يأمر الله نبيّه بالتبليغ الفوريّ، ويبيّن له خطورة الحكم، ويعده بالعصمة، ويؤمّله ويطمئنه أن يردّ كيد الأعداء في نحورهم، ويضيّق عليهم الخناق فلا يظفروا بأهدافهم المشئومة، ولا يطلق لهم العنان فيتلاعبوا بأمر النبوّة؛ ويضيّعوا الدعوة النبويّة سدىً.
وخوف النبيّ صلّى الله عليه وآله من قيامهم بهذا العمل كان في عصر ذيوع صيت الإسلام، وطبعاً لا بدّ أن يكون في المدينة، وبعد سنين من الهجرة، لأنه لم يكن هذا الخوف من كفّار مكّة قبل الهجرة.
وقد عرض القرآن الكريم كلام المشركين وطبيعة مناوءتهم، كقوله: {مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ}. وقوله: {إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً}. وقوله: {أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا}.[1] وقوله: {أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ}.[2]
وهذه وأمثالها ليست بشيء حتّى تؤدّي إلى تضعضع أركان الدين ونسفها. بل هي تدلّ على أنّ قوم النبيّ (كفّار قريش) كانوا مضطربين في أمرهم غير مستقيمين في سيرتهم.
يضاف إلى ذلك كلّه، أنّ هذه التهم والافتراءات، وهذه العراقيل والعقبات لم تكن بدعاً من الأمر في عهد نبيّنا الكريم فيقلق من جرّائها، ويتهيّب من وقوعها عند ما يتفرّس في وجوه أصحابها. فسائر الأنبياء كانوا شركاء لنبيّنا في الابتلاء بالمصاعب وتحمّل مشاقّ الدعوة. وقد آذتهم اممهم بشتّى صنوف الإيذاء. كما نجد ذلك في القرآن الكريم إذ تحدّث بالتفصيل عمّا لاقاه نوح والأنبياء الذين جاءوا بعده.
وأمّا بعد الهجرة واستقرار الدين في المجتمع الإسلاميّ، فإنّ تصوّر هذا الأمر بسيط جدّاً؛ ذلك لأننا نجد بين المسلمين، في تلك البرهة الزمنيّة، مختلف الأشخاص من مؤمنين، ومنافقين، ورموز كانت تتجسّس في الخفاء لمصلحة الكفّار، وأشخاص في قلوبهم مرض.
ومع أنّ هؤلاء قد آمنوا بالنبيّ الأكرم، إلّا أنهم كانوا يتعاملون معه كملك من الملوك، وينظرون إليه كحاكم سياسيّ لا يختلف عن غيره من الحكّام الدنيويّين. ويتعاملون مع القرآن الكريم، وهو وحي سماويّ، كما يتعاملون مع القوانين الوضعيّة الظاهريّة البشريّة.
وهذا التفكير الذي يسود عامّة الناس كان يمهّد الأرضيّة لهؤلاء أن يتآمروا ضدّ الشريعة فيما إذا أتى رسول الله بحكم تشوبه المصلحة الشخصيّة. ويقولوا: هذه هي الملكيّة الاستبداديّة التي تقمّصت النبوّة فظهرت للناس بثوب الرسالة.
وهذه الشبهة لو تحقّقت عمليّاً، وأفلح الحزب المناوئ في ترسيخها، وتمكّن من بثّها، فإنّ ثغرة كبيرة ستحدث في الدين ويتعذّر رتقها، ويعجز كلّ مصلح عن إصلاحها. ومن الطبيعيّ أنّ النبيّ الكريم صلّى الله عليه وآله كانت له بعض المزايا والامور التي اختصّ بها، والتي قد يُتوهّم منها المصلحة الشخصيّة. إلا أنها لم تكن على درجة من الأهمّيّة بحيث تتّخذ ذريعة لإثارة الضوضاء والشغب. كما نجد ذلك في قضيّة زَيد بن حَارِثَة وطلاقه زوجته زينب ابنة عمّة النبيّ، وزواج النبيّ منها وهي زوجة ابنه بالتبنّي. ونجد ذلك في استئثاره بخمس الغنائم، وتعدّد الزوجات، وأمثال هذه الامور.
ذلك لأنّ جواز الزواج من زوجة المتبنّي المطلّقة لم يخصّ رسول الله. وقد طبّق هذا الحكم على نفسه لأوّل مرّة ليهيّئ الأرضيّة لتطبيقه بين المسلمين جميعهم.
ولو كان زواجه بأكثر من أربع نابعاً من هوى النفس، وليس فيه إذْنٌ إلهيّ، لما ضنّ به على المسلمين؛ ذلك أنّ سيرته في إيثار المسلمين وتقديم مصالحهم على مصلحته الخاصّة فيما كان للّه وله من الأموال وغيرها لم تُبقِ أيّ شكّ وشبهة في أنّ ذلك الزواج كان بأمر الله بعيداً عن المصلحة الخاصّة.
ويستبين من هذا جيّداً أنّ آية التبليغ تدلّ على أنّ الحكم النازل حكم قد يُتوهّم فيه المصلحة الخاصّة لرسول الله، واستئثاره ببعض المكاسب والامتيازات الحيويّة التي يطمح إليها غيره؛ وتبليغه يؤدّي إلى حرمان سائر الناس. وكان يتهيّب من إبلاغه، فأمره الله بذلك، ووعده بعصمته من المعارضين، وأخبره بعدم ظفرهم في كيدهم.
إنّ ما استعرضناه من بحث بشيء من التفصيل، كلّه يدعم النصوص المستفيضة المأثورة عن طرق الشيعة والسنّة الدالّة على أنّ الآية نزلت في وَلَايَةَ عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ عليه السلام؛ والله تبارك وتعالى أمر بتبليغها؛ ورسول الله صلّى الله عليه وآله كان يتهيّب من أن يتّهم في ابن عمّه؛ ولهذا كان يرجئ الإعلان عنها ريثما تحين الفرصة المناسبة. حتّى إذا آن أوان غدير خُمّ، أصحر[3] بالأمر، آخذاً بِيَدِ عليّ تحت السَّمُرات في تلك الفَيفاة القريبة من الجحفة، وهما على أحداج الإبل، والحجّاج الذين عادوا
معه من مكّة يشهدون ذلك؛ وبعد أن ألقي خطبته البليغة، أرى الناس كلَّهم عليّاً، وهو يقول: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. ولا يخفى فإنّ ولاية الامّة ليست من الامور التي تكتم وتستتر؛ ويرتاب أحد في لزومها وضرورتها.
ونحن نرى من وحي العقل والفطرة أنّ كلّ صاحب مسؤوليّة إذا أراد أن يغيب، فإنّه لا يترك اموره وشئونه عبثاً، بل يفوّضها إلى من كان أميناً كفوءاً ليضطلع بها نيابة عنه. والعالِم الذي يدنو أجله يخوّل معلّماً أميناً للقيام بتربية طلّابه. والطبيب الذي يفارق الدنيا يوصي طبيباً أميناً بعيادته. والتاجر، والكاسب، والزارع، وحتّى الحمّاميّ، فإنّهم إذا شارفوا الموت أو غابوا لفترة قصيرة، لسفر مثلًا، ينيطون شئونهم بشخص آخر للقيام بها. وحتّى بائع البنجر الذي يضع بنجره المطبوخ في طست ويقف في رأس الزقاق منادياً بأعلى صوته: بَنْجَر بَنْجَر! فإنّه إذا أراد الذهاب لقضاء حاجته أو للصلاة، يكلّف كاسباً قريباً منه أن يحرس طسته وميزانه وبنجره وكلّ ما يتعلّق به، وهذا كلّه لا يساوي في القيمة درهماً زهيداً. وإن لم يفعل هؤلاء ما من شأنه القيام بامورهم، فإنّهم يُلَامُونَ ويذمّون. ويقول الناس: ما خطب الحمّاميّ؟ هل أصابه مسّ من جنون حتّى يترك حمّامه مفتوحاً دون أن يكلّف أحداً بحراسته؟ وما بال التاجر؟ هل مُني بخطب أو عاهة إذ يترك محلّه ويسافر بدون أن يخوّل أحداً حراسته؟ وهذا الأمر من البداهة بحيث إنّه لا يحتاج إلى استدلال وبرهان، وهو كما يقول أهل الأدب: مِنَ الْقَضَايَا التي قِيَاسَاتُهَا مَعَهَا. والوصيّة في مثل هذه الامور من المسلّمات المقطوع بها.
فإذا علمنا هذا كلّه، فكيف يجيز أحد لنفسه أن يخال بأنّ ديناً كالإسلام لا يحتاج إلى وليّ أمر يقوم بشؤونه، وهو الدين العالميّ الذي جاء لجميع الناس حتّى يوم القيامة، وفيه كلّ ما يحتاج إليه البشر، من أحكام الطهارة الأوّليّة حتّى أعقد المسائل الغامضة في التوحيد والمعارف الإلهيّة، والمبادئ الأخلاقيّة والأحكام الفقهيّة الفرعيّة العامّة لجميع حركات الإنسان على الصعيدين الفرديّ والاجتماعيّ. وكيف يسمح أحد لنفسه أن يظنّ بأنّ نبيّاً كمحمَّد صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو العقل الكلّيّ، أن يرحل عن هذه الدنيا دون أن يوصي لأحد بالقيام بشؤون الامّة؟ ويترك امّته كقطيع الأغنام بلا راعٍ يسوسها، فتكون عرضة لهجمات الذئاب، والمحن المهلكة المدمّرة، إذ لا رئيس ولا إمام ولا مشرف ولا مدبّر ولا مدير يرعاها ويأخذ بيدها نحو الصلاح؟ وهل الإسلام على عكس سائر الموازين والمقرّرات العامّة والقوانين فلا يحتاج إلى راع وحارس؟ وهل المجتمع الإسلاميّ والامّة الإسلاميّة مستثناة من سائر الامم والمجتمعات، فلا يحتاج إلى والٍ ينظّم شئونها؟ وهل هي مستغنية عن وليّ أمر يجري امورها، ويدير لها عجلة حياتها؟ والعالِم المتبحّر الذي يطالع السيرة النبويّة، ويقرأ فيها يجد أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله كان إذا ذهب في غزوة، فإنّه يوصي لأحد بأن يضطلع بأعباء المسئوليّة خلال غيابه فلا يقف دولاب الحركة عن حركته، فكيف وبأيّ تبرير يمكن إقناعه بأنّ النبيّ قد رحل عن الدنيا ولم يوص بالخلافة لأحد؟ وكلّنا نعلم أنه صلّى الله عليه وآله عند ما ذهب في غزوة تبوك، استخلف على الامّة عَلِيّ بْنَ أبي طالِبٍ؛ وعند ما قال له عليّ عليه السلام: يَا رَسُولَ اللهِ! أتَخْلُفُنِي على النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ؟! أجابه صلّى الله عليه وآله قائلًا: أمَّا تَرْضَى أنْ تُكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنهُ لَا نَبِيَ بَعْدِي؟![4]
وكان النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله يرسل الولاة إلى الأمصار التي كانت في قبضة المسلمين كمكّة، والطائف، واليمن؛ وكان يعيّن الامراء على الجيوش والسرايا التي كان يُشخصها إلى مختلف النقاط. فما الفرق بين حياته وموته؟ أ لم تكن حاجة الناس إلى والٍ وقيّم أكثر عند الموت؟! نعم هي أكثر، وفي ضوء هذا النهج، كان يعيّن الولاة ويخوّل لهم شئون الامّة. وفي تلك الأرض القاحلة الكأداء، وتحت الأشجار الصحراويّة الخمس، أعلن للملأ أنّ عليّاً وصيّه وخليفته، وهو أولى بكلّ مؤمن ومؤمنة كأولويّته صلّى الله عليه وآله.
[1] الآية14، من السورة 44: الدخان.
[2] الآية47، من السورة 17: الإسراء.
[3] خرج إلى الصحراء.
[4] هذا الحديث من الأحاديث النبويّة المتواترة الذي تضافر على نقله الفريقان، و مضافاً إلى أنه ورد في كتب الشيعة، فقد جاء في كتب العامّة المعتبرة بما لا يحصي حتّى أنّ شاه وليّ الله الدهْلَوِيّ ذكره في كتاب «إزالة الخفاء عن خلافة الخلفاء» ص 260 و 261 من ج 2، في فصل خصّصه لترجمة أمير المؤمنين عليه السلام. و هذه الترجمة جديرة بالدقّة و التمعّن. و أورد فيها قصّة غدير خُمّ في ج 2، ص 259. و أقرّ في ص 261 بحديث الولاية بما نصّه: "مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَإنَّ مَوْلاهُ عَلِيّ". و ذكر قصّة الغدير كما يلي: لمّا رجع من حِجَّة الوداع، خطب في غدير خُمّ خطبة تتضمّن إظهار فضائل المرتضى رضي الله عنه، فقد أخرج الحاكم، و أبو عمرو، و غيرهما- و هذا لفظ الحاكم- عن زيد بن أرقم: لَمَّا رَجَعَ رسول الله صلّى الله عليه[و آله] و سلّم من حجَّة الوداع و نزل غدير خمّ أمر بدوحات فَقُمِمْنَ؛ قال: "كأني قد دُعيتُ فاجبت. إنّي قد تركت فيكم الثَّقلين: أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله تعالى و عترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيها فإنّهما لن يتفرّقا حتّى يردا عليّ الحوض. ثمّ قال: إنّ الله عزّ و جلّ مولاي و أنا وليّ كلّ مؤمن. ثمّ أخذ بِيَدِ عليّ رضي الله عنه فقال: مَنْ كُنْتُ وَلِيُّهُ فَهَذا وَلِيُّهُ؛ اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ".