

التاريخ والحضارة

التاريخ

الحضارة

ابرز المؤرخين


اقوام وادي الرافدين

السومريون

الساميون

اقوام مجهولة


العصور الحجرية

عصر ماقبل التاريخ

العصور الحجرية في العراق

العصور القديمة في مصر

العصور القديمة في الشام

العصور القديمة في العالم

العصر الشبيه بالكتابي

العصر الحجري المعدني

العصر البابلي القديم

عصر فجر السلالات


الامبراطوريات والدول القديمة في العراق

الاراميون

الاشوريون

الاكديون

بابل

لكش

سلالة اور


العهود الاجنبية القديمة في العراق

الاخمينيون

المقدونيون

السلوقيون

الفرثيون

الساسانيون


احوال العرب قبل الاسلام

عرب قبل الاسلام

ايام العرب قبل الاسلام


مدن عربية قديمة

الحضر

الحميريون

الغساسنة

المعينيون

المناذرة

اليمن

بطرا والانباط

تدمر

حضرموت

سبأ

قتبان

كندة

مكة


التاريخ الاسلامي


السيرة النبوية

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) قبل الاسلام

سيرة النبي (صلى الله عليه وآله) بعد الاسلام


الخلفاء الاربعة

ابو بكر بن ابي قحافة

عمربن الخطاب

عثمان بن عفان


علي ابن ابي طالب (عليه السلام)

الامام علي (عليه السلام)

اصحاب الامام علي (عليه السلام)


الدولة الاموية

الدولة الاموية *


الدولة الاموية في الشام

معاوية بن ابي سفيان

يزيد بن معاوية

معاوية بن يزيد بن ابي سفيان

مروان بن الحكم

عبد الملك بن مروان

الوليد بن عبد الملك

سليمان بن عبد الملك

عمر بن عبد العزيز

يزيد بن عبد الملك بن مروان

هشام بن عبد الملك

الوليد بن يزيد بن عبد الملك

يزيد بن الوليد بن عبد الملك

ابراهيم بن الوليد بن عبد الملك

مروان بن محمد


الدولة الاموية في الاندلس

احوال الاندلس في الدولة الاموية

امراء الاندلس في الدولة الاموية


الدولة العباسية

الدولة العباسية *


خلفاء الدولة العباسية في المرحلة الاولى

ابو العباس السفاح

ابو جعفر المنصور

المهدي

الهادي

هارون الرشيد

الامين

المأمون

المعتصم

الواثق

المتوكل


خلفاء بني العباس المرحلة الثانية


عصر سيطرة العسكريين الترك

المنتصر بالله

المستعين بالله

المعتزبالله

المهتدي بالله

المعتمد بالله

المعتضد بالله

المكتفي بالله

المقتدر بالله

القاهر بالله

الراضي بالله

المتقي بالله

المستكفي بالله


عصر السيطرة البويهية العسكرية

المطيع لله

الطائع لله

القادر بالله

القائم بامرالله


عصر سيطرة السلاجقة

المقتدي بالله

المستظهر بالله

المسترشد بالله

الراشد بالله

المقتفي لامر الله

المستنجد بالله

المستضيء بامر الله

الناصر لدين الله

الظاهر لدين الله

المستنصر بامر الله

المستعصم بالله

تاريخ اهل البيت (الاثنى عشر) عليهم السلام

شخصيات تاريخية مهمة

تاريخ الأندلس

طرف ونوادر تاريخية


التاريخ الحديث والمعاصر


التاريخ الحديث والمعاصر للعراق

تاريخ العراق أثناء الأحتلال المغولي

تاريخ العراق اثناء الاحتلال العثماني الاول و الثاني

تاريخ الاحتلال الصفوي للعراق

تاريخ العراق اثناء الاحتلال البريطاني والحرب العالمية الاولى

العهد الملكي للعراق

الحرب العالمية الثانية وعودة الاحتلال البريطاني للعراق

قيام الجهورية العراقية

الاحتلال المغولي للبلاد العربية

الاحتلال العثماني للوطن العربي

الاحتلال البريطاني والفرنسي للبلاد العربية

الثورة الصناعية في اوربا


تاريخ الحضارة الأوربية

التاريخ الأوربي القديم و الوسيط

التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر
تعاليم «خيتي بن دواوف» لابنه «بيبي»
المؤلف:
سليم حسن
المصدر:
موسوعة مصر القديمة
الجزء والصفحة:
ج17 ص 228 ــ 237
2026-02-02
26
لقد ظلت هذه التعاليم تُعرَف باسم تعاليم «دواوف» إلى أن برهن الأستاذ «جاردنر» على أن اسم كاتبها هو «خيتي بن دواوف»، وأن «خيتي» كتبها لابنه «بيبي».
وقد وصلت إلينا نسخ كثيرة من هذه التعاليم بعضها على أوراق بردية، وبعضها على لوحات خشبية، وفقرات على قطع الخزف، وشظيات من الحجر الجيري الأبيض الأملس، وأقدم فقرات وصلت إلينا منها هي التي اهتدى إلى حلها «بيانكوف»، ويرجع عهدها إلى أوائل الأسرة الثامنة عشرة، وقد كُتِبت على لوح من الخشب بقي لنا بعض أجزاء منه، وهي بلا شك ترجع إلى عهد العصر الإقطاعي كغيرها من قطع الأدب، ولا غرابة فإنه هو العصر الذي ازدهر فيه الأدب بدرجة عظيمة (راجع تعاليم أمنمحات).
وهذا النوع من التعاليم الذي سنسوقه للقارئ كان محبَّبًا بصفة خاصة عند مدارس الدولة الحديثة؛ ولذلك نال مكانةً ممتازة، غير أن الطريقة التي عبث بها التلاميذ في المتون كانت معيبة لدرجة يقصر أمامها كل وصف، فلا يكاد القارئ يتم قراءة فقرات منها حتى يتساءل بيأس عمَّا كان مكتوبًا في الأصل (1)؛ لأن ما كتبه التلاميذ كلمات لا معنى لها غالبًا، وقد يكون السبب في ذلك عدم فهمهم ما نقلوه، أو عدم إقبالهم على عملهم وإجبارهم عليه، ولكن من حسن الحظ أن القطع التي عثَرَ عليها «بيانكوف» وقرنها بما يقابلها في النسخ الأخرى قد حلَّتْ لنا بعض معضلات هذه التعاليم، وإن كان الجزء الأكبر منها لا يزال غامضًا بعض الشيء في نقط، ومغلقًا تمامًا في أخرى.
ويرجع السبب في حظوة هذه التعاليم وانتشارها في مدارس عهد الرعامسة إلى أنها كانت تتغنى بفضل المدارس والتربية المدرسية وبامتداحها لمهنة الكاتب، وهي بالضبط كالرسائل التي كانت تُتبادَل بين المدرسين في عهد الدولة الحديثة.
وعصر هذه التعاليم قد أصبح محققًا إذا كان «خيتي» هذا هو الذي كتب تعاليم الملك «أمنمحات» الأول، ويفتتح الحكيم «خيتي» هذه التعاليم كالعادة بذكر اسمه وابنه الذي من أجله كُتِبت هذه النصائح فيقول:
تعاليم ألَّفَها مسافر في حجرة سفينة اسمه «خيتي» بن «دواوف» لابنه «بيبي»، حينما سافر مصعدًا في النهر إلى عاصمة الملك ليلحق ابنه بالمدرسة بين أولاد الحكَّام.
وهذا العنوان وحده يكشف لنا عن حقائق خطيرة من الوجهة التعليمية والتاريخية؛ فمنه نعلم أنه كان يوجد مدرسة جامعة يتعلَّم فيها أولاد علية القوم في عاصمة الملك، وأن العاصمة كانت وقتئذٍ في الوجه القبلي؛ لأنه كان على «خيتي» أن يقلع بسفينته مصعدًا في النهر، ومن الجائز أنها كانت وقتئذٍ «أهناس المدينة» أو «طيبة»، هذا إلى أن هذه المدرسة كان يُعلَّم فيها أولاد حكام المقاطعات ومَن في طبقتهم، وسنرى أن «خيتي» يقول لابنه: وستكون رئيسًا لمجلس «قنبت»، وهو ذلك المجمع الذي كان يدير حكومة البلاد في العهد الإقطاعي (انظر قصة المخاصمة بين «حور» و«ست») وكان معظمه في ذلك الوقت من حكام المقاطعات.
ونجد أن أول ما يلقي «خيتي» على ابنه من النصائح هو أن يرسم له صورة قبيحة للجاهل، ثم يغريه بأن يحب العلم أكثر من حبه لأمه، ويقول له: إنه عاجز عن تصوير جماله له، ثم يشير إليه بأن صناعة الكتابة تفوق كل الحرف، وأنه لو تعلمها فإن القوم يهنئونه على ذلك فيقول:
لقد رأيتَ مَن ضُرِب، فعليك أن توجِّه قلبك لقراءة الكتب، ولقد شاهدت مَن أُعتِق من الأشغال الشاقة. تأمَّلْ! لا شيء يفوق الكتب.
اقرأ في نهاية «كمت» (لعله اسم كتاب قديم؟) تجد فيه هذه: إن الكاتب عمله في كل مكان في حاضرة الملك، ولن يكون فقيرًا، (2) والرجل الذي يعمل على حسب عقل غيره لا ينجح. ليتني أجعلك تحب الكتب أكثر من والدتك، وليت في مقدوري أن أُظهِر جمالَها أمام وجهك، إنها أعظم من أي حرفة … وإذا أخذ (التلميذ) في سبيل النجاح وهو لم يزل طفلًا، فإن الناس تهنِّئه، ويُكلَّف تنفيذ الأوامر، ولا يعود إلى البيت ليرتدي ثوب العمل (مثل أرباب الحِرَف الأخرى).
بعد ذلك يصف الأب لابنه الفرق بين مهنة الكاتب وما ينال صاحبها من الشرف، وبين المهن الأخرى التي يكون من جرَّائها تعب الجسم واضمحلاله، وتعرُّض محترفها للأخطار، فيقول:
على أنني لم أرَ قطُّ قاطِعَ أحجار كُلِّفَ برسالة، ولا صانعًا أُرسِل في مهمة.
ثم يتناول بالشرح كل مهنة وما فيها من متاعب وحقارة بالنسبة لمهنة الكتابة، ويقدِّم لابنه درسًا في الحياة الاجتماعية، ويستعرض أمامه نواحي مصر الصناعية، ونصيب كل صانع من متاعبها، يذكر ذلك في شيء من المبالغة، ولكنه يكشف لنا في الوقت نفسه عن نوع الحِرَف التي يتخذها أبناء العصر المظلم الذي يتحدث عنه.
وإذا كان القارئ الأجنبي لا يحفل بهذا العرض كثيرًا فإن القارئ المصري يستهويه أن يراه؛ لأن فيه صفحة مضى عليها أربعة آلاف سنة، يستطيع أن يقرنها بصفحة مصر الحاضرة، فيرى أن الأخيرة تكاد تطابِق الأولى مع طول العهد بينهما، وأن هذه المطابقة تشتد وتقوى في الدساكر والقرى؛ حيث يضعف تأثير المدنية الحديثة.
فيتكلَّم أولًا عن صانع المعادن فيقول:
ولكني رأيت النحَّاس يقوم بعمله عند فوهة الأتون وأصابعه كجلد التمساح (أي إنها مجعَّدة وخشنة كجلد التمساح)، ورائحته أكثر كراهية من البيض والسمك.
ثم ينتقل إلى الخراط فيقول:
وكل صانع يقبض بمهارة على المخرطة، (3) (؟) فإن الإعياء يناله أكثر ممَّن يفلح الأرض، وميدانه الخشب وفأسه المخرطة (حرفيًّا: المعدن)، وفي الليل حينما يطلق سراحه يعمل فوق طاقة ساعديه، وفي الليل يشعل النور (أي يستمر في عمله فلا راحة له).
ثم ينتقل إلى الكلام على البَنَّاء وما يناله من التعب الجثماني فيقول:
والبنَّاء يبحث عن عمل له (؟) في كل أنواع الأحجار الصلبة، وعندما ينتهي منه تكون ذراعاه قد تكسَّرَتَا، ويصبح مُضنى، وعندما يجلس امرؤ كهذا عند الغبش فإن فخذيه وظهره تكون قد حُطِّمت.
بعد ذلك يتناول حرفة الحلَّاق فيُظهِر لابنه أنها مضنية، صاحبها لا بد أن يجول في الشوارع ليبحث عن عمل يسد رمقه بما يكسبه منه، فنراه يقول:
والحلَّاق يحلق متأخرًا إلى الغروب … ويجول من شارع إلى شارع ليبحث عمَّن يحلق له، ويُنهِك ذراعيه لأجل ملء بطنه، كالنحلة التي تأكل وهي تكد (4).
وكذلك يُظهِر له المتاعب التي يُلاقِيها التاجر (؟) الجوال ليحصل على ثمن سلعه، فيقول:
والتاجر (؟) يسيح إلى الدلتا ليحصل على ثمن سلعته، ويكد فوق طاقة ساعديه، والبعوض يقتله (لما يحمله من الجراثيم) …
ويتناول بعد ذلك أحقر الحِرَف وهي صناعة اللَّبِن فيقول:
وصانع اللبن (ضرب الطوب) الصغير الذي يصنعه من غرين النيل يقضي حياته بين الماشية (؟)، وهو على أية حال مختص بالكروم والخنازير (في المصرية تورية بين كلمة كروم وخنازير، وربما كان ذلك هو السبب في ذكرها هنا)، وملابسه تكون خشنة … وهو يشتغل بقدميه ويدق …
والظاهر أن حرفة البناء كانت شاقة عند المصريين؛ حتى إن حكيمنا هنا قد رصد لها فقرتين غير ما ذكر، ولكن الفقرة الثانية فيها بعض الغموض، فيقول:
دعني أحدثك فضلًا عن ذلك عن البنَّاء الذي يكون غالبًا مريضًا (؟) وملابسه قذرة، وما يأكله هو خبز أصابعه، ويغسل نفسه مرة واحدة … وهو أتعس مما يمكن أن يتحدَّث عنه الإنسان بحق (؟)، فهو كقطعة حجر (؟) في غرفة طولها عشرة أذرع في ستة … والخبز يقدِّمه إلى بيته، وأطفاله يضربون ضربًا … (وهذه القطعة غامضة في الأصل).
ثم يصف الحكيم لابنه حالة البستاني، ويظهر أنه يقصد به زارع الخضر والفاكهة على السواء فيقول:
أما البستاني فيحضر أثقالًا وذراعه ورقبته تتألمان من تحتها، وفي الصباح يروي الكراث، وفي المساء الكروم (لأن ذلك أحسن وقت لريها عندما تكون محملة بالفاكهة) … فحرفته أسوأ من أية حرفة.
ثم ينتقل إلى وصف حالة الفلاح، وهو ذلك الوصف الذي ينطبق على حالة فلاح مصرنا؛ فالأمراض تفتك به، وصاحب الأملاك يستنفد كلَّ محصوله، فهو كالحيوان الضعيف الذي يعيش بين الأسود، فهو لا بد مأكول، فيقول الحكيم:
أما الفلاح فحسابه مستمر (أي إن صاحب الأرض يطالبه دائمًا بتأدية ما عليه من الديون) إلى الأبد، وصوته أعلى من صوت الطائر «آبو» … (دائمًا يشكو)، وهو كذلك أكثر تعبًا ممَّن يمكن التحدُّث به، وحالته كحال الذي يعيش بين الأسود، وهو في غالب الأوقات مريض (؟)، وعندما يعود إلى بيته في الغروب، فإن المشي يكون قد مزَّقه إربًا إربًا (أي إن طول الطريق يجهده إجهادًا كبيرًا فوق ما لاقى من التعب خلال اليوم).
يتناول بعد ذلك «خيتي» حكيمنا الناسج الذي يعمل وهو جالس طول اليوم، فيشبِّهه بقعيدة البيت، فهو لا يتمتع بالهواء الطلق، وهو مراقَب دائمًا، فإذا تباطَأَ عن العمل يومًا ضُرِب بالسوط، وفي رواية أخرى انتُزِع من مكان راحته كما تُنتزَع زهرة السوسن من البركة، وإذا أراد أن يخرج من مصنعه ليستنشق الهواء، فلا يصل إلى ذلك إلا بالرشوة، فيقول:
وحال الناسج داخل مصنعه أتعس من حال المرأة، فركبتاه تكونان في بطنه، وهو لا يمكنه أن يستنشق الهواء، وإذا أمضى يومًا دون عمل انتُزِع (من مكان راحته) مثل ما تُنتزَع زهرة السوسن (في رواية أخرى فإنه يُضرَب بسوط ذي 50 شعبة) أو (فإنه يُضرَب كسائمة الضحية 51 سوطًا)، وهو يقدِّم لحارس الباب خبزًا ليسمح له بالخروج في ضوء النهار.
بعد ذلك يصف هذا الحكيم المحنك لابنه «حرفة» من الحِرَف التي كانت شائعة في ذلك العصر، ولكنها قد اختفَتْ في عهدنا تدريجيًّا بانتشار المدنية، وأعني بذلك صناعة «السهام» التي لم يفتأ يستعملها المصري؛ لأنها كانت من أهم أسلحة الحرب، فيصف كيف يحتم على صاحبها أن يذهب إلى الصحاري والجبال حيث الظرَّان الذي تُصنَع منه السهام، وما في ذلك من بُعْد المسافة، وما يعانيه هو وحماره، وما يستلزمه من المال لمَن يرشده إلى الطريق في وسط تلك الفيافي والقفار، وما يتطلَّبه كل ذلك من وقت ونصب، فيقول:
وصانع السهام يكون تعسًا عندما يرحل إلى الصحراء، وإن ما يعطيه حماره لكثير، هذا فضلًا عن أنه عمل يستغرق وقتًا طويلًا، ويعطي كذلك الذين في الحقول والذين يرشدونه إلى الطريق كثيرًا أيضًا، وعندما يصل إلى بيته في المساء فإن السير يكون قد أنهكه.
ثم يتناول بعد ذلك حرفة أخرى من التي أخذت تتلاشى في مصر، وإن كانت لم تزل باقيةً في بعض الجهات المتطرفة التي لم تصلها المدنية الحديثة، وأعني بها نقل البريد برجال خصصوا بذلك، فيصف لنا كيف أن عامل البريد عند ذهابه إلى بلد أجنبي يترك وصيته خوفًا من عدم عودته؛ لما في رحلته من المخاطر، وحتى إذا عاد إلى مصر ثانيةً فإنه لا يعود مرتاح النفس؛ لأن التعب يكون قد أضناه، فيقول:
وحامل البريد عندما يسافر إلى بلد أجنبي يوصي بأملاكه لأولاده؛ خوفًا من الأسود والآسيويين، وهو يعلم ذلك وهو في مصر، وعندما يعود إلى بيته يكون تعسًا؛ لأن المشي قد كسره، وسواء أكان بيته من النسيج أو اللَّبِن (؟) فإنه لا يعود منشرح القلب (5) (وفي رواية أخرى: وعندما يصل إلى بيته مساءً فإن قلبه يكون فَرِحًا).
ويعقب ذلك كلام على حرفة لم نصل إلى كُنْه معناها، والغرض من ذكرها هنا هو أن يُظهِر له بشاعة رائحة محترفها؛ ولذلك سنورد الكلمة هنا بأصلها المصري:
أما اﻟ «سثنوي» فإن رائحة إصبعه تكون نتنة، والرائحة التي تتصاعد منها هي رائحة جثة، وعيناه تكونان مثل … (؟) … بسبب المسوح … وهو لا يُقصى عنه «سثناوي» وهو يقضي وقته في تقطيع الخرق (؟) وما يمقته هو الملابس.
ثم يشفع ذلك بالتحدُّث عن حرفة يظهر أنها تشبه السابقة في قذارتها، وأعني بها حرفة الإسكاف، فيصف الحكيم لابنه كيف أن هذا التعس يحمل أوانيه التي فيها آلاته وجلده، وكيف أن صحته تسوء، وجسمه يهزل، وقد يُجبَر على قطع الجلد بأسنانه فيقول:
والإسكاف يحمل أوانيه إلى الأبد (وفي نسخة أخرى: يحمل آلاته إلى الأبد)، وصحته تكون كصحة الجيفة، وما يعض عليه هو الجلد.
ثم يأتي بعد ذلك الكلام على حرفة الغسَّال، ومجازفة صاحبها بنفسه أمام خطر التمساح، مما يدل على كثرة هذا الحيوان في ذلك العصر في النيل، وما يلاقيه بسببها من تعب جثماني، وما يشعر به من تعس عندما يضع مئزر سيده ليؤدي فيه عمله؛ فيقول:
والغسَّال يغسل على الموردة، وإذ ذاك يكون جارًا قريبًا للتمساح (في صورة إله) وعندما يخرج الوالد (الغسال) متجهًا نحو الماء المضطرب، فإن ابنه وابنته يكونان في عمل هادئ منعزل عن كل عمل آخَر، وعندئذٍ يقول ابنه وابنته: إن هذا ليس بعمل يجد فيه الإنسان راحة، وهو منفصل عن أي عمل آخَر، وغذاؤه يكون مختلطًا بمكان حساباته، وليس فيه عضو سليم، وإذا ارتدى مئزر المرأة فإنه وقتئذٍ يكون تعسًا، وهو يبكي حينما يمضي وقته حاملًا اﻟ «مكاتن» … ويقال له — «الغسيل» — أسرع إليَّ …
ويعقب هذا بحرفة أخرى ليست من نوع الحِرَف السابقة، بل هي حرفة لهو، ولذلك يقول عنها: إنها تجعل صاحبها يهمل أعماله، وأعني بها حرفة صيد العصافير، فيقول:
وصائد العصافير تراه في منتهى التعس عندما يشاهد ما في السماء ويهمل أعماله (وفي رواية أخرى: وعندما تطير الطيور المتنقِّلة (6) في السماء، يقول: ليت عندي شبكة هنا، ولكن الله لا يهيئ له نجاحًا (؟).
بعد ذلك ينتقل إلى حرفة صيد السمك، ويصف الحكيم لابنه ما فيها من أخطار التمساح، فيقول:
إني مخبرك كيف أن حرفة صياد السمك أكثر تعسًا من أية حرفة أخرى، فإنه يشكو منها، أليس عمله على النهر حيث يختلط بالتماسيح (؟)، وإذا لم يقل له الإنسان يوجد تماسيح فإن خوفه يعميه.
وهنا ينتقل الكاتب الحكيم إلى إطراء حرفة الكتابة، فيقول:
إن صاحبها هو الذي يصدر الأوامر.
ثم يصفها بأنها أحسن من كل الحرف التي استعرضها أمامه فيقول:
تأمَّلْ! فإنه لا توجد حرفة من غير رئيس لها إلا صناعة الكاتب فهو رئيس نفسه (7)، فإذا عرف الإنسان الكتب فإنه يقال عنه بحق: إنها مفيدة لك … وما أقوم به في سياحتي إلى الحاضرة، تأمَّلْ! إني أقوم به حبًّا فيك، ويوم في المدرسة مفيد لك، وما تعمله فيه يبقى مثل الجبال.
ويعقب هذه الكلمات الحكيمة بعض فقرات غير مفهومة وتدل مقدمتها هذه: «دعني ألقِ عليك فضلًا عمَّا سبق كلمات لأعلمك.» على أنها تبحث في موضوع جديد؛ ومن المحتمل أنها إضافات قد أُدخِلت على المتن الأصلي فيما بعدُ، فمنها فقرة تعلِّم الإنسان حُسْن السلوك في حضرة العظيم، فيقول حكيمنا:
إذا دخلت ورب البيت في داره مشغول بآخَر قبلك، فعليك أن تجلس ويدك في فمك، ولا تسألن عن أي شيء، وفضلًا عن ذلك لا تتكلمنَّ بكلمات غامضة، ولا تنطق بلفظة وقحة … ثم إذا حضرت من المدرسة وقد أعلن وقت الظهر لك وأنت سائر تصيح فرحًا في الطرقات، فحينئذٍ … وإذا أرسلك رجل عظيم برسالة فأدِّها كما أُلقِيَتْ عليك، ولا تُنقِص منها ولا تزد …
ويلي ذلك نصيحة غالية في القناعة في المأكل والمشرب من أحسن ما قيل في هذا الباب، إذ يقول:
كُنْ قنوعًا بطعامك، إذا كان يكفيك ثلاثة رغفان وشرب قدحين من الجعة، فإذا لم يكن بطنك قد اكتفى بعدُ فحارِبْه (؟).
ثم إن الحكيم يحض ابنه على أن يستمع لكلمات الرجل العظيم، ويتخذ لنفسه صديقًا من سنه، فيقول:
انظر، إنه لحسن أن تفض الجمهور، وتستمع منفردًا إلى كلمات العظيم … اتخذ لنفسك رجلًا صديقًا من جيلك.
وفي النهاية نرى «خيتي» يقول لابنه إنه قد وضعه على الطريق الإلهية، وإن ربة «حصاد الكتاب» على كتفه منذ يوم ولادته، أي إنه لن يقاسي آلام الحاجة، وإنه بفنه يصل إلى أعلى وظيفة في البلاط، بأن يصبح عضوًا في المجلس الأعلى للحكام (قنبت)، بل قد يكون الرئيس فيه بما أوتيه من علم وحكمة، ثم يخبره أن هذا الطريق ممهَّد أمامه وأمام أولاد أولاده، فيقول:
انظر، إني قد وضعتك على طريق الإله، وإن «رننوت» (8) الكاتب (أي ربة الحصاد للكاتب) قد أصبحت على كتفه منذ يوم ولادته، وهو يصل إلى باب مجلس «القنبت» عندما يصل إلى سن الرجولة. تأمَّلْ! إنه لا يوجد كاتب قد حرم القوت الذي هو متاع بيت الملك عاش في صحة وفلاح، و«مسخنت» (إلهة الكتابة) هي سعادة الكاتب، وهي التي تضعه على رأس المجلس الأعلى (قنبت)، ويجب على الإنسان أن يشكر والده ووالدته اللذين وضعاه على طريق الأحياء، والآن تأمَّلْ، فإن هذا (أي ما نصحتك به) ما أضعه أمام وجهك ووجه أولادك. وقد انتهى هذا بسلام.
(أ) المصادر
أهم المصادر التي يمكن الرجوع إليها في دراسة هذه التعاليم ما يأتي:
(1)Papyrus Sallier II; and Papyrus Anastasi VII (British Museum, London).
(2) Pieper, “Die Agyptische Literatur”, P. 30.
(3) Peet, “A Comparative Study of the Literatures of Egypt, Palestine and Mesopotamia”, PP. 104 ff.
(4)Piankoff, “Quelques Passages des Instructions de Douaf sur une Tablette du Musee du Louvre”, “Revue d’Egyptologie”, Tome II. (1933) PP. 51–74.
(5)Erman, “The Literature of the Ancient Egyptians”, PP. 67 ff.
(6)Maspero, “Genre Epistolaire”, PP. 48 ff.
.............................................................................
1- وُجِدت هذه المتون إما على ألواح من الخشب، أو على ورق البردي، أو على شظيات من الحجر الجيري، ومعظم هذه الوثائق كان مدفونًا مع أصحابها.
2- قد يحتمل أن كل وظيفة يشغلها لها صلة بالبلاط، وعلى ذلك فللكاتب نصيب قبل غيره في الأرزاق التي تُوزَّع هناك.
3- لا شك أن حكيمنا يبالغ في هذه الصورة التي يضعها أمام ابنه؛ لأنه مما لا شك فيه أن بعض أصحاب هذه الحِرَف كان يحب مهنته لذاتها، وإلا لما وصلت إلينا تلك القطع الفنية النادرة في إتقانها من أيدى هؤلاء الصنَّاع.
4- أي إنه يأكل أثناء عمله، وهذا ما نشاهده الآن في القرى المصرية.
5- لأن أولاده يكونون قد قسموا ملكه؛ ظنًّا منهم أنه قد مات في طريقه.
6- تؤلِّف الطيور المتنقلة عنصرًا هامًّا في طعام المصريين.
7- هذه الفكرة هي الغرض الذي يرمي إليه الكاتب من كل أقواله.
8- يظهر أن «رننوت» ربة الحصاد كان لها علاقة بعادة نعرفها من التماثيل؛ وذلك أن يكتب الإنسان اسم سيده بطريقة «الوسم» أو الوشم على الجزء العلوى من الذراع، وبذلك يكون الكاتب ملكًا للآلهة التي تمده بالخير الوفير.
الاكثر قراءة في العصور القديمة في مصر
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)