(أ) ملخصها
اتهم الكذب الصدق بتهمة كانت نتيجتها أن حُكِم على الصدق بالعمى، ووافق «تاسوع الآلهة» على ذلك الحكم، ويظهر أن هذه التهمة كانت تنحصر في أن الكذب أودع عند أخيه الصدق مدية يحتفظ بها أمانة عنده، ولكنها لسبب ما فُقِدت أو تلفت، وأراد الصدق أن يعوض أخاه عنها بأخرى مثلها، ولكن أخاه الكذب كان يتعلل بعلل مختلفة، وكان يخلع على مديته أوصافًا تضخِّم من شأنها، وتُعجِز الصدق عن الإتيان بمثلها، فقال عنها: إن جبال «إيل» سلاحها، وأشجار «قفط» مقبضها، وقبر «الإله» قرابها، وماشية «كار» رباطها. فعجز الصدق طبعًا عن رد مثل هذه المدية، فحكم عليه «تاسوع الآلهة» بالعمى كما أراد الكذب. وبعد ذلك رغب الكذب في أن يقضي على حياة أخيه، ولكنه نجا من حبائله وأخذ الصدق مكانه تحت سفح جبل، فرأته خادم وأعجبت بجماله وأشفقت عليه، فأخبرت سيدتها بأمره وأحضرته إليها، فأعجبت به، واتصل بها اتصال الرجل بامرأته، فأنجبت طفلًا جميلًا اقتصَّ لأبيه بعد أن نما وأيفع، وأوقع به بمثل المكيدة التي دبَّرَها الكذبُ لأبيه، وانتهى الأمر بإعماء الكذب وانتصار الصدق عليه.
(ب) دراسة القصة
لا شك أن القارئ يلمح شبهًا بين هذه القصة وقصة الأخوين في الهدف الذي ترمي إليه كلٌّ منهما، وترجع كلتاهما إلى عهد الرعامسة، وأسلوب القصة بسيط، وتعبيراتها متشابهة مملة، وهي فقيرة في ثروتها اللغوية؛ وتلك سمة عُرِفت عن هذا العصر المتأخر، كما تمتاز بأن أسماء أبطالها ليست من أسماء البشر، بل من الآلهة أو غيرهم، وفيها شيء من خوارق العادات فيما يتصل بالسكين والثور. ولقد أبانت لنا بعض عادات للمصريين القدماء في عهد الرعامسة، كاستخدام عمى الرجال في حراسة الأبواب، وإيداع الثور عند راع مقابل أجر ضئيل، كما وضعت لنا صورة حية تمثل حياة الفلاح المصري في ذلك العصر، والحياة المدرسية التي تشبه حياة المدارس في عصرنا الحالي. ومما استرعى اهتمامنا أسماء بطلي القصة «الصدق» و«الكذب» اللذين خلعا على الأخوين المتخاصمين، ولم يكن ذلك منتظرًا؛ لأن كلمة «صدق» أو «عدالة» في اللغة المصرية القديمة من الأسماء (1) المؤنثة، على أن إطلاق الأسماء المعنوية على الصور الحسية من الأمور الشائعة من قديم الزمان، فعندك الإلهة «ماعت» التي تدل على «الصدق»، «العدالة»، «الحق»، وهذا أقدم مثال للكناية، وقد استعمله «جون بنيان» (2) في كتابه المشهور Pilgrim’s Progress.
ومغزى القصة في إظهار الفوارق الأخلاقية بين الصدق والكذب.
وإذا دقَّقنا البحث في موضوعها لمحنا في ثناياه صورة أخرى لخرافة «حور» و«ست»: فالأخ الأكبر هو الذي يتحلى بالفضيلة، وهو الذي يتآمَر على قتله أخوه الصغير الشرير كما نرى في «أوزير وست»، والابن الذي جاء ينتقم لأبيه في قصتنا يعادل «حور» بن «أوزير» (3) في تلك، والخلاف في مسلك الأم فيهما.
ومما يثبت لنا أن هذه الخرافة صدى مشوَّه لأسطورة «أوزير»، تلك المحكمة التي انعقدت من «التاسوع الإلهي» (4)، ونظرت في شكاية كلٍّ من الصدق والكذب حينما رفع كلاهما الأمر إليها.
ومن التفاصيل الساذجة فيها استعمال القَسَم التقليدي الذي كان يُستعمَل دائمًا من بداية الأسرة الثامنة عشرة حتى نهاية الأسرة العشرين، وهو القَسَم «بحياة آمون وبحياة الأمير»، وهذا مما يقفنا على تاريخ هذه الورقة على وجه التقريب.
(ﺟ) المصادر
(1) H. Gardiner, Late Egyptian Stories, Brussels 1932 P. 30–6.
(2) Erman. Forschungen und Forschnitte eighth year no. 4 (Feb., 1932) P. 43-4.
(3) Gardiner, Hieratic Papyri in the British Museum Vol. I Text P. 2 ff.
(د) متن القصة
(ومن ثَمَّ يقول النص):
وعندئذٍ قال «الكذب» للتاسوع: دعوا «الصدق» (يحضر) ثم تعمى عيناه الاثنتان، ثم اجعلوه حارس باب منزلي، ولقد فعل التاسوع وفق كل ما قاله.
وبعد أن انقضت عدة أيام على ذلك رفع «الكذب» عينه ليشاهد، فرأى فضيلة «الصدق»، أخاه الأكبر.
وعندئذٍ قال «الكذب» لعبدين من عبيد «الصدق»: خَذَا سيدكما واقذفا به إلى أسد شرير معه عدة لبؤات رفيقات له، ودعاها (تلتهمه).
(وعندئذٍ أخذه العبدان)، وبينما هما يصعدان معه إذ قال «الصدق» لخادميه: لا تأخذاني لأجل أن تضعا آخر …
هنا نجد أن الجزء الأكبر من الصفحة الثانية قد ضاع، وقد تركت لنا بعض جمل، غير أنه من الصعب أن يفهم الإنسان منها معنى متصلًا، ومن المحتمل أن ثلاثة الأسطر والنصف الأولى تقص كيف أن الخادمين قبلا رجاء «الصدق»، وكيف أنهما تفاديا الأسئلة التي وجَّهَها إليهما «الكذب» عند عودتهما. والفقرة التالية كذلك تضع أمامنا مسائل معقَّدَة، غير أنه يظهر أنها تخبرنا كيف أن خادمة للسيدة التي أصبحت فيما بعدُ والدة ابن «الصدق» (وقد فُقِد اسمها في كل مكان من الفقرة)؛ قد وجدت «الصدق» راقدًا تحت سفح تل، وقد تعجبت من جماله فذهبت لتخبر سيدتها بالأمر، وها هي ذي العبارة بنصها:
وبعد مضي عدة أيام على هذه الأشياء خرجت السيدة … من بيتها … وشاهدته نائمًا تحت سفح التل، وقد رأت جماله ولم يكن له مثيل في الأرض قاطبةً، وقد ذهبوا (؟) إلى المكان الذي فيه اﻟ … وكانت السيدة (تقول) تعالَ معنا وانظر … نائمًا تحت سفح التل، ودعهم يأخذوه ويجعلوه حارس باب بيتنا.
(وعندئذٍ) قالت السيدة لها (أي للخادمة): اذهبي وأحضريه حتى أراه. فذهبت وأحضرته، ولما رأته السيدة رغبت فيه كثيرًا؛ لأنها رأت جمال جسمه (؟)، ونام معها في الليل، وعرفها معرفة الذكر لأنثاه، فحملت منه على أثر ذلك في هذه الليلة في طفل صغير.
وبعد مضي عدة أيام على هذه الأشياء وضعت غلامًا، ولم يكن له مثيل في الأرض قاطبةً، وقد كان أكبر من … وقد كان يشبه الإله الفتى، وقد وضعوه في المدرسة، وتعلَّمَ الكتابة بتفوق كما تعلَّم كل فنون الحرب، وتفوَّقَ على أقرانه ممَّن هم أكبر منه سنًّا في المدرسة.
وعندئذٍ قال له زملاؤه: ابنُ مَن أنت؟ إنك بدون أب. ثم سبُّوه وضايقوه قائلين: حقًّا إنك بدون أب.
وعندئذٍ قال الولد لأمه: ما اسم والدي حتى يمكنني أن أقوله لزملائي؛ لأنهم يضايقونني كثيرًا بقولهم: أين والدك؟ وهكذا يقولون لي ويؤلمونني.
عندئذٍ قالت والدته له: هل ترى ذلك الأعمى الذي يجلس بجوار الباب؟ هذا هو والدك، وهكذا قالت له.
عندئذٍ قال لها: كان خيرًا لكِ أن تجمعي أقاربك حتى يطلبوا تمساحًا ليحاسبك (ليلتهمك). ثم أخذ الولد والده وأجلسه على كرسي، ووضع مسندًا تحت قدميه، ووضع أمامه خبزًا، وجعله يأكل ويشرب.
وعندئذٍ قال الولد لأبيه: مَن أعماك حتى أنتقم لك؟ فقال له: إن أخي الصغير أعماني. ثم أخبره بكل ما حدث له.
فذهب الولد لينتقم لأبيه، ثم أخذ عشرة أرغفة وعصا، وحذاء، وقربة ماء، وسيفًا، ثم أحضر ثورًا جميل المنظر وذهب إلى المكان الذي فيه راعي «الكذب» وقال له: خُذْ هذه الأرغفة العشرة وهذه العصا وتلك القربة وهذا السيف وهذا الحذاء، وارعَ هذا الثور لي حتى أعود من المدينة.
وبعد مضي عدة أيام على هذه الأشياء كان ثوره قد أمضى عدة شهور مع قطيع ثيران «الكذب».
وعندئذٍ ذهب «الكذب» إلى الريف ليرى ماشيته، فرأى ثور الولد هذا، وقد كان جميلًا جمالًا فائقًا.
وعندئذٍ قال لراعيه: أعطني هذا الثور لآكله. فقال له الراعي: إنه ليس ملكي … وليس في مقدوري أن أعطيك إياه.
وعندئذٍ قال له «الكذب»: انظر، إن ماشيتي كلها معك، أعطِ واحدة منها صاحبه.
وعندئذٍ سمع الولد أن «الكذب» قد أخذ ثوره، فحضر إلى المكان الذي فيه راعي «الكذب» وقال له: أين ثوري؟ إني لا أراه بين الماشية.
عندئذٍ قال له الراعي: إن الماشية كلها هنا أمامك، خُذْ منها ما يحلو لك.
عندئذٍ قال الولد له: هل هناك ثور كبير مثل ثوري؟ فإنه إذا وقف في «بالامون» (5)، فإن شعر ذيله يرتكز على سيقان (6) البردي (في نهاية الدلتا)، وقرنه على جبل الغرب، وقرنه الآخَر على جبل الشرق، والنهر العظيم يكون موضع راحته، ويُولَد له ستون عجلًا كل يوم.
عندئذٍ قال له الراعي: هل هناك ثور بالحجم الذي قلته؟ فأمسك به الولد، وذهب به إلى المكان الذي فيه «الكذب»، ثم أخذ «الكذب» إلى المحكمة في حضرة التاسوع.
عندئذٍ قالوا للولد: إنك على خطأ، إننا لم نرَ قطُّ ثورًا بالحجم الذي ذكرته.
عندئذٍ قال الولد للتاسوع: وهل هناك سكينة بالحجم الذي ذكرتموه، سلاحها جبل «إيل»، ومقبضها أشجار «قفط»، وقرابها قبر «الإله»، ورباطها ماشية «كار»؟
وعندئذٍ قال للتاسوع: احكموا بين «الصدق» و«الكذب»؛ لأني أنا ابن «الصدق» وسأنتقم له.
وعندئذٍ حلف «الكذب» يمينًا بالملك قائلًا: بحياة «آمون» وبحياة الأمير إنه إذا وجد الصدق حيًّا فَلْتُعْمَ عيناي الاثنتان، ولأصبح حارس بيت «الصدق».
عندئذٍ حلف الولد يمينًا بالملك قائلًا: بحياة «آمون» وبحياة الأمير إنه إذا وُجِد حيًّا فإنهم سيعاقبون الكذب … وسيضربونه مائة جلدة، وسيجرحونه خمسة جروح بالغة (7)، وسيعمون عينيه الاثنتين، وسيجعلونه حارس باب «الصدق».
ثم إنه … وبذلك انتقَمَ الولد لأبيه، ليحسم النزاع القائم بين «الصدق» والكذب … اﻟ … لقد أتت النهاية (طيبة).
...............................................
1- ظن بعض علماء اللغة أن الاسم هنا منسوب إلى الصدق — صدقي — وبذلك خرج عن كونه مؤنثًا، ولكن الصورة التي ورد بها في نسختنا ليست صورة الاسم المنسوب.
2- في كتاب «بنيان» سُمِّيت أشخاص روايته بأسماء رمزية مثل الحقد، والأمين، واليأس، والجبار، والعنيد … إلخ.
3- لاحظ الأستاذ دي بك العالِم الهولندي في الخطاب الهجائي — ورقة انستانس الأولى — أن «حور» قد سمَّى نفسه «حور بن ونفريس». وفي فقرة أخرى قال: «إني أنا ابن الصدق» مما يتفق مع تسمية «أوزير» بالصدق هنا.
4- أي مجموعة الآلهة التسعة.
5- بلدة تسمى البلمون وتقع في أقصى وسط شمال الدلتا.
6- اسم عام لمستنقعات شمال الدلتا.
7- هذا العقاب بنفسه هو ما نراه يوقع في محاكم عصر الرعامسة، كما تخبرنا بذلك الوثائق Stela of Nauri Journ. Of Egyptian archeology XIII. 193.