الشاهد والدليل على أنّ المراد من المَوْلَى في حديث الغدير، الإمامة والولاية الكلّيّة، قول رسول الله صلّى الله عليه وآله قبل عرض هذه الفقرة من الخطبة، إذ خاطب الناس وسألهم باسلوب الاستفهام التقريريّ: ألَسْتُ أوْلَى بِكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ؟ قالوا: بلى. وعلى هذا الأساس فرّع كلامه قائلًا: فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ.
ولمّا كانت عبارته صلّى الله عليه وآله: ألَسْتُ أوْلَى بِكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ نتيجة متفرّعة عن الآية القرآنيّة الكريمة: {النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ}.[1] التي تبيّن أنّ ولاية النبيّ على المؤمنين أكثر من ولايتهم على أنفسهم؛ وهذه الولاية تعني بلا شكّ الأولويّة من جميع الجهات الروحيّة والمادّيّة، والظاهريّة والباطنيّة، والدينيّة والدنيويّة؛ فعلى هذا، فإنّ المراد من الاستفهام التقريريّ الذي أثاره رسول الله بقوله: ألَسْتُ أوْلَى بِكُمْ هو هذا الضرب من الولاية. وفي ضوء ذلك، فإنّ الولاية المعطاة لأمير المؤمنين في كلامه: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. ستكون هذه الولاية نفسها.
هذه الجملة الاستفهاميّة لرسول الله كحديث الولاية نفسه، ذكرها علماء الشيعة قاطبة، وذكرها أيضاً أعلام أهل السنّة وحفّاظهم، مثل: أحمد بن حنْبَل، والترمذيّ، وابن ماجَة، والنسائيّ، والطبريّ، والطَّبَرانيّ، وأبي حاتم، والدارقُطْنيّ، والذَّهَبيّ، والحاكم، وأبي نُعَيْم، والثَّعْلَبيّ، والبَيهَقيّ، والخطيب، والحَسْكَانيّ، وابن المَغَازِليّ، والسجستانيّ، والخوارزميّ، وابن عَسَاكِر، والبَيضاويّ، وابن الأثير، وأبي الفَرَج، والتفتازانيّ، والحَمُّوئيّ، والكنجيّ، والإيجيّ، وابن صبّاغ، وابن حَجَر، والسيوطيّ، ذكرها هؤلاء وكثيرون غيرهم في كتبهم. وقد أحصى أسماء هؤلاء الأعلام من أهل السنّة العلّامة الأمينيّ في أربعة وستّين شخصاً.[2]
وفي ضوء ذلك، فإنّ هذه المقدّمة الاستفهاميّة نفسها قد بلغت وحدها حدّ التواتر، وكثير من صحابة النبيّ صلّى الله عليه وآله الذين رووا حديث الولاية، نقلوا هذه المقدّمة معه.
ونقول الآن: المراد من المَوْلَى في حديث الولاية، الأوْلَى في مقدّمة هذه الخطبة عبر الاستفهام الذي أثاره رسول الله. وبعبارة اخرى فإنّ قوله: ألَسْتُ أوْلَى بِكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ وقوله: فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ ذوا معنى واحد، وإلّا لانفصلت الجملة الاولى عن الثانية، وأصبحت بلا مغزي، وسقطت عن درجة البلاغة.
والشاهد على هذا الموضوع هو أنّ كثيراً من الأعلام الذينَ نقلوا الحديث- كما رأينا في تضاعيف الكلام ضمن الدروس السابقة- نقلوه بهذه العبارة، وهي أنّ رسول الله قال بعد طرحه السؤال: ألَا فَمَنْ كُنْتُ أوْلَى بِهِ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ، وهذه الجملة تشعر بالارتباط بين الجملتين الاستفهاميّة والإخباريّة اللتين قالهما رسول الله.
يقول الحافظ أبو الفرج يحيي بن سعيد الثقفيّ الإصفهانيّ في كتاب «مَرَجُ البَحْرَينِ» بعد نقل المقدّمات المتعلّقة بخطبة الغدير: أخذ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بِيَدِ عليّ وقال: مَنْ كُنْتُ وَلِيَّهُ وَأوْلَى بِهِ مِنْ نَفْسِهِ فَعَلِيّ وَلِيُّهُ.
ويقول سبط بن الجوزيّ بعد ترجيحه معنى الأولَى في حديث الغدير: المراد من المَوْلَى في الحديث الطاعة المحضة المخصوصة، والأوْلَى، فيكون المعنى: مَنْ كُنْتُ أوْلَى بِهِ مِنْ نَفْسِهِ فَعَلِيّ أوْلَى بِهِ.[3]
ويقول ابن طلحة الشافعيّ: يرى جماعة أنّ المراد من الحديث، الأولويّة.[4]
نستخلص ممّا عرضناه عدم صحّة ما قاله بعض العامّة من أنّ دلالة تقديم ألَسْتُ أوْلَى بِكُمْ، على مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ على الولاية التامّة والإمامة تتمّ عند ما لا يستتلي الحديث دعاءُ رسول الله: اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ. وهذا الدعاء الدالّ على موالاة أولياء عليّ. الوارد بلفظ «وَالِ» يفيدنا أنّ المراد من المَوْلَى، المحبّ أيضاً. وحينئذٍ لا تتمّ دلالة الحديث على الولاية.
فهذا الاستدلال غير صحيح لأنه يستند على أنّ المراد من قوله: اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، المحبّة أو النصرة. وليس كذلك، بل المراد هو المعنى الحقيقيّ للولاية. فمعنى اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ: اللهمّ تولَّ مَن يلتزم بولاية على! وتعهّد من انضوى تحت لواء عليّ بالرعاية والحماية! وقم بأمر من جعل عليّاً وليّ أمره! لأننا قلنا إنّ الولاية تعني رفع الحجاب، ويستعمل لفظ المَوْلَى والوليّ بالنسبة إلى الطرفين. ويقع تصريف الفعل في كلا الطرفين أيضاً. وكلمة «وَالِ» وهي فعل أمر تعني تعهّد بأمر الولاية، و«وَالاهُ» وهي صيغة الفعل الماضي تعني: انضوي تحت ولايته.
فهذه الفقرة من دعاء رسول الله، مضافاً إلى أنها لا تتنافي مع الولاية في المقدّمة والحديث، فهي تؤيّدها وتسدّدها.
ذلك لأنها أوّلا: أوجبت ولاية عليّ على جميع الناس بصيغة العموم، ودعت الجميع إلى اتّباعه وطاعته. وهذا المعنى ينسجم مع الولاية، لا مع المحبّة أو النصرة.
وثانياً: أمرت الناس كافّة بالمؤازرة والمعاضدة حتّى يتيسّر رفع العقبات التي تعترض إمامته وولايته، وذلك بغية ترسيخهما. ومن المعلوم أنّ الإمامة منصب عامّ يحتاج إلى مؤازرة الناس وطاعتهم؛ وإلّا فإنّ المحبّة والنصرة لا تحتاج عموميّتها إلى كلّ هذا التأكيد والإصرار.
وثالثاً: يمكن الاستدلال بهذه الفقرة على عصمته عليه السلام، لأنّ دعوة الناس عامّتهم بلا قيد وشرط إلى لزوم التَّوَلِّي والنُّصرة، والبراءة من الأعداء، ومن الخذلان وعدم الاهتمام بالأوامر والنواهي، لا معنى لها بدون تحقّق معنى العصمة وحقيقتها.
ويستبين ممّا عرضناه أنّ جعل قوله: وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ. عِدلًا وقرينةً لقوله: وَالِ مَنْ وَالاهُ ليس دليلًا على معنى المحبّة والنصرة من كلمة: وَالِ مَنْ وَالاهُ، لأنّ من لوازم عدم الولاية والبعد- طبعاً- ظهور الخصومة والعداء.
ناهيك عن أنّ كلّ جملة من الجمل المأثورة: مَنْ كُنْتُ مَولَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ، واللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ مستقلّة وحدها، ولها معنى خاصّ بها، وعلى فرض أنّ المراد من قوله: وَالِ مَنْ وَالاهُ، المحبّة والنصرة، فإنّ ظهور قوله: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ على الولاية الكلّيّة والإمامة بخاصّة مع تفريع قوله: أ لَسْتُ أوْلَى بِكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ؟ ثَابت في حدّ نفسه، ولا محلّ للتشكيك في حجّيّة الظهورات في المحاورات والكلمات.
الشاهد والدليل الآخر، العبارات الواردة في الخطبة، فكلّ واحدة منها تدلّ وحدها على أنّ المراد من كلمة المولى، الإمامة. وعلى هذا فكلّ واحدة منها قرينة للمعنى المنظور.
منها، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله دعا الناس إلى اتّباع الكتاب والعترة. وأطلق على هذين الاثنين: الثَّقَلين (والثقل يعني كلّ شيء نفيس) وذكر أنهما لن يفترقا حتّى يوم القيامة، وقال فيهما: فَلَا تُقَدِّموهُمَا فَتَهْلِكُوا! وَلَا تَقْصُروا عَنْهُمَا فَتَهْلِكُوا! أليس في التقدّم عليهما، والقصور عنهما معنى يمكن تصوره غير المعنى الوارد في مواطن الطاعة ولزوم الاتّباع ككتاب الله؟ ولزوم الطاعة من آثار الإمامة.
ومنها، أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله بعد أن أخذ من الناس الإقرار والاعتراف بتوحيد الله ورسالته، جعل ولاية أمير المؤمنين عليه السلام مترتّبة عليهما مباشرة. ومن الواضح البيّن أنّ اقتران الولاية برسالة الرسول، وتوحيد الله لا يعني شيئاً آخر غير الزعامة والإمامة. قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: يَا أيُّهَا النَّاسُ! بِمَ تَشْهَدُونَ؟ قَالُوا: نَشْهَدُ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ! قَالَ: ثُمَّ مَه؟! قَالُوا: وَأنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ! قَالَ: فَمَنْ وَلِيُّكُمْ؟! قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ مَوْلَانَا.
وضرب بيده يؤمئذٍ على عضد عليّ، فرفعها، وقال: مَنْ يَكُنِ اللهُ وَرَسُولُهُ مَولَاهُ فَإنَّ هَذَا مَوْلَاهُ.
إنَّ إلقاء نظرة خاطفة على هذه العبارات يبيّن لنا بجلاء أنّ ولاية عليّ هي ولاية الله ورسوله بنفس المعنى والمفاد، ولا تنفصل عنها أبداً. ولا يُتَصَوَّر معنى آخر غير هذا؛ وإلّا فالعبارة لغو، والكلام هراء.
وجاء في عبارة مأثورة عن أحمد بن حنبل قال فيها: فَقَالَ: أيُّهَا النَّاسُ! مَنْ أوْلَى النَّاسِ بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أنْفُسِهِمْ؟ قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ! قَالَ: إنَّ اللهَ مَوْلَايَ وَأنَا مَوْلَى المُؤْمِنِينَ وَأنَا أولَى بِهِمْ مِنْ أنْفُسِهِمْ فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. وكرّر الجملة الأخيرة ثلاث مرّات، وفي رواية أحمد ابن حنبل، أربع مرّات.
أجل، إنّ اقتران الولاية ووحدتها، واتّحاد سنخيّة الإمارة والأولويّة بين ولاية رسول الله وولاية أمير المؤمنين عليهما أفضل الصلوات والتحيّات في هذه الفقرات من الخطبة بديهيّ، ولا يحتاج إلى التفكير والتأمّل.
ومنها، أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله قال في بداية الخطبة: كَأني دُعِيتُ فَأجَبْتُ. أو: يُوشَكُ أنْ ادْعَى فَاجِيبَ. أو: ألَا وَإنِّي اوشِكُ أنْ افَارِقَكُمْ. أو: يُوشِكُ أنْ يَأتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَاجِيبَ.
وهذا النمط من الكلام يشعر أنّ أمراً مهمّاً للغاية لم يُبَلَّغ، وأنّ النبيّ كان يخشى أن يأتيه الموت، ولم يبادر إليه فيبقي دين الله ناقصاً ورسالته غير تامّة.
ونحن لا نلاحظ في هذه الخطبة إلّا الوصيّة بالعترة الطاهرة، ونصب أمير المؤمنين عليه أفضل صلوات المُصلّين. ولم تضمّ تعليماً آخر. ومن المعلوم أنّ ذلك الأمر المهمّ- الذي يخشى من عدم المبادرة إليه قبل حلول الأجل- ليس إلّا الولاية. وعلى هذا، فهل يمكن أن نفترض لهذه الولاية الواردة في الخطبة معنى آخر غير الإمامة والحكومة التي تمثّل الامتداد الطبيعيّ لإمامة رسول الله وإمارته. ونقول: إنَّها المحبّة والنصرة، مع وجود هذا القلق الذي كان يعانية رسول الله؟ حَاشَا وَكَلّا.
ومنها، أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله قال: وَلْيُبَلِّغُ الشَّاهِدُ الغَائِبَ. فلو كان المراد من الولاية النصرة أو المحبّة. مع فرض لزوم هذين الأمرين على المؤمنين، المستفاد من الكتاب والسنّة، فما معنى التأكيد على ضرورة إيصالها للغائبين؟ إذَن، يستبين لنا أنّ هذه الرسالة رسالة جديدة ومهمّة يتوجب على الشاهد إبلاغها الغائب.
بخاصّة ونحن نقرأ أنه صلّى الله عليه وآله أشْهَدَ الله بعد الإبلاغ، فقال: اللهُمَّ أنْتَ شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ أني قَدْ بَلَّغْتُ وَنَصَحْتُ! وإشهاد الله على هذا الأمر الذي تكرّر في هذه الخطبة: اللهُمَّ اشْهَدْ، اللهُمَّ اشْهَدْ دليل على أنّ أمراً جديداً قد حدث ذلك اليوم، ولم يكن قبله شيئاً مذكوراً.
ومنها، قول رسول الله صلّى الله عليه وآله في عقبى الحديث: اللهُ أكْبَرُ على إكْمالِ الدِّينِ، وإتْمامِ النِّعْمَةِ، ورِضَا الرَّبِّ بِرِسَالَتي وَالوَلَايَةِ لِعَلِّي بْنِ أبِي طَالِبٍ مِن بَعْدِي.[5]
وجاء في رواية مأثورة عن شيخ الإسلام الحَمُّوئيّ قوله: اللهُ أكْبَرُ على تَمَامِ نُبُوَّتِي وَتَمَامِ دِينِ اللهِ بِوَلَايَةِ عَلِيّ بَعْدِي. ومنها قول رسول الله بعد الفراغ من الخطبة: هَنِّئُوني! هَنِّئُونِي! إنَّ اللهَ خَصَّنِي بِالنُّبُوَّةِ وَخَصَّ أهْلَ بَيْتِي بِالإمَامَةِ!
وصريح العبارة إمامة أهل البيت، وفي طليعتهم عليّ بن أبي طالب عليه السلام. ومن المعلوم أنّ عقد الاجتماع يومئذٍ، ونصب خيمة مستقلّة لتقديم التهاني والتبريكات، وجلوس الإمام صلوات الله عليه في تلك الخيمة بوصفه أميرَ المؤمنينَ، ومفزع الناس، وأمر المؤمنين بالذهاب إلى تلك الخيمة وتقديم التهاني، وإرسال النبيّ صلّى الله عليه وآله زوجاته إليه لتقديم التبريكات والتهاني، كلّ اولئك دليل على تخويل الإمام منصب الإمارة والإمامة والولاية.
فلهذا رأينا الشيخين: أبي بكر، وعُمَر لمّا التقيا الإمام قاما بتهنئته بالولاية، وكلّ منهما يقول: بَخٍّ بَخٍّ لَكَ يَا بْنَ أبي طَالِبٍ! أصْبَحْتَ وَأمْسَيْتَ مَوْلَايَ وَمَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةً.[6]
ومنها، جاء التعبير عن الموقف يوم الغدير في أحاديث جمّة بلفظ النَّصْب، فقال رسول الله ما مضمونه: أمرني ربّي أن أنصب لكم إمامكم. وورد لفظ النَّصْب في كثير من طُرق الحديث مقروناً بلفظ الولاية أيضاً، وجاءت الولاية بوصفها نصباً، وفي ذلك دلالة على درجة تكون الحكومة مطلقة فيها لجميع أفراد الامّة، وهذا هو معنى الإمامة الملازم للأولويّة في الشؤون المتعلّقة بالامّة.
ويتبيّن هذا اللفظ درجة جديدة لأمير المؤمنين عليه السلام منّ الله بها عليه في ذلك اليوم، ولم يسبق بها. ولا يمكن أن تكون هذه الدرجة المحبّة والنصرة. فقد كانت هذه الدرجة موجودة منذ القديم، وهي واضحة بصورة عامّة لجميع أفراد المسلمين.
إنّ لفظ النَّصْب في موارد الإقامة هو لأمر الحكومة وتقرير الولاية. مثلًا يقولون: نصب السلطان فلاناً واليا وحاكماً على المحافظة الفلانيّة. ولا يقولون: نصبه محبّاً، أو ناصراً، أو محبوباً، أو مَنْصُوراً، وأمثال ذلك من العناوين التي يشترك فيها أفراد المجتمع كافّة. وهذا هو مقام الخلافة والإمامة والوصاية والقيام بالامور، الذي نصب رسول الله فيه عليّاً بأمر الله.
روى شيخ الإسلام الحَمُّوئيّ بسنده عن سُلَيم بن قَيس الهلاليّ، قال: رأيت عليّاً عليه السلام في مسجد رسول الله صلّى الله عليه وآله في خلافة عثمان رضي الله عنه وجماعة يتحدّثون ويتذاكرون العلم والفقه والحديث. ثمّ ذكر الحديث مفصّلًا حتّى بلغ قوله: «قام زَيد بن أرقم، والبَراء بن عَازِب، وسَلمان، وأبو ذرّ، والمِقداد، وعمّار، وقالوا: نشهد لقد حفظنا قول النبيّ صلّى الله عليه وآله وهو قائم على المنبر وأنت إلى جانبه وهو يقول: "يَا أيَّهُا النَّاسُ! إنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أمَرَنِي أنْ أنْصِبَ لَكُمْ إمَامَكُمْ وَالقَائِمَ فِيكُمْ بَعْدِي وَوَصِيَّي وَخَلِيفَتِي، وَالذي فَرَضَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ على المُؤْمِنِينَ في كِتَابِهِ طَاعَتَهُ، فَقَرَنَهُ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَتِي، وَأمَرَكُمْ بِوَلَايَتِهِ. وَإنِّي رَاجَعْتُ رَبِّي خَشْيَةَ طَعْنِ أهْلِ النِّفَاقِ وَتَكْذِيبِهِمْ فَأوْعَدَنِي لُابَلِّغَهَا (ظ) أوْ لِيُعَذِّبَنِي".[7]
وروى السيّد على شهاب الدين الهَمَدانيّ عن عُمَر بن الخطّاب أنه قال: نَصَبَ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، عَلِيَّاً عَلَمَاً، فَقَالَ: "مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ، اللهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ، وَاخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ، وَانْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ، اللهُمَّ أنْتَ شَهِيدي عَلَيْهِمْ".[8]
ومنها، أنّ ابن عبّاس قال بعد فراغ النبيّ من خطبته: وَجَبَتْ واللهِ في رِقَابِ القَوْمِ.[9]
إذا كان المراد من الولاية المحبّة أو النصرة، فهل يمكن أن نتصوّر وجهاً لكلام ابن عبّاس؟ ذلك أنّ أيّاً من النصرة والمحبّة لا يحتاج إلى الوجوب في الرقاب، بَيدَ أنّ منصب الإمامة والخلافة المستلزم للإمارة والحكومة يجب في رقاب من يريد التنصّل من المسئوليّة، وعدم الانضواء تحت لواء تلك الحكومة.
[1] فابتهجوا أيّها المؤمنون، و ارفلوا بالحرّيّة كالسرو و السوسن».
الآية6، من السورة 33: الأحزاب.
[2] «الغدير» ج 1، ص 371.
[3] «تذكرة الخواصّ» ص 20.
[4] «مطالب السَّئول» ص 16.
[5] «فرائد السمطين»، ج 1، ص 74، ح 40؛ و «شواهد التنزيل»، ج 1 ص 157. رواها بسنده عن الخوارزميّ متّصلًا عن أبي هارون العَبْديّ، عن أبي سعيد الخُدريّ، عن رسول الله صلّى الله عليه و آله.
[6]«فرائد السمطين» ج 1، ص 65، الباب 9، الرواية 30 و 31، و ص 71 الباب 11، الرواية 38، ص 71، و ص 77 الباب 13، الرواية 44؛ و «شواهد التنزيل» ج 1، ص 157، الرواية 120، و ص 158، الرواية 213؛ و «تاريخ ابن عساكر» ج 2، ص 48، الرواية 546 و 547، و ص 76، الرواية 577 و ص 78، الرواية 578، و ص 76، الرواية 575. و جاء في بعض روايات ابن عساكر: "أصبحتَ مَوْلَايَ وَ مَوْلَي كُلّ مُسْلِمٍ".
[7] «فرائد السمطين» ج 1، ص 315 و 316، الباب 58، الحديث 50.
[8] كتاب «مَوَدَّة القُربي»، حسب نقل «ينابيع الموَدَّة» ص 249، طبعة إسلامبول.
[9] «كشف الغُمَّة» عليّ بن عيسي الإربليّ، ص 94.