قال السيّد ابن طاووس بعد ذكر هاتين الروايتين اللتين نقلناهما عن «الكافي»: ومن اولئك الذين رووا في فضل الغدير: الشُّيُوخُ المُعَظَّمُونَ: أبُو جَعْفَر مُحَمَدُ بْنُ بَابَوَيْه، والمُفِيدُ محَمَّدُ بن محَمَّدُ بن النُّعْمَان، وأبُو جَعْفَر مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَن الطُّوسيّ بإسنادهم جميعاً عن الصادق عليه السلام: إنَّ العَمَلَ في يَوْمِ الغَدِيرِ: ثَامِنَ عَشَرَ ذي الحَجَّةِ يَعْدِلُ العَمَلَ في ثَمَانِينَ شَهْراً.[1]
وفي حديث آخر بإسنادهم جميعاً عن الصادق عليه السلام قال: صَوْمُ يَومِ غَدِيرِ خُمٍّ كَفَّارَةُ سِتِّينَ سَنَةً.[2]
ومن الرواة في فضيلة الغدير، مصنّف كتاب «النشر والطيّ» بإسناده عن الحسن بن محمّد بن سعيد الهاشميّ الكوفي، عن فرات بن إبراهيم الكوفي، عن محمّد بن ظهير، عن عبد الله بن فضل الهاشميّ، عن الصادق عليه السلام، عن آبائه عليهم السلام، قَالَ النَّبِيّ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ: يَوْمُ غَدِيرِ خُمٍّ أفْضَلُ أعْيَادِ امَّتِي، هُوَ اليَوْمُ الذي أمَرَنِي فِيهِ بِنَصْبِ أخِي عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ فِيهِ عَلَمًا لُامَّتِي يَهْتَدُونَ بِهِ بَعْدِي. وهُوَ اليَوْمُ الذي أكْمَلَ اللهُ فِيهِ الدِّينَ وأتَمَّ على امَّتِي فِيه النِّعْمَةَ ورَضِيَ لَهُمُ الإسْلَامَ دِيناً.
ثمّ قال: مَعَاشِرَ النَّاسِ! إنَّ عَلِيَّاً مِنِّي وأنَا مِنْ عَلِيّ خُلِقَ مِنْ طِينَتي وهُوَ بَعْدي يُبَيِّنُ لَهُمْ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ سُنَّتِي. وهُوَ أميرُ المؤمِنِينَ وقَائِدُ الغُرِّ المُحَجَّلِينَ ويَعْسُوبُ المُؤْمِنِينَ وخَيْرُ الوَصِيِّينَ وزَوْجُ سَيِّدَةِ نِسَاءِ العَالَمِينَ وأبُو الأئِمَّةِ المَهْدِيِّينَ.
ومن اولئك: محمّد بن عليّ بن محمّد الطرازيّ في كتابه بإسناده المتّصل عن المُفَضَّل بن عُمَر قال: قال لي أبو عبد الله صلّى الله عليه: إذا كان يوم القيامة، زُفّت أربعة أيّام إلى الله عزّ وجلّ كما تزفّ العروس إلى خِدرِها. يوم الفطر، ويوم الأضحى، ويوم الجمعة، ويوم غدير خمّ. ويوم غدير خمّ بين الفطر والأضحى، ويوم الجمعة كالقمر بين الكواكب.
وإنّ الله ليوكل بغدير خمّ ملائكته المقرّبين، وسيّدهم يومئذٍ جبرائيل عليه السلام. وأنبياء الله المرسلين وسيّدهم يومئذٍ محمّد صلّى الله عليه وآله. وأوصياء الله المنتجبين وسيّدهم يومئذٍ أمير المؤمنين. وأولياء الله وساداتهم يومئذٍ سلمان، وأبو ذرّ، والمقداد، وعمّار.
حتّى يورده الجنان كما يورد الراعي بغنمه الماء والكلأ.
قال المفضّل: قلتُ: سيّديّ! تأمرني بصيامه؟ قال لي: أي واللهِ! أي واللهِ! أي واللهِ! إنّه [عيد الغدير هو] اليوم الذي تاب الله فيه على آدم عليه السلام، فصامه شكراً للّه على ذلك اليوم. وإنّه اليوم الذي نجّى الله تعالى فيه إبراهيم عليه السلام من النار فصام شُكْراً للّه تعالى. وإنّه اليوم الذي أقام موسى عليه السلام هارون عليه السلام عَلَماً، فصام شكراً للّه تعالى ذلك اليوم. وإنّه اليوم الذي أظهر عيسى عليه السلام وصيّه شمعون الصفا، فصام شكراً للّه عزّ وجلّ ذلك اليوم. وإنّه اليوم الذي أقام رسول الله صلّى الله عليه وآله علياً عليه السلام للناس عَلَماً، وأبان فيه فضله ووصيّه، فصام شكراً للّه تعالى ذلك اليوم. وإنّه ليوم صيام، وقيام، وإطعام، وصلة الإخوان، وفيه مرضاة الرحمن، ومرغمة الشيطان.[3]
وذكر السيّد ابن طاووس بعد عرض هذه الروايات فصلًا في عِلَل وموجبات فضل عيد الغدير، وقال: فَصْلٌ في جواب من سأل عمّا في يوم الغدير من الفضل، وقصر فهمه عمّا ذكرناه من ذلك النقل.
اعلم أنّ من التنبيه على أنّ فضل يوم الغدير ما عرف مثله بعده ولا قبله لأحد من الأوصياء والأعيان فيما مضى من الأزمان، وجوه منها: إن الله جلّ جلاله جعل نفس عليّ عليه السلام نفس النبيّ صلّى الله عليه وآله في آية المباهلة، فقال تعالى: {فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وأَبْناءَكُمْ ونِساءَنا ونِساءَكُمْ وأَنْفُسَنا وأَنْفُسَكُمْ}.[4]
وقد ذكرنا في كتاب «الطرائف» عن المخالفين [من أهل السنّة] أنّ الأبناء: الحسن، والحسين، والنساء: فاطمة، وأنفُسَنا: عليّ بن أبي طالب، عليهم السلام.
ومنها: جرى من التعظيم لنفس رسول الله. فمولانا عليّ عليه السلام داخل فيما يكن دخوله فيه من ذلك المقام. ولو اقتصرنا على هذا الوجه الكبير لكفي في تعظيم يوم الغدير.
ومنها: أنّنا روينا في «الطرائف» عن المخالف أنّ نور عليّ عليه السلام من نور النبيّ صلّى الله عليه وآله في أصل خلقتهما، وأنّ ذلك بيّنة على تعظيم منزلتهما.
ومنها: أنّ مولانا عليّ عليه السلام في امّة رسول الله صلّى الله عليه وآله.[5]
ومنها: كلما عصمت حرمة المنصوص عليه بالخلافة، كان ذلك تعظيماً لمن كان عنه. ومولانا عليّ عليه السلام نائب عن الله ورسوله في كلّ رحمة ورأفة. وأمان من كلّ آفة ومخافة.
ومنها: إنّ الله جلّ جلاله قال: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ}.[6]
فيكون عليّ عليه السلام بمقتضى هذا الوصف المتمثّل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي لا يجحد ولا ينكر، الرئيس من الله ورسوله على هذه الامّة التي هي خير الامم، أعظم من كلّ رئيس في شرف القِدَم وعلوّ الهِمَمم وكمال القسم.
ومنها: أنّ الامتحان بنصّ الله جلّ جلاله ورسوله صلوات الله عليه على مولانا عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وجدناه أعظم من كلّ امتحان عرفناه للأوصياء، لأجل ما اتّفق لمولانا على من كثرة الحاسدين وأعداء الدين الذين عاداهم وجاهدهم في الله ربّ العالمين، وفي نصرة سيّد المرسلين؛ وقد شهدت عدالة الألباب أنّ المنازل في الفضل تزيد بزيادة الامتحان الوارد من جانب مالك الأسباب.
ومنها: أنّ مولانا عليّاً عليه السلام وقى النبيّ صلّى الله عليه وآله وحفظ الإسلام والمسلمين في عدّة مقامات عجز عنها كثير من قوّة العالمين.
فجازاه الله جلّ جلاله، ورسوله صلّى الله عليه وآله شرف ذلك الفضل المبين بهذا المقام المكين، مثل أنّه بات على فراش رسول الله بمكّة، وقد عجز عنها كلّ من قرب منه، وكانوا بين هارب وعاجز عنه، ولهذا فكلما جرى بالمهاجرة من الشهادة في الدنيا والآخرة، فمولانا حيث فداه بمهجته، أصل الفوائد بنبوّته.
ومنها: أنّ عليّاً عليه السلام أدّى سورة براءة ونبذ عهود المشركين لما نزل إلى خاتم النبيّين: إنَّهُ لَا يُؤَدِّيَها إلَّا أنْتَ أوْ رَجُلٌ مِنْكَ. فكان القائم مقام النبوّة مَوْلَانَا عَلِيّ أمِيرُ المُؤمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ.
ومنها: مقامات مولانا عليّ عليه السلام في بَدْر، وخَيبر، وحُنَيْن، واحُد، وفي كلّ موقف كان يمكن أن يخذل الوالد ولده.
ومنها: قتل مولانا عليّ عليه السلام عَمْرو بن عَبْد ودٍّ العظيم الشأن. وقد روينا في كتاب «الطرائف» عن المخالفين من العامّة أنّ النبيّ صلّى الله عليه وآله قال: لَضَرْبَةُ عَلِيّ لِعَمْرو بْنِ عَبْدوُدٍّ أفْضَلُ مِنْ عَمَلِ امَّتِي إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. وفي حديث آخر: لَضَرْبَةُ عَلِيّ يَوْمَ الخَنْدَقِ أفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ الثَّقَلَيْنِ.
[1] 1 «الإقبال» ص 465.
[2] «الإقبال» ص 466؛ ورواه في «مصباح المتهجّد» ص 512، عن المفضّل بن عمر، عن الإمام الصادق عليه السلام.
[3] «الإقبال» ص 466.
[4] الآية 61، من السورة 3: آل عمران: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أبْنَآءَنَا وأبْنَآءَكُمْ ونِساءَنَا ونِسَاءَكُمْ وأنفُسَنَا وأنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَعْنَتَ اللهِ على الْكَاذِبِينَ. أي: كلّ من جادلك وحاجَّك في عيسى ابن مريم هل هو الله أو ابن الله بعد ما عرفت حقيقة المطلب من الله وعلمت أنّه مخلوق، فقل تعالوا نحن وإيّاكم وأبناءنا ونساءنا وأنفسنا فنتباهل وندعو بالهلاك على الكاذب.
[5] تحدّث سماحة استاذنا العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه في الجزء الأوّل من «الميزان» ص 322 إلى 327 حديثاً جامعاً ومشبعاً عن أنّ المراد بالامّة الوسطى في الآية الشريفة 143، من السورة 2: البقرة: وكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ امَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ على النَّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا، ليس الامّة كلها، لأنّ عنوان: شهداء على الناس هو الاطّلاع على أعمال الدنيا وأسرارهم فيها. وما لم يكن هذا العلم لأحد، فلا يمكن أن يكون شاهداً وشهيداً على الناس يوم القيامة. ولا محالة أنّ الامّة الوسطى أفراد مخصوصون من الامّة، مطّلعون على أسرار الناس ونيّاتهم وبواطنهم. يتحمّلون الشهادة ويؤدّونها يوم القيامة. وهذا يخُصّ الأئمّة الأطهار عليهم السلام وأولياء الله الشاهدين على أعمال الناس، والنبيّ شاهد على أعمالهم.
فعلى هذا، وفي ضوء هذا البيان، أنّ أمير المؤمنين عليه السلام من امّة رسول الله حقّاً، وهو داخل في هذه الجماعة فحسب.
[6] الآية 110، من السورة 3: آل عمران.