النهي في قوله: {فَلا تَخْشَوْهُمْ واخْشَوْنِ} فهو نهي إرشاديّ لا مولويّ. ومعناه أن لا موجب للخشية بعد يأس الكفّار الذين كنتم في معرض الخطر من قبلهم؛ لأنه من المعلوم أنَّ الإنسان لا يهمّ بأمر بعد تمام الياس من الحصول عليه ولا يسعى إلى ما يعلم أنه خطأ. فأنتم أيّها المسلمون في أمن من ناحية الكفّار، ولا ينبغي لكم مع ذلك الخشية منهم على دينكم! فلا تخشوهم على دينكم واخشوني!
بمقتضى سياق الآية: {فَلا تَخْشَوْهُمْ واخْشَوْنِ} يظهر أنَّ المراد بقوله: {وَاخْشَونِ}، أن اخشوني فيما كان عليكم أن تخشوهم فيه لو لا يأسهم. وهو الدين ونزعه من أيديكم؛ وهذا نوع من الخشية الخاصّة.
أي: عليكم أن تخشوني في الدين ونزعه من أيديكم. وهذا نوع تهديد للمخاطبين، ولهذا لم نحمل الآية على الامتنان.
ويؤيّد ما ذكرنا أنَّ الخشية من الله واجبة على أيّ تقدير من غير أن تتعلّق بوضع دون وضع، وظرف دون ظرف. ولو لم تكن خشية خاصّة في وضع خاصّ، فلا وجه للإعراض من قوله: {فَلا تَخْشَوْهُمْ} إلى قوله: {وَاخْشَوْنِ}. فهذه الآية تأمر بخشية خاصّة غير الخشية العامّة التي تجب على المؤمن على كلّ تقدير، وفي جميع الأحوال لا تخلو من نوع من التحذير والتهديد. فلننظر ما هي خصوصيّة هذه الخشية؟ وما هو السبب الموجب لوجوبها والأمر بها في هذه الآية الكريمة؟
لا شكّ أنَّ هاتين الفقرتين من الآية، أعني قوله: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ} ، وقوله: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} مرتبطتان مسوقتان لغرض واحد، كما أشرنا من قبل. فالدين الذي أكمله الله ذلك اليوم، والنعمة التي أتمّها- وهما أمر واحد بحسب الحقيقة- هو الذي كان يطمع فيه الكفّار ويخشاهم فيه المؤمنون، فأيأسهم الله منه، وأكمله وأتمّه للمؤمنين، ونهاهم عن أن يخشوهم فيه.
فالشيء الذي أمر الله المؤمنين بالخشية من نفسه فيه هو ذاك بعينه الذي أكمله الله وأتمّه. والخشية من الله فيه تتمثّل في أن ينزع الله الدين من أيديهم، ويسلبهم هذه النعمة الموهوبة.
ونعلم أنَّ الله بيّن في القرآن الكريم أن لا سبب لسلب النعمة إلّا الكفر بها، وهدّد الكفور أشدّ التهديد، فقال جلّ من قائل: {ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}.[1]
وقال تعالى: {وَ مَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ}.[2]
وضرب الله تعالى في القرآن الكريم مثلًا عامّاً لنعمه التي ينعم بها على عباده، وما يؤول إليه أمر الكفر بها، فقال: {وَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ والْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ}.[3]
وفي ضوء ما قيل فإنَّ قوله: {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ} إلى قوله: {وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً} يؤذِن بأنَّ المسلمين في أمن من جهة الكفّار وهم مصونون من الخطر المتوجّه من قبلهم، وأنهم لا يتسرّب إليهم شيء من الفساد والهلاك إلّا من قبل المسلمين أنفسهم. وأنَّ ذلك إنَّما يكون بكفرهم بهذه النعمة التامّة ورفضهم هذا الدين الكامل. وحينئذٍ يسلبهم الله نعمته ويغيّرها إلى النقمة؛ ويذيقهم لباس الجوع والخوف.
أجل قد فعل المسلمون ذلك ففعل الله بهم أيضاً. تغيّروا فغيّر الله نعمته. ومن أراد الوقوف على مبلغ صدق هذه الآية وإخبارها بالغيب المستفاد من قوله {فَلا تَخْشَوْهُمْ واخْشَوْنِ}، فعليه أن يتأمّل في انحطاط العالَم الإسلاميّ هذا اليوم، ثمّ يرجع القهقرى، فيتصفّح التأريخ، ويحلّل أحداثه واحداً بعد الآخر حتّى يحصل على اصول القضايا وجذورها بعد وفاة الرسول الأعظم.
[1] الآية 53، من السورة 8: الأنفال.
[2] الآية 211، من السورة 2: البقرة.
[3] الآية 112، من السورة 16: النحل.