إنّ أئمّتكم في الحديث وأكابركم كالحميديّ صاحب «الجمع بين الصحيحين»، وغيره، يروون أنّ رسول الله قال: فاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِني يُؤْذيني مَنْ آذَاهَا.
يأخذ الشيعة هذين الحديثين، ويجعلونها صغرى وكبرى الشكل الأوّل في القياس البرهاني، ويقولون: أبُو بَكْرٍ آذى فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ، ومَنْ آذى فَاطِمَةَ آذى رَسُولَ اللهِ. ويُسْتَنْتَج منه أنّ أبا بكر آذى رسول الله.
ولما ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا والْآخِرَةِ وأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً}.[1]
فعلى هذا يكون مفاد الآية القرآنيّة كبرى قياس آخر قد استُنتِج صغراه كالآتي: أبُو بَكْرٍ آذى رَسُولَ اللهِ، ومَنْ آذى رَسُولَ اللهِ لَعَنَهُ اللهُ في الدُّنْيَا والآخِرَةِ وأعَدَّ لَهُ عَذَاباً مُهِيناً.
على ضوء ذلك، فإنّ أبا بكر مطرود من الرحمة، مشمول بلعنة الله حسب ما نصّ عليه القرآن صريحاً.
ما ذا يمكن للسنّة أن يقولوا في مقابل هذا البرهان؟! إذ هو برهان. وليس خطابة أو شعراً أو مغالطة، أو حتّى جدلًا. ومقدّماته من المسلمات واليقينيّات.
هل يتسنى للسنّة أن يقولوا: لا نقبل القرآن الذي هو كبرى المسألة! أو لا نقبل الصغرى الواردة في كتب معظمهم كالصحيحين؟ إنّهم يقولون فقط: القرآن مسلم ثابت، والأحاديث الصحيحة مسلَّمة ثابتة، وهذه الأحاديث صحيحة أيضاً، ولكن اتركوا انتقاء الصغرى، ووضع الكبرى، والاستنتاج! هذا القياس والمنطق لا ينفعانكم شيئاً. والسَّلَف الصالح كلّهم عدول. ولا ينبغي مؤاخذتهم حفظاً للإسلام! هذا هو منطق المناوئين! وهذا هو منطق ابن تيميّة. إذ يقول هو وأمثاله: ينبغي أن ندوس على الفهم، ونمحق العقل، ونتّبع حكّام الجور اتّباعاً أعمى.
حسناً! نحن نقول أيضاً: لا علاقة لنا بأعمالهم، صالحة كانت أم سيئة، فهي من شأنهم، لقد جاءوا وذهبوا، ولكلّ واحد منهم كتاب عمله مستقلًّا، وعلى الله حسابهم، فما ذا يخصّنا نحن حتّى نكرّس أوقاتنا وأعمارنا فنكشف الستار عن إضبارة شخص كان يعيش قبل أربعة عشر قرناً؟! هذا لو كانوا أشخاصاً عاديّين، أمّا لو وُجب أن نتّخذ أعمال اولئك وسلوكهم، وخطبهم، وقوانينهم، وتعليماتهم اسوة لنا، وعملنا بها، وتصرّفنا تبعاً لسنّتهم، فلا يمكن القول هنا: ما هي الضرورة للتحقيق والتفحّص؟ وهل التجسّس إلّا متلفة للعمر؟ بل ينبغي أن نصرف ليس عمراً واحداً فحسب، بل أعماراً كثيرة لنكشف النقاب عن زلّتهم فضلًا عن زلّاتهم، وأخطائهم، وخياناتهم، وجرائمهم، ونعلن بصراحة أنّ هؤلاء الجهّال المتنسّكين لا يستحقّون الإمامة والخلافة. وليس لهم أن يكونوا قدوة الناس في أعمالهم وأخلاقهم وعقائدهم.
إنّ ابن تَيْميَّة لما رأى أن لا شكّ ولا تردّد في هذه الروايات الكثيرة الواردة في الكتب المعتبرة عند العامّة مثل «تفسير الثعلبيّ»، و«تفسير أبي السُّعُود» وغيرهما، وهي مرويّة عن الصحابيّ الجليل حُذَيفة بن اليمان، وعن سُفيان بن عُيَيْنَةَ الذي لا تردّد في إمامته في الحديث والتفسير والوثاقة لدى العامّة، جاء وقال ما قال في شأن نزول الآية: سألَ سَائِلٌ، ولو قُدِّر أن يقرّ بسبب نزولها، فإنّها تضعضع أساس خلافة أبي بكر، وعمر، إذ إنّ ما جاء في الروايات هو أنّ ذلك المنكر السائل جادل النبيّ، وقال: ألم يكفك أنّك أمرتنا بكلّ هذه الفروض، حتّى رفعت ضَبْعَي ابن عمّك وأمّرته علينا؟! فهل هذا منك أم من الله؟!
تدل هذه الروايات بصراحة أنّ المراد من المولى في الحديث: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ هو الإمارة والإمامة والخلافة وتدبير الشؤون العامّة. ولا يفسّر السنّة الولاية بهذا المعنى، لذلك يحجمون عن الاعتراف بمفاد حديث الغدير ومعناه الحقيقيّ مع تسليمهم بوجوده. إنّهم يقولون: إن عمر وأبا بكر سمعا حديث الغدير أيضاً. وهنّئا عليّ بن أبي طالب بقولهما: بَخٍّ بَخٍّ، بَيدَ أنّه لو كان معنى الولاية هو الإمامة، لما خالفا، فلا يعني المولى -إذاً- أنّه الإمام. بل هو الناصر، ابن العمّ، والمحبّ، ونظائر ذلك.
ولكنّ اعتراض الحارث بن النعمان الفهريّ على رسول الله في الآية: سَألَ سَائلٌ كان على أساس فهمه أنّ المراد هو الإمامة والخلافة، لأنّه فهم الإمامة من قوله: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ. فلهذا نجد أنّ ابن تيميّة المتعصّب لا بدّ له أن ينكر ذلك كيفما كان، وإلّا فإنّ اسس مذهبه سوف تنهار.
ولله الحمد فقد انهارت ولم تبق لمذهبه ومذهب أصحابه كرامة واعتبار من خلال بحوث العلماء الأبرار حماة التشيّع.
[1] الآية 57، من السورة 33: الاحزاب.