إن محاولات قراءة الرواية العظيمة ذات الأسرار تعود في قدمها إلى قدم الفكر البشري نفسه . لكن العلماء لم يبدأوا فهم لغة هذه الرواية إلا منذ ثلاثمئة سنة . فمنذ هذا الوقت ، وهو عصر غاليله ونيوتن ، خطت هذه القراءة خطى سريعة . فقد تطورت ، خلال هذه الحقبة ، وسائل التحقيق والطرق المنهجية في سبيل اكتشاف الخطوط الموجهة والاستهداء بها . وقد أمكن حل بعض ألغاز الطبيعة ، بالرغم من أن كثيراً من هذه الحلول قد اتضح ، في ضوء أبحاث لاحقة ، أنها كانت وقتية وسطحية كانت قضية الحركة المسألة الأساسية ؛ وكانت تزداد غموضاً خلال آلاف السنين بسبب تعقداتها . إن كل الحركات التي نلاحظها في الطبيعة ، كالحجر المقذوف في الهواء والسفينة التي تمخر عباب البحر والعربة التي تدرج في الشارع ، حركات معقدة جداً في الواقع . ولكي نفهم هذه الظواهر يحسن أن نبدأ بأبسطها وأن ننتقل بالتدريج إلى المعقد منها . لنتأمل في جسم بحالة سكون ، حيث لانحس له بأية حركة . فلكي نغير مكان هذا الجسم لابد من أن تخضعه لتأثير ما : أن ندفعه أو أن نرفعه أو أن نسلط عليه أجساماً أخرى ، أحصنة أو آلات بخارية . فلدينا حدس يقول بأن الحركة تتصل بأفعال الدفع أو الرفع أو الجر. وتقودنا تجارب عديدة إلى أن تغامر بالمقولة الأخرى التالية : إذا أردنا للجسم أن يتحرك بسرعة أكبر يجب أن ندفعه بشدة أكبر . ويبدو من الطبيعي أن نستنتج أنه كلما كان الفعل المسلط على الجسم أقوى كانت حركته أسرع . فالعربة التي يجرها أربعة أحصنة تتقدم بأسرع من العربة التي يجرها حصانان فقط . فالحدس البدهي يقول لنا إن الحركة مرتبطة جوهرياً بالفعل .
إن من المعروف جيداً لدى قراء الروايات البوليسية أن سلوك الدرب الخطأ يقود إلى اختلاط الأمور وابتعاد الحل . والمحاكمة التي تستند على الحدس وحده لم تكن صائبة دوماً وقد قادت إلى مفاهيم مغلوطة عن الحركة ، وقد اعتمدت هذه المفاهيم خلال قرون عديدة . وربما كانت سلطة أرسطو في أوربا كلها هي السبب الأول في الاعتقاد الراسخ ، الذي كان يعتنقه الناس ، بصحة الحدس . ونحن نقرأ في أحد الكتب المنسوبة إليه خلال قرنين :
إن الجسم المتحرك يتوقف عن الحركة عندما لاتعود القوة التي تدفعه قادرة على التأثير بشكل يدفعه . إن المحاكمة العلمية ، التي اكتشفها غاليله واستخدمها ، هي من أهم إنجازات الفكر في تاريخ البشر وهي نقطة الانطلاق الحقيقية في الفيزياء . وقد علمنا هذا الاكتشاف أن لا نركن دوماً إلى الحدس الذي يستند إلى الملاحظات العابرة لأنه يقود أحياناً إلى خطوط موجهة خادعة . ولكن أين يكون الحدس خادعاً ؟ هل من الممكن ان يكون خطأ القول بأن العربة التي يجرها أربعة أحصنة يجب أن تتحرك بأسرع من العربة التي يجرها حصانان فقط ؟
لنفحص ، عن كثب ، الوقائع الأساسية للحركة انطلاقاً من الخبرة اليومية الشائعة لدى الناس منذ بدء الحضارة والمكتسبة من خلال الكفاح القاسي من أجل البقاء .
لنتأمل رجلاً يدفع أمامه سيارة على طريق منبسط مستقيم وأنه يتوقف فجأة عن الدفع . نلاحظ عندئذٍ أن السيارة تستمر في السير مسافة ما قبل أن تتوقف . ولنسأل : كيف يمكن أن نطيل هذه المسافة ؟ يمكن أن نفعل ذلك بوسائل عديدة ، بتشحيم العجلات مثلاً وبدحو الطريق ليصبح أحسن انبساطاً . فكلما كان دوران العجلات أسهل والطريق أحسن انبساطاً أصبح زمن استمرار السيارة في الحركة أطول. فما الذي نحصل عليه من تشحيم العجلات ومن دحو الطريق ؟ إن كل ما تحصل عليه هو التقليل من شأن التأثيرات الخارجية . فتأثير ما نسميه الاحتكاك قد نقص ، سواء في العجلات أو بينها وبين الأرض . وهذا هو منذ الآن تفسير نظري لواقعة جلية . وهو في حقيقته مصطنع. وبخطوة أخرى ذات مغزى، على هذا الدرب ، نتوصل إلى خط موجه حقيقي . لنتصور أن الطريق أملسن تماماً وأن العجلات عديمة الاحتكاك . تزول عندئذ أسباب توقف السيارة فتستمر ماضية في حركتها . وهذه نتيجة برزت من تصور تجربة مثالية لا يمكن أن نحققها عملياً ، إذ يستحيل أن نحذف كل المؤثرات الخارجية . فالتجربة المثالية قد أبرزت الخط الموجه الذي يشكل بحق أساس ميكانيك الحركة .
إن مقارنة هاتين الطريقتين في سبيل الوصول إلى حل المسألة تبيح لنا أن نقول : إن الحدس البدهي يعلمنا أن اشتداد الفعل الخارجي يؤدي إلى تزايد السرعة. فالسرعة تنبيء إذن عن وجود أو عن عدم وجود قوى خارجية متسلطة على الجسم . فالخط الموجه الذي اكتشفه غاليله هو : إذا لم يكن الجسم مدفوعاً ولا مجروراً ولا خاضعاً لأي فعل خارجي ، أو بمختصر القول : إذا لم تؤثر فيه أية قوة خارجية ، فإنه يتحرك بانتظام أي بسرعة ثابتة وفي خط مستقيم . فالسرعة لاتنبىء إذن عما إذا كان يوجد ، أم لا ، قوى خارجية تتسلط على الجسم المتحرك . والنتيجة الصحيحة التي استنبطها غاليله صاغها نيوتن بعد جيل من الزمان بالنص المعروف باسم قانون العطالة . وهو أول قانون فيزيائي نتعلمه عادة عن ظهر قلب في المدرسة . ولاشك أن بعضنا ما يزال يتذكره :
إن كل جسم يبقى على حالته من السكون أو من الحركة المنتظمة في خط مستقيم ، إلا إذا أجبر على تغيير هذه الحالة بواسطة قوى تتسلط عليه .
لقد رأينا أن قانون العطالة هذا لايمكن أن يُستمد من التجربة مباشرة ، بل وحصراً من المجهود الفكري المتلائم مع الملاحظة . فالتجربة المثالية لا يمكن أن تتحقق عملياً إطلاقاً ، بالرغم من أنها هي التي تقود إلى فهم عميق للتجربة الواقعية .
ومن تنوع الحركات المعقدة التي تظهر في هذا العالم حولنا نختار ، كمثال أول ، الحركة المنتظمة. إنها أبسط الحركات بسبب غياب القوة الخارجية عنها. وبالرغم من ذلك فإن الحركة المنتظمة لا يمكن أن تتحقق أبدا ؛ فالحجر الذي نتركه يسقط من قمة برج والسيارة الماضية في خط مستقيم لا يمكنهما أن يتحركا بسرعة ثابتة تماماً لأننا غير قادرين على حذف تأثير كل القوى الخارجية .
. وفي الرواية الجيدة ذات الأسرار تفضي الخطوط الموجهة الأكثر غرابة إلى شكوك لامبرر لها . وفي محاولاتنا لفهم قوانين الطبيعة نجد أيضاً أن التفسير الحدسي الكامل الوضوح يكون غالباً غير
صحيح . إن الفكر البشري يرسم للعالم الذي حولنا صورة تتغير باستمرار . والإسهام الذي قدمه غاليله محا الصورة الحدسية وأبدلها برؤية جديدة ؛ وهذا هو لب اكتشافه .
لكن مسألة أخرى ، بخصوص الحركة ، تبرز الآن : إذا لم تكن السرعة دليلاً على وجود قوى خارجية متسلطة على الجسم ، فما هو الدليل إذن ؟ إن الجواب عن هذا السؤال الأساسي وجده غاليله وعبر عنه نيوتن بشكل دقيق ؛ وهو الخط الموجه الجديد في تحرياتنا .
إن البحث عن الجواب الصحيح يستلزم أن نتفكر بعمق أكثر في حالة السيارة التي تتحرك على طريق منبسط تماماً . ففي تجربتنا المثالية ينجم انتظام الحركة عن غياب القوى الخارجية . لنفترض ا الآن أننا أعطينا السيارة المتحركة بانتظام صدمة في اتجاه الحركة ؛ فماذا يحدث عندئذ ؟ من الواضح أن سرعتها تزداد. ومن الواضح أيضاً أن سرعتها تنقص إذا كانت الصدمة في عكس اتجاه الحركة . ففي الحالة الأولى تتسارع السيارة بفعل الصدمة ؛ وفي الحالة الثانية تتباطاً . وهكذا تبرز النتيجة التالية : إن فعل القوة الخارجية يغير السرعة . وهكذا يتجلى أثر الدفع أو الجر ، لا في السرعة ذاتها بل في تغير السرعة. فالقوة تزيد في السرعة أو تنقص منها حسبما تتجه في اتجاه الحركة أو في عكسه . وقد رأى غاليله ذلك بوضوح وكتب في كتابه و علمان جديدان ، ما يلي : إن أية سرعة للجسم تنحفظ تماماً طالما بقيت الأسباب الخارجية للتسارع أو للتباطؤ غائبة ، وهو شرط لا يتحقق إلا في المستوى الأفقي ؛ لأنه يوجد في المستوى اللا أفقي سبب للتسارع باتجاه النزول ، وسبب للتباطؤ باتجاه الصعود . ومن هذا ينتج أن الحركة على المستوى الأفقي متواصلة ؛ والسرعة ثابتة لعدم وجود سبب يضعفها أو يعدمها .
وباتباع الخط الموجه السديد نتوصل إلى فهم أعمق لمسألة الحركة . فالصلة بين القوة وتغير السرعة ـــ ولاصلة بين القوة والسرعة ذاتها ، أي بعكس ما يمكن أن يوحي به الحدس البدهي ـ هي أساس الميكانيك التقليدي بالشكل الذي صاغ نيوتن نصه لقد استخدمنا هنا مفهومين يلعبان دوراً رئيسياً في الميكانيك التقليدي : القوة وتغير السرعة . وخلال التطور اللاحق للعلم توسع هذان المفهومان وتعمما . وعلى هذا الأساس لابد من فحصهما عن كثب .
ما هي القوة ؟ إننا نعرف بالحدس مدلول هذه الكلمة ؛ إن مصدر هذا المفهوم يكمن في المجهود الذي نبذله لكي ندفع جسماً أو نقذفه أو نجره ، أي في الإحساس العضلي الذي يصاحب كل عمل من أعمالنا . لكن تعميمه يذهب إلى أبعد من هذه الأمثلة البسيطة . فنحن يمكننا أن نتمثل القوة دون أن نتصور حصاناً يجر عربة . فنتكلم عن قوة التجاذب بين الشمس والأرض وبين الأرض والقمر ، وعن القوى التي تتسبب في حوادث المد والجزر . ونتكلم عن القوة التي تجبرنا بواسطتها الأرض على البقاء في منطقة تأثيرها ، وعن قوة الريح التي تثير أمواج البحر أو تهز أوراق الشجر . فإذا شعرنا ، في أية مناسبة ، بحدوث تغير في سرعة فلابد أن نقبل بتدخل قوى خارجية ، بمفهومها العام ، تتسبب في هذا التغير . ويقول لنا نيوتن في كتابه « المبادىء » ما يلي :
إن القوة المتسلطة هي فعل يتحكم في جسم كي يغير من حالة سكونه أو من حالة حركته المنتظمة في خط مستقيم .
إن هذه القوة تكمن في الفعل فقط ولاتبقى في الجسم عندما ينتهي الفعل . لأن الجسم يحتفظ بأية حالة جديدة يكتسبها ، وذلك من جراء عطالته الذاتية فقط. والقوى المتسلطة يمكن أن تتألى من مصادر شتى : الصدم أو الضغط أو القوة النابذة .
عندما نترك حجراً يسقط من قمة برج فإن حركته لاتكون منتظمة لأن سرعته تزداد كلما اقترب من الأرض . فنستنتج أن قوة خارجية تفعل في اتجاه الحركة أو ، بتعبير آخر ، أن الأرض تجذب الحجر . لنضرب مثلاً آخر. ماذا يحدث للحجر إذا قذفنا به شاقولياً نحو الأعلى ؟ نرى أن سرعته تتناقص أثناء صعوده حتى يبلغ نقطة أوجه ثم يعود أدراجه هابطاً . إن تناقص السرعة هذا ناجم عن القوة ذاتها التي تسبب التسارع أثناء الهبوط . فالقوة تؤثر أثناء الهبوط في اتجاه الحركة ، وأثناء الصعود في عكسه. إن القوة واحدة، لكنها تولد تسارعاً تارة وتباطؤاً تارة ثانية ، حسبما يتحرك الجسم من الأعلى للأسفل أو من الأسفل للأعلى .