المقدّمة الأولى: إنّ اختلاف الألفاظ والصيغ المتنوّعة هو من أجل إفادة المعاني المتفاوتة، وإلّا فإنّ وضع الكلمات المختلفة والصيغ المتباينة عبث لا طائل تحته. وفي ضوء هذه الحقيقة يعتقد الكثيرون أنّ اللغة تخلو من الألفاظ المترادفة، وما يبدو أنه مترادف، أو أنّ أهل اللغة ذكروه في كتبهم بوصفه مترادفاً، هو غير مترادف في الحقيقة. ولم يوضع لمعنى مشترك في جميع النواحي، بل لكلّ واحد من تلك المعاني خاصيّة وُضِعَ اللفظ لأجلها؛ وإن كان اللفظان أو الألفاظ المتعدّدة تشترك في الانطباق على المعاني المشتركة. فعلى سبيل المثال، يبدو أنّ الإنسان والبَشَر مترادفان، وقد وضعا لحقيقة معنى الإنسان، بَيدَ أنّ البَشَر اطلق على الإنسان بسبب بَشَرته وجلده، في مقابل المَلَك والجنّ اللذين لا بَشَرة لهما. وأنّ الإنسان اطلق عليه لأنه كائن فيه انس أو نسيان فيما إذا اشتقّ من الفعل أنِسَ أو نَسِيَ (نسيان). ومن هذا المنطلق جاء في القرآن الكريم أنّ الأنبياء يخاطبون الناس قائلين لهم: إن نحن بَشَر مثلكم، أي: لنا بَشَرة مثل بَشَرتكم. قال تعالى: {قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ}.[1] وقال: {قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ}.[2]
ذلك أنّ الكفّار في هذه المحاورات كانوا ينكرون رسالة الرسول لأنها صادرة عن إنسان له جلد وبَشَرة، أي: طبيعيّ ومادّيّ. أو أننا نقرأ في القرآن الكريم أنّ مريم تخاطب المَلَك السماويّ متعجّبة من ولدٍ يكون لها، وهي الطاهرة التي لم يمسسها بشر. والنجيبة التي تجلّ عن البغاء! قال تعالى: {قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا}.[3] ذلك أنّ شرط الحمل والإنجاب هو أنّ يباشر المرأة إنسان له بَشَرة، لا أن يباشرها إنسان بنفسه الملكوتيّة.
وفي ضوء هذا الكلام، وضعت صيغة مَفْعَل للحديث، أو للزمان، أو للمكان، وصيغة أفْعَل لإفادة التفضيل. وهذان معنيان مختلفان على الرغم من اشتراكهما في أصل المعنى المشترك الذي اشتقّا منه.
فلهذا قال الفخر: الخليل وأضرابه لم يذكروا معنى الأولى في كتبهم.[4] وقال مير سيّد شريف في «شرح المواقف»: لم يذكر أحد من أئمّة اللغة مجيء صيغة مَفْعَل بمعنى أفْعَل. وقوله تعالى: {مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ}، أي: مَقَرُّكُمْ وَمَا إلَيْهِ مَآلُكُمْ وَعَاقِبَتُكُمْ. ولذلك قال في ذيلها: {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}.[5]
ويستفاد ممّا قيل أنّ كثيراً من التفاسير قد ذكرت إرادة معنى الأوْلَى من لفظ المَوْلَى، بناءً على إيصال المعنى بألفاظ تناسب المعنى الحقيقيّ لذلك اللفظ في كثير من الجهات، وإن لم يكن معناها الحقيقيّ. ويُلاحَظ هذا الاسلوب أيضاً في كثير من كتب اللغة التي لا تتطرّق إلى المعاني الحقيقيّة فحسب، بل وتذكر مواطن استعمال الألفاظ معها أيضاً.
المقدّمة الثانية: الحَمْل على قسمين: أوَّلي ذَاتِيّ، وشائع صَناعِيّ.
المراد من الحمل الأوَّليّ اشتراك اسمين في مفهوم واحد؛ أي: نريد أن نقول بأنّ المفهوم المحمول متّحد مع المفهوم الموضوع، مثل: الإنسانُ حَيْوَانٌ نَاطِقٌ إذ لا تفاوت بين مفهوم الإنسان، ومجموع الحيوان الناطق.
والمراد من الحَمل الصناعيّ اشتراك مفهومين في مصداق واحد، أي: نريد أن نقول: يشترك المفهوم المحمول مع المفهوم الموضوع في المصداق والتحقّق الخارجيّ، وإن كان ذانك المفهومان لا يشتركان معاً، مثل: زَيْدٌ إنْسَانٌ، وزَيْدٌ قَائِمٌ. فمفهوم الإنسان اتّحد مع زيد في الخارج. ويصدق المفهومان على هذا الموجود الخارجيّ. واتّحد مفهوم «قائم» مع «زيد» أيضاً. وبناءً على ذلك، فإنّ هذا الموجود الخارجيّ ينطبق عليه المفهومان «قائم» و«زيد».
وبعد أن استبانت هاتان المقدّمتان نقول: لا ريب أنّ مفهوم صيغة مَفْعَل يختلف عن مفهوم صيغة أفْعَل التفضيل؛ ولكنّهما كثيراً ما يتّحدان في المصداق. وعلى هذا، إذا قلنا: فُلَانٌ مَوْلَى فُلَانٍ، وأردنا من المولى أفعل التفضيل، صحّ الحمل الشائع الصناعيّ هنا، وإذا قلنا: المَوْلَى هو الأوْلَى، صحّ الحمل الشائع أيضاً.
وإذا قلنا: فُلَانٌ لَيْسَ مَوْلَى فُلَانٍ، وكان المراد من الموْلَى أفعل التفضيل، صحّ الحمل الشائع أيضاً. وكذلك إذا قلنا: المَوْلَى لَيْسَ الأوْلَى، فلا يصحّ الحمل الشائع، بل يصحّ الحمل الأوّليّ، ذلك أنهما ليسا متّحدي المفهوم. كما أنّ قولنا: زَيْدٌ لَيْسَ بِقَائِم لا يصحّ على الحمل الشائع، ويصحّ على الحمل الأوّليّ؛ عند ما يكون زيد قائماً في الخارج.
استبان ممّا عرضناه أنّ كلًّا من الفخر الرازيّ، والعلّامة الأمينيّ في زاوية واحدة من البحث، ويثبتان شيئاً لا ينبغي لهما أن يثبتاه؛ وينفيان شيئاً لا ينبغي لهما أن ينفياه.
يقول الفخر الرازيّ: المَولَى لَيْسَ الأوْلَى. وهو أمرٌ صحيح بحسب الحمل الأوّليّ الذاتيّ، بَيدَ أنه غير صحيح بحسب الحمل الشائع؛ لأننا لا نعتزم إثبات الاتّحاد بين مفهوميهما. بل نطلب الاتّحاد الوجوديّ في الخارج لمثل قولهم: زَيْدٌ انْسَانٌ؛ وهذا المعنى يتمّ بالحمل الشائع أيضاً، لأنّ الاتّحاد المصداقيّ والخارجيّ لمعنى المَوْلَى مع معنى الأوْلَى يكفي لإثبات الولاية. بَيدَ أنّ الفخر الرازيّ يريد أن يستنتج عدم الاتّحاد بين المصداقين من عدم الاتّحاد بين المفهومين؛ ولذلك ظنّ تمسّك الشريف المرتضى باطلًا. وهذا الكلام خاطئ.
يقول العلّامة الأمينيّ: المَوْلَى هُوَ الأوْلَى. وهذا صحيح بحسب الحمل الشائع الصناعيّ، ولكنّه غير صحيح بحسب الأوّليّ الذاتيّ، لعدم الاتّحاد بين مفهوميهما. وحسبنا الإتّحاد المصداقيّ. بَيدَ أنّ العلّامة الأمينيّ يريد أن يستنتج الاتّحاد بين المصداقين من الإتّحاد بين المفهومين، ويقول: لمّا كان المفهومان شيئاً واحداً، فمفهوم الأولويّة ينطبق على الإمام عليّ عليه السلام في الخارج. وهذا خطأ، لأننا في غنًى عن الإتّحاد المفهوميّ من أجل الاتّحاد المصداقيّ. دع المفهومين: المَوْلَى، والأوْلَى يتباينان فيما بينهما، واسم المكان يتفاوت مع أفعل التفضيل، ولكن بعد الاتّحاد المصداقيّ، والحمل الشائع، وانطباق معنى الأولى على عليّ عليه السلام في الخارج بعد عدم إمكان انطباق المعاني الاخرى المذكورة للمَوْلَى، فإنّ الإمامة تثبت للإمام عليه السلام؛ ولا مناص لمنكري الولاية من الإقرار بذلك.
واستبان ممّا عرضناه إلى الآن أنّ حقيقة لفظ المَوْلَى عند العلّامة الأمينيّ بمعنى الأولى بالشيء، ولكنّ حقيقتها عند الحقير أنها اسم مكان لموضع فيه حقيقة الولاية. والولاية- كما بيّناها مراراً- ارتفاع الحجاب بين شيئين بحيث لا يفصل بينهما ما ليس منهما. وكافّة المعاني المذكورة للمَوْلَى، والوَلِيّ، والأولَى، وغيرهما هي بواسطة هذا المعنى الذي يستعمل في كلّ مصداق من المصاديق عبر انطباق هذا المعنى عليه. وَأشْهَدُ أنَّ عَلِيَّاً وَلِيّ اللهِ؛ أي: أشهد أنّ عليّاً قد بلغ درجة، وتسنّم منزلةً ارتفع فيها الحجاب بينه وبين الله في مقام العبوديّة المحضة، وهذا هو معنى الولاية الكاملة، وهذا هو معنى العبوديّة التامّة. اللهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ المُتَمَسِّكِينَ بِوَلَايَتِهِ. وفي هذا المقام تقع الولاية التي تمثّل مظهر تجلّي جميع الصفات والأسماء الإلهيّة الكلّيّة، ومنشأ ظهور الجمال والجلال، مرآةً وآيةً عظيمةً لا تُظهر نفسها بل تُظهر الله، فهي تقتبس من الله، وتفيض على ما سوى الله.
[1] الآية11، من السورة 14: إبراهيم.
[2] الآية110، من السورة 18: الكهف.
[3] الآية20، من السورة 19: مريم.
[4] «الغدير» ج 1، ص 359.
[5] «شرح المواقف» للإيجيّ ص 612.