قال الله الحكيم في كتابه الكريم: {الم، أحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ ، ولَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ ، أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ ، مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ، ومَنْ جاهَدَ فَإِنَّما يُجاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ}.[1]
وجاء في «نهج البلاغة» ضمن خطبة خاطب بها أهل البصرة، أنَّ رجلًا قام أمامه، وقال: يا أمير المؤمنين، أخبرنا عن الفتنة! وهل سألتَ رسول الله صلّى الله عليه وآله عنها؟ فقال عليه السلام: لَمَّا أنْزَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ قَوْلَهُ: {الم، أحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ} عَلِمْتُ أنَّ الفِتْنَةُ لَا تَنْزِلُ بِنَا ورَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ بَيْنَ أظْهُرِنَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا هَذِهِ الفِتْنَةُ التي أخْبَرَكَ اللهُ تعالى بِهَا؟ فَقَالَ: يَا عَلِيّ! إنَّ امَّتِي سَيُفْتَنُونَ مِنْ بَعْدِي. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أولَيْسَ قَدْ قُلْتَ لي يَوْمَ احُدٍ حَيْثُ اسْتُشْهِدَ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ وحِيزَتْ عَنِّي الشَّهَادَةُ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيّ فَقُلْتَ لي: أبْشِرْ فَإنَّ الشَّهَادَةَ مِنْ وَرَائِكَ؟ فَقَالَ لي: إنَّ ذَلِكَ لَكَذَلِكَ، فَكَيْفَ صَبْرُكَ إذَاً؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! لَيْسَ هَذَا مِنْ مَوَاطِنِ الصَّبْرِ ولَكِنْ مِنْ مَوَاطِنِ البُشْرَى والشُّكْرِ فَقالَ: يَا عَلِيّ! إنَّ القَوْمَ لَيُفْتَنُونَ بِأمْوَالِهِمْ ويَمُنُّونَ بِدِينِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ ويَتَمَنَّونَ رَحْمَتَهُ ويَأمَنُونَ سَطْوَتَهُ ويَسْتَحِلُّونَ حَرَامَهُ بِالشُّبُهَاتِ الكَاذِبَةِ والأهْواءِ السَّاهِيَةِ، فَيَسْتَحِلُّونَ الخَمْرَ بِالنَّبِيذِ والسُّحْتَ بِالهَدِيَّةِ والرِّبَا بِالبَيْعِ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! بِأيّ المَنَازِلِ انْزِلُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ؟ أبِمَنْزِلَةِ رِدَّةٍ أمْ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ! فَقَالَ: بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ.[2]
وروى الشيخ الطبرسيّ عن الإمام الصادق عليه السلام أنَّ معنى يُفْتَنُونَ هو أنَّ الناس يبتلون في أموالهم وأنفسهم.
وروي أيضاً عن العيّاشيّ بسنده عن الإمام أبي الحسن الكاظم عليه السلام قال: جاء العبّاس إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقال له: امش حتّى يبايع لك الناس. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أوتراهم فاعلين؟ قال: نعم. قال: فأين قوله عزّ وجلّ: {الم ، أحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا...} (الآية).[3]
وروى الملّا محسن الفيض الكاشانيّ، مضافاً إلى هذه الرواية، ورواية «نهج البلاغة» عن رسول الله، قال: لمّا نزلت هذه الآية قال: لا بدّ من فتنة تبتلي بها الامَّة بعد نبيّها ليتعيّن الصادق من الكاذب، لأنَّ الوحي قد انقطع، وبقي السيف وافتراق الكلمة إلى يوم القيامة.[4]
ونقل السيّد هاشم البحرانيّ رضوان الله عليه في «غاية المرام» أربع روايات عن طريق العامّة، وخمس روايات عن طريق الخاصّة: جاء عن رسول الله والأئمّة المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين في تفسير هذه الآية المباركة المذكورة أنَّ الله يفتن الناس في ولاية أمير المؤمنين عليه السلام واتّباعه. ومن هذه الروايات: عن ابن شهرآشوب، عن أبي طالب الهرويّ بإسناده عن علقمة وأبي أيّوب أنه لمّا نزل قوله: {الم، أحَسِبَ النَّاسُ} إلى آخر الآيات قَالَ النَّبِيّ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ لِعَمَّارٍ: إنَّهُ سَيَكُونُ مِنْ بَعْدِي هَنَاةٌ، حتّى يَخْتَلِفَ السَّيْفُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وحتّى يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضَاً، وحتّى يَتَبَرَّأ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ. فَإذَا رَأيْتَ ذَلِكَ فَعَلَيْكَ بِهَذَا الأصْلَعِ عَنْ يَمِينِي عَلِيّ بْنِ أبِي طَالِبٍ، فَإنْ سَلَكَ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَادِيَاً فَاسْلُكْ وَادِي عَلِيّ، وحُلْ عَنِ النَّاسِ.
يَا عَمَّارُ! إنَّ عَلِيِّاً لَا يَرُدُّكَ عَنْ هُدَى، ولَا يَرُدُّكَ إلَى رَدَى. يَا عَمَّارُ! طَاعَةُ عَلِيّ طَاعَتِي، وطَاعَتِي طَاعَةُ اللهِ.[5]
ومنها عن طريق العامّة أيضاً في قوله تعالى: {الم ، أحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ}، قَالَ عَلِيّ عَلَيهِ السَّلَامُ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ! مَا هَذِهِ الفِتْنَةُ؟ قَالَ يَا عَلِيّ! بِكَ، وإنَّكَ المُخَاصَمُ، فَأعِدَّ لِلْخصُومَةِ! وقَالَ عَلِيّ عَلَيهِ السَّلَامُ {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا} نَحْنُ اولَئكَ.[6]
ومنها عن طريق الخاصّة، عن عليّ بن إبراهيم في تفسيره قال: حدّثني أبي عن محمّد بن الفضيل، عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام قال: جاء العبّاس إلى أمير المؤمنين عليه السلام وقال: انطلق يبايع لك الناس. فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أتراهم فاعلين؟ قال: نعم.
فقال الإمام: فأين قول الله: {الم، أحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ، ولَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} (أي: اخْتَبَرْنَاهُمْ) {فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا ولَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ، أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ أَنْ يَسْبِقُونا ساءَ ما يَحْكُمُونَ، مَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ}؟!
قال الله: من أحبّ لقاء الله، جاءه الأجل؛ ومن جاهد نفسه عن اللذات والشهوات والمعاصي، فإنّما يجاهد لنفسه؛ إنَّ الله لغنيّ عن العالمين.[7]
ومنها عن محمّد بن العبّاس، عن أحمد بن هُوذة، عن إبراهيم بن إسحاق، عن عبد الله بن حمّاد، عن سماعة بن مهران، قال: قَالَ[8] رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ: كَانَ ذَاتَ لَيْلَةٍ في المَسْجِدِ، فَلَمَّا كَانَ قُرْبُ الصُّبْحِ، دَخَلَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَنَادَاهُ رَسُولُ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيهِ وآلِهِ فَقَالَ: يَا عَلِيّ! قَالَ: لَبَّيْكَ. قَالَ: هَلُمَّ إلَيّ. فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ قَالَ: يَا عَلٍيّ! بِتُّ اللَّيْلَةَ حَيْثُ تَرَانِي، فَقَدْ سَألْتُ رَبِّي ألْفَ حَاجَةٍ فَقَضَاهَا لي؛ وسَألْتُ لَكَ رَبِّي أنْ يَجْمَعَ لَكَ امَّتِي مِنْ بَعْدِي؛ فَأبَى عَلَيّ رَبِّي، فَقَالَ: {الم ، أحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وهُمْ لا يُفْتَنُونَ}.[9]
ومنها عن الحسين بن عليّ، عن أبيه عليهما السلام، قال: لَمَّا نَزَلتْ: {الم ، أحَسِبَ النَّاسُ} فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ! مَا هَذِهِ الفِتْنَةُ؟ قَالَ: يَا عَلِيّ! إنَّكَ مُبْتَلَي ومُبْتَلَى بِكَ؛ وإنَّكَ مُخَاصَمٌ، فَأعِدَّ لِلْخُصُومَةِ.[10]
[1] الآيات 1 إلي 6، من السورة 29: العنكبوت.
[2] «نهج البلاغة» الخطبة 154.
[3] «تفسير مجمع البيان» ج 4، ص 272، طبعة صيدا.
[4] «تفسير الصافيّ» ج 1، ص 282، الطبعة الحجريّة.
[5] «غاية المرام» القسم الثاني، ص 403 و404، الحديث 3 و4.
[6] «تفسير البرهان» ج 2، ص 802، الطبعة الحجريّة؛ وفي «غاية المرام»: نَحْنُ أوْلِيَاؤكَ، وفيه تصحيف طبعاً.
[7] «غاية المرام» القسم الثاني، ص 404، حديث 1 و4 عن العامّة. والرواية الاولى في «تفسير القمّيّ»، ص 494.
[8] جاءت هذه الرواية في «غاية المرام»، و«تفسير البرهان» الطبعة الحجريّة ج 2، ص 802 هكذا: قال رسول الله. ولا جرم أنَّ فيها إسقاطاً؛ وينبغي أن تكون هكذا: قال أبو عبد الله عليه السلام: أو قال أبو الحسن عليه السلام: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله إلى آخره. لأنَّ العبارة لا تصحّ في غير هذه الصورة. ولمّا كان سماعة بن مهران من أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام، فلهذا تستبين العبارة المسقطة، وفيها اسم أحد هذين الإمامين العظيمين.
[9] «غاية المرام» القسم الثاني، ص 404، الحديث الرابع عن العامّة. والرواية الاولي موجودة في «تفسير القمّيّ» ص 494.
[10] «المصدر السابق»، حديث 5 عن العامّة.