قال الله الحكيم في كتابه الكريم: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ورَسُولِهِ واتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ، يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ولا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ}.[1]
إنَّ الفطرة والعقل والشرع كلّ اولئك يحكم بأنَّ تدخّل الإنسان في عمل ليس من شأنه، بعيد عن الصواب. أي: أنَّ القوى الثلاث: القلب، والعقل، والدين، كلّها تُجمع على أنَّ تدخّل الإنسان في الشؤون الدينيّة والشرعيّة الخارجة عن نطاق إدراكه وقابليّته خطأ يجرّ للويلات والفساد.
إنَّ تعيين الإمام، أي: تخويل الاختيار المعنويّ: القلبيّ والروحيّ والعقليّ والطبيعيّ للمجتمع إلى إنسان أسير الآراء النفسانيّة والأفكار الشيطانيّة كما هي طبيعة الناس الملوّثين بالهوي والشهوات، خروج عن منطق العقل. ذلك أنَّ الحقّ في ضوء المنطق القرآنيّ ينبغي أن يكون هو المرجع والمدار في العمل، ولا يحدّده إلّا الحقّ نفسه. ولا يمكن أن يكون انتجاب الإمام على أساس آراء وأهواء الناس المرتكزة على الميول النفسانيّة التي لا تتمسّك بالحقّ ميزاناً لتشخيص الوصول إلى الواقع واجتذاب الحقيقة. ولو قُدّر أن يكون تعيين الإمام بيد الناس وعزله وتنصيبه- عند عدم استقامته وخطأه أو عند استقامته وعدم خطأه- بيد الناس، فحينئذٍ يصبح الناس أئمّة أنفسهم حقّاً. والنتيجة التي هي تابعة لأخسّ المقدّمتين تهبط بقيمة تلك الحقيقة عند الناس. أي: أنَّ تلك الحقيقة والمعنى والارتباط بعالم الأمر، كلّ ذلك يزول ويفني، ولا يبقى إلّا آراء الناس العاديّة دليلًا وموجّهاً للجماهير، بينما نحن نعلم أنَّ الإمامة غير منفصلة عن الولاية، والسياسة مقترنة مع المعنويّة وحقيقة الربط بعالم الملكوت.
وقد أشار شاعر أهل البيت ابن حمّاد العَبْديّ إلى هذه الحقيقة في شعره، وأتى بها عبر عرض الصغرى والكبرى والنتيجة المطلوبة، فقال:
وَقَالُوا رَسُولُ اللهِ مَا اخْتَارَ بَعْدَهُ *** إمَامَاً ولَكِنَّا لأنْفُسِنَا اخْتَرْنَا
أقَمْنَا إمَامَاً إنْ أقَامَ عَلَى الهُدَى *** أطَعْنَا وإنْ ضَلَّ الهِدَايَةَ قَوَّمْنَا
فَقُلْنَا إذَنْ أنْتُمْ إمَامُ إمَامِكُمْ *** بِحَمْدٍ مِنَ الرَّحْمَنِ تِهْتُمْ ولَا تِهْنَا
وَلَكِنَّنَا اخْتَرْنَا الذي اخْتَارَ رَبُّنَا *** لَنَا يَوْمَ خُمٍّ مَا اعْتَدَيْنَا ولَا حِلْنَا
سَيَجْمَعُنَا يَوْمَ القِيَامَةِ رَبُّنَا *** فَتُجْزَوْنَ مَا قُلْتُمْ ونُجْزَى الذي قُلْنَا
هَدَمْتُمْ بِأيْدِيكُمْ قَوَاعِدَ دِينِكُمْ *** ودِينٌ عَلَى غَيْرِ القَوَاعِدِ لَا يُبْنَى
وَنَحْنُ على نُورٍ مِنَ اللهِ وَاضِحٍ *** فَيَا رَبِّ زِدْنَا مِنْكَ نُورَاً وثَبِّتْنَا[2]
[1] الآيتان 1 و2، من السورة 49: الحجرات.
[2] «مناقب ابن شهرآشوب» ج 1، ص 181 و182، عن العبديّ، ويقصد به في كلامه: سفيان بن مصعب العبديّ الكوفيّ.