنيتها الرياضية الصورية التي يعرفها الملاك ويقبلها، والتي يجب أن نتعامل معها كما يفعل الرياضياتي، من دون أدنى اعتبار للتطبيقات العملية. بالنسبة إلى الرياضياتي، الاحتمالات مجرد أعداد تميز أحداثا في حالتنا، خصائص أو تواريخ تكوّن تلك الأحداث عائلة كاملة ( من حيث إنها استبعادية exclusive بالتبادل وتغطي كل الاحتمالات). تخضع الاحتمالات لثلاثة شروط فقط هي أعداد موجبة، ويمكن جمعها إذا كان حادثان استبعاديين تبادليا (يسمى هذا شرط الجمعية additivity) ويكون حاصل جمعها الكلي مساويا للواحد .
افترض غريفيث، لإكساب هذه التواريخ شيئا من المادة الجوهرية، أن لكل منها احتمالا معينا يبدو هذا الفرض معقولا تماما في حالة التجربة النووية التي سبق وصفها . ففي حقيقة الأمر ربما لم يخرج النيوترون من المفاعل، أو يكون قد ضل طريقه إلى النافذة، أو فشل في اجتياز كتلة اليورانيوم، أو حتى لو تم هذا لا يحدث تفاعل. افترض غريفيث صيغة رياضية صريحة لحساب احتمال تاريخ ما، وهي صيغة اكتشف في ما بعد أنها تنبثق من بعض الاعتبارات المنطقية البسيطة.
لاحظ غريفيث عندئذ أن شرط الجمعية بالنسبة إلى الاحتمالات يقيد اعتباريا الفئة التي تضم كل التواريخ الممكن تصورها يُعبر عن هذا الشرط بمعادلة رياضية تشتمل على مؤثرات (عوامل) إسقاط الخصائص المتنوعة التي تحدث في التاريخ، وهي معادلة صريحة يمكن اختبار صحتها بالحساب، أطلق غريفيث وصف الاتساق على تلك التواريخ التي تحقق شرط الجمعية .additivity . مثال ذلك التاريخ المرتبط بتجربتنا النووية ينتمي إلى عائلة متسقة، واحتمالية محددة تماما ومرضية بصورة كاملة من وجهة النظر الرياضياتية.
لمساعدة القارئ على فهم تصور التاريخ المتسق consistent history، سوف نطرح مثالا معارضا أكثر إثارة للدهشة، ينشأ عن ظواهر التداخل التي تكون الاحتمالات فيها غير جمعية سيكون كالتالي: يخرج فوتون من مقياس تداخل ويرتطم بشاشة نستطيع وصف الارتطام عن طريق تخيل أن الشاشة قد قسمت إلى مناطق صغيرة (يمكن أن تتكون كل منطقة، مثلا، من حبيبة منفردة في مستحلب فوتوغرافي(2). بهذه الطريقة يكون لدينا تواريخ مختلفة عديدة بعدد مناطق الشاشة، ولا شيء يمنعنا من تعيين احتمالية كل من هذه التواريخ يتضح بالإثبات أن هذه الاحتمالات جمعية additive ومقبولة تماما. وتكشف قيمها المحسوبة طبقا للنظرية، بوضوح عن وجود هدب تداخل.
تصبح الأشياء أكثر براعة وأهمية إذا حاولنا تحديد مسار الفوتون قبل ارتطامه بالشاشة. يمكن اختيار اللحظة التي عندها تكون الدالة الموجية من معادلة شرود نغر مكونة من جزأين كل جزء متموضع في ذراع المشتقة مختلفة لمقياس التداخل سوف نقوم الآن بإثراء التواريخ السابقة عن طريق تحديد ما إذا كان الفوتون موجودا في تلك الذراع أو الأخرى عند هذا.
الزمن المحدد عند هذه النقطة، يفصح الاهتمام الحقيقي اللافت بشروط غريفيث الجمعية عن نفسه، لأنه يستحيل تحقيها من دون جمعية لا توجد احتمالات ولا يوجد معنى ومن ثم فإن النص على أن الفوتون قد سلك مسارا معينا مفضلا إياه على آخر يعطي جملة بلا معنى على الرغم من عاداتنا في التفكير، وهذا يدعو إلى الاحتجاج والمجاهرة بأن شيئا ما هنا خاطئ أو ناقص.
إن هذه نتيجة رائعة وجديرة بالملاحظة، لأنها توحي بأن بعض التواريخ يكون لها معنى والبعض الآخر لا معنى لها على الأقل إذا ما اتفقنا على أن التواريخ التي نستطيع أن نحدد لها احتمالا هي فقط التي لها معنى. ولكن أي معنى؟ هذا ما سوف نراه الآن.
-------------------------
(1)[تعبير من مقال سابق ]
(2) المستحلب الفوتوغرافي photographic emulsion معلق من مادة حساسة للضوء (مثل هاليدات الفضة في جيلاتين مرسب على مادة حاملة كالزجاج أو البلاستيك) [المترجمان].