المؤاخذة التي سجّلوها على الإمام فهي أنه يريد الإمامة والحكومة. وتلاحظ هذه المؤاخذة في كلام عمر أيضاً. فعند ما طعنه أبو لؤلؤة بخنجره، ودنا أجله، طلبوا منه أن يستخلف، فعيّن شورى تتألّف من ستّة أشخاص وطلب منهم أن يختاروا من بينهم أحداً للخلافة. وهؤلاء الستّة هم: عَلِيّ بْنُ أبِي طَالِبٍ، عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانٍ، طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْد اللهِ، الزُّبَيْرُ بْنُ العَوَّامِ، سَعْدُ بْنُ أبِي وَقَّاصٍ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ.
ثمّ طلبوا منه أن يبدي رأيه فيهم حتّى يعرفوا منزلتهم ويفيدوا من رأيه في هذا المجال فيتّبعوه.
وكان هؤلاء الستّة حاضرين في المجلس إلّا طلحة. فذكر عمر سبب عدم تعيين أحد منهم بالتخصيص، وقال: واللهِ مَا يَمْنَعَنِي مِنْكَ أنْ أسْتَخْلِفَكَ يَا سَعْدُ إلَّا شِدَّتُكَ وغِلْظَتُكَ مَعَ أنكَ رَجُلٌ حَرْبٌ. ومَا يَمْنَعَنِي مِنْكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ إلَّا أنكَ فِرْعَوْنُ هَذِهِ الامَّةِ. ومَا يَمْنَعَنِي مِنْكَ يَا زُبَيْرُ إلَّا أنكَ مُؤْمِنُ الرِّضَا كَافِرُ الغَضَبِ. ومَا يَمْنَعَنِي مِنْ طَلْحَةَ إلَّا نَخْوَتُهُ وكِبْرُهُ، ولَوْ وَلِيَهَا وَضَعَ خَاتَمَهُ في إصْبَعِ امْرَأتِهِ، ومَا يَمْنَعَنِي مِنْكَ يَا عُثْمَانُ إلَّا عَصَبِيَّتُكَ وحُبُّكَ قَوْمَكَ وأهْلَكَ، ومَا يَمْنَعَنِي مِنْكَ يَا عَلِيّ إلَّا حِرْصُكَ عَلَيْهَا، وأنكَ أحْرَى القَوْمِ إنْ وَلِيْتَهَا أنْ تُقِيمَ عَلَى الحَقِّ المُبِينِ والصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ.[1]
نلحظ في كلام عمر أنه ذكر لكلّ واحد من هؤلاء صفة مذمومة إلّا عليّ بن أبي طالب. والحقّ هو أنَّ الرئيس ينبغي أن يكون منزّهاً من هذه الصفات. أمّا أمير المؤمنين عليه السلام فإنَّه يقرّ بأحقّيّته وأولويّته وجدارته في هداية الناس إلى الصراط المستقيم والحقّ المبين، غير أنه يراه- بزعمه- حريصاً على الإمارة، بيد أننا نسأل: هل هذا الحرص مذموم كما خيّل إلى عمر، أو ممدوح كما سنبيّنه؟ فالموضوع جدير بالبحث والدراسة. وتوضيحاً لهذه الحقيقة نقول: إنَّ الحرص على الرئاسة، وبعامّة حبّ الرئاسة على ضربين:
الأوّل: اتّخاذ الرئاسة هدفاً، والسعي إلى بلوغها حبّاً للتحكّم في الناس والتسلّط على الضعفاء لا غير، بحيث إنَّ الإنسان يحلو له أن تكون أوامره ونواهيه نافذة، وكلامه مطاعاً، ويكون بعض الناس عبيداً له، فيشعر بالسرور من أجل ذلك. ويغترّ ويتباهى عند ما يشاهد أنصاراً يلتفّون حوله. ويرى أنَّ فقد هذه الرئاسة يمثّل ضعفاً ونقصاً.
هذا الضرب من الرئاسة ناتج عن الحسّ الاستكباريّ وحبّ الجاه ممّا يسفر عن الحجاب بين العبد وربّه، ويبعث على بروز القوّة الفرعونيّة، والتغافل عن مبدأ واجب الوجود، وظهور الظلم والعدوان؛ سواء ظلم الناس، أو ظلم النفس التي يحملها صاحب هذه القوّة. وبعبارة واضحة: خروج من القيم الإنسانيّة، وتعدّي حدود الله التي عيّنها لكلّ شخص.
الثاني: اتّخاذها وسيلة للنظر في امور العباد، وإقامة الحقّ ودفع الباطل، وترسيخ أحكام الله بين الناس، وبسط العدل في ربوع الأرض، وإغاثة المظلومين، وقمع الظالمين والمعتدين، وتطهير الأرض من الفحشاء والمنكر، وفسح المجال للناس كي ينعموا بالحرّيّات التي يرضاها الله، وعبادة الله عبادة خالصة لذاته المقدّسة تعالى شأنه، وتمتّع عامّة الناس بالمواهب الإلهيّة: المادّيّة والروحيّة، الدنيويّة والاخرويّة، الظاهريّة والباطنيّة، بحيث إنَّهم يعيشون منعّمين تحت راية العدل والتوحيد، وفي ظلّ الهدوء والسكينة والطمأنينة، وهم يقضون أعمارهم التي تمثّل أفضل تحفة إلهيّة، ثمّ ينتقلون من هذه الدار الفانية إلى تلك الدار الباقية وهم مسرورون بتحقّق طموحاتهم.
وهذا الضرب من حبّ الرئاسة- عند ما يتوفّر الإنسان الأفضل الذي ينظر في امور الناس، ويقوم بهذه الامور على أحسن وجه- حسن ومحمود، بل هو من الصفات الحميدة والطباع الفطريّة التي وهبها الله، ويبعث على الكمال، ويرفع الإنسان من حضيض المادّة إلى عالم التجرّد والملكوت. ذلك أنَّ شرط هذه الرئاسة، التحرّر من هوى النفس، والاتّصاف بالصفات والأسماء الإلهيّة.
وهذا الضرب يماثل صفة الرحمة التي أودعها الله في الأب تماماً، فيسعى في تربية ابنه، ويبذل قصارى جهده في سبيل حفظه من الآفات والعاهات، ولا يضنّ عليه بمساعيه الجميلة بغية تنميته وترقيته. وإذا لم يمارس مثل هذه الرئاسة بحقّه، وبالتالي يهمل ولده ولا يعتني به، فإنَّه يجني عليه بتعريضه للأمراض، والهلاك، والنقص العلميّ والروحيّ، ونضوب القيم الإنسانيّة الرفيعة. ويكون مسؤولًا ومؤاخذاً على ذلك في حساب العقل والضمير من جهة، وحساب العقلاء من جهة اخرى، وحساب الشرع من جهة ثالثة.
فالإمامة والرئاسة على الناس إذا مارسها إنسان كفوء قد عبر من هوى النفس. والجزئيّة والتحق بالكلّيّة، فهي على هذه الشاكلة. إذ إنَّ الرئيس بهذه المواصفات، أب للُامّة. وهو مديرها ومربّيها والمشرف على شئونها، والمتحمّس من أجل مصلحة أفرادها جميعهم، لا يخلد إلى الراحة لحظة واحدة، ولا يغفل عن تدبير شئون الناس آناً واحداً.
وهو يرى أنَّ الإمامة والرئاسة مهمّة وجدانيّة وعقليّة وشرعيّة، فيسعى إلى بلوغها، ولا يقرّ له قرار، ولا يمكن أن يقرّ له قرار إلّا بتحقيق ذلك.
وكان نبيّنا الأكرم، وأمير المؤمنين عليهما الصلاة والسلام أبَوَي هذه الامّة. أنَا وعَلِيّ أبَوَا هَذِهِ الامَّةِ. وكما أنَّ الرسول الأعظم كان بنصّ القرآن الكريم حريصاً على هداية الناس وإرشادهم إلى التوحيد حريصاً على إقرار العدل بين الناس، فكذلك صنوه ونظيره ووزيره وأخوه عليّ بن أبي طالب. فليس له أن يخلد إلى الدعة والسكون، تاركاً حبلها على غاربها.
[1] «الإمامة والسياسة» لابن قتيبة الدينوريّ، ص 23 و24، طبعة مصر، سنة 1328 هـ.