إذا كان صبيحة يوم عيد الغدير، وجب الغسل في صدر نهاره، وأن يلبس المؤمن أنظف ثيابه وأفخرها، ويتطيّب، ويرفع يده بالدعاء ويقول: اللهُمَّ إنَّ هَذَا اليَوْمَ الذي شَرَّفْتَنَا فِيهِ بِوَلَايَةِ وَلِيِّكَ عَلِيّ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ وجَعَلْتَهُ أميرَ المُؤْمِنِينَ وأمَرْتَنَا بِمُوالاتِهِ وطَاعَتِهِ وأنْ نَتَمَسَّكَ بِمَا يُقَرِّبُنَا إلَيْكَ ويُزْلِفُنَا لَدَيْكَ أمْرُهُ ونَهْيُهُ!
اللهُمَّ قَدْ قَبِلْنَا أمْرَكَ ونَهْيَكَ وأطَعْنَا لِنَبِيِّكَ وسَلَّمْنَا ورَضِينَا فَنَحْنُ مَوَالِى عَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وأوْلِيَائِهِ كَمَا أمَرْتَ نُوَاليه، ونُعَادِي مَنْ يُعَادِيهِ، ونَبْرَا مِمَّنْ يَبْرَا مِنْهُ ونُبْغِضُ مَنْ أبْغَضَهُ، ونُحِبُّ مَنْ أحَبَّهُ، وعَلِيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَوْلَانَا كَمَا قُلْتَ وإمَامُنَا بَعْدَ نَبِيِّنَا صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ كَمَا أمَرْتَ.
فإذا كان وقت الزوال، أخذتَ مجلسك بهدوء وسكون ووقار وهيبة وإخبات، وتقول: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ كَمَا فَضَّلَنَا في دِينِهِ على مَنْ جَحَدَ وعَنَدَ وفي نَعِيمِ الدُّنْيَا على كَثِيرٍ مِمَّنْ عَمَدَ. وهَدَانَا بِمُحَمَّدٍ نَبِيِّهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ وشَرَّفَنَا بِوَصِيِّهِ وخَلِيفَتِهِ في حَيَاتِهِ وبَعْدَ مَمَاتِهِ أميرِ المُؤمِنِينَ عَلَيْهِ السَّلَامُ. اللهُمَّ إنَّ محَمَّداً صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ نَبِيُّنَا كَمَا أمَرْتَ وعَلِيَّاً عَلَيْهِ السَّلَامُ مَوْلَانَا كَمَا أقَمْتَ، ونَحْنُ مَوَاليه وأوْلِيَاؤُهُ.
ثمّ تقوم وتصلي شكراً للّه تعالى ركعتين وتقرأ في الاولى الحمد والقدر، وفي الثانية الحمد والتوحيد، وتقنت، وتركع، وتتمّ الصلاة، وتسلم، وتخرّ ساجداً وتقول في سجودك: اللهُمَّ إنَّا إلَيْكَ وُجُوهَنَا جُوهَنَا في يَوْمِ عِيدِنَا الذي شَرَّفْتَنَا فِيهِ بِوَلَايَةِ مَوْلَانَا أميرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيّ بْنِ أبي طَالِبٍ صلّى الله عَلَيْهِ؛ عَلَيْكَ نَتَوَكَّلُ، وبِكَ نَسْتَعِينُ في امُورِنَا.
اللهُمَّ لَكَ سَجَدَتْ وُجوهُنَا، وأشْعَارُنَا، وأبْشَارُهَا، وجُلُودُنَا، وعُرُوقُنَا، وأعْظُمُنَا، وأعْصَابُنَا، ولُحُومُنَا، ودِمَاؤُنَا.
اللهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ، ولَكَ نَخْضَعُ، ولَكَ نَسْجُدُ على مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ ودِينِ محَمَّد، ووَلَايَةِ عَلِيّ صَلَوَاتُكَ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ، حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ، ومَا نَحْنُ مِنَ المُشْرِكِينَ ولَا مِنَ الجَاحِدِينَ.
اللهُمَّ العَنِ الجَاحِدِينَ المُعَانِدِينَ المُخَالِفِينَ لأمْرِكَ وأمْرِ رَسُولِكَ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ. اللهُمَّ العَنِ المُبْغِضِينَ لَهُمْ لَعْناً كَثِيراً لَا يَنْقَطِعُ أوَّلُهُ ولَا يَنْفَدُ آخِرُهُ.
اللهُمَّ صَلِّ على مُحَمَّد وآلِهِ، وثَبِّتْنَا على مُوَالاتِكَ، ومُوَالاةِ رَسُولِكَ وآلِ رَسُولِكَ ومُوَالاةِ أميرِ المُؤْمِنِينَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِم.
اللهُمَّ آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وأحْسِنْ مُنْقَلَبَنَا يَا سَيِّدِنَا ومَوْلَانَا.
ثمّ كُلْ واشرب، وأظهر السرور، وأطعم إخوانك، وأكثر برّهم! واقض حوائج إخوانك إعظاماً ليومك! وخلافاً على من أظهر فيه الاغتمام والحزن، ضَاعَفَ اللهُ حُزْنَهُمْ وغَمَّهُمْ. والحق بإخوانك، واسع في قضاء حوائجهم![1]
وذكر العلّامة الأميني بإسناد الكليني، عن الحسين بن الحسن الحسيني، عن محمّد بن موسى الهَمْداني، عن عليّ بن حسّان الواسِطيّ، عن عليّ بن الحسين العَبْديّ قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: صِيَامُ يَوْمِ غَدِيرِ خُمٍّ يَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ في كُلِّ عَامٍ مِائَةَ حِجَّةٍ ومائِة عُمْرَةٍ مَبْرُورَاتٍ مُتَقَبَّلَاتٍ، وهُوَ عِيدُ اللهِ الأكْبَرُ (الحديث).[2]
وفي «مختصر بصائر الدرجات» بإسناده عن محمّد بن العَلاء الهَمْداني الواسِطيّ، ويحيى بن جريح البغداديّ، قالا في حديث: قصدنا جميعاً أحمد بن إسحاق القمّيّ، صاحب الإمام أبي محمّد العَسْكَريّ، المتوفي بمدينة قم سنة 260، وقرعنا عليه الباب، فخرجت إلينا من داره صبيّة عراقيّة فسألناها عنه! فقالت: هو مشغول بعيده، فإنّه يوم عيد!
فتعجّبنا وقلنا: سُبْحَانَ اللهِ! أعياد الشيعة أربعة: الأضحى، والفطر، والغدير، والجمعة (الحديث).[3]
وجاء عن كتاب «النَّشْر والطيّ»، عن الرضا عليه السلام، في حديث طويل: يوم الغدير يوم التهنئة، وإذا لقي المؤمن أخاه يقول: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي جَعَلَنَا مِنَ المُتَمَسِّكِينَ بِوِلَايَةِ أميرِ المؤمِنِينَ والأئِمَّة عَلَيْهِمُ السَّلَامُ.[4]
وورد في كتاب محمّد بن عليّ الطرازيّ، عن الإمام الصادق عليه السلام في حديث: إذا لقيت أخاك المؤمن، فقل: الحَمْدُ لِلَّهِ الذي أكْرَمَنَا بِهَذَا اليَوْمِ، وجَعَلَنَا مِنَ المُؤْمِنِينَ وجَعَلَنَا مِنَ المُوفِينَ بِعَهْدِهِ الذي عَهِدَهُ إلَيْنَا ومِيثَاقِهِ الذي وَاثَقَنَا بِهِ مِنْ وِلَايَةِ وُلَاةِ أمْرِهِ والقُوَّامِ بِقِسْطِهِ ولَمْ يَجْعَلْنَا مِنَ الجَاحِدِينَ والمُكَذِّبِينَ بِيَوْمِ الدِّينِ.
ووردت في يوم الغدير أدعية مختصرة ومطوَّلة. ونقل المرحوم السيّد ابن طاووس أعلى الله تعالى درجته أدعية مطوّلة عن الإمام الصادق، وعن بعض الكتب القديمة، ورواية الشيخ المفيد.[5]
ووردت في ذلك اليوم زيارة مخصوصة لمولى الموالى أمير المؤمنين عليه السلام يزار بها من قريب أو بعيد. وثمّة زيارة اثرت عن الإمام الصادق عليه السلام نقلها ابن طاووس عن عدّة من مشايخ الشيعة، عن أبي عبد الله محمّد بن أحمد الصفواني في كتابه بإسناده إلى الإمام، قال: إذا كنت في يوم الغدير في مشهد مولانا أمير المؤمنين عليه السلام، فادن من قبره بعد الصلاة والدعاء! وإن كنت في بُعد، فأوم إليه بعد الصلاة! واقرأ هذا الدعاء، اللهُمَّ صَلِّ على وَلِيِّكَ وأخِي نَبِيِّكَ ووَزِيرِهِ وحَبِيبِهِ وخَلِيلِهِ ومَوْضِعِ سِرِّهِ وخِيَرَتِهِ مِنْ اسْرَتِهِ ووَصِيِّهِ إلى آخره.[6]
ومن الزيارات، زيارة أمين الله المعروفة، ذكرها ابن طاووس في زيارة الغدير. قال السيّد: فصْلٌ فيما نذكره من تعيين زيارة لمولانا عليّ عليه السلام في يوم الغدير.
اعلم أنّنا ذكرنا في كتاب «مِصْبَاحِ الزَّائرِ وجَنَاحَ المُسَافِر» عدّة روايات مطوّلات يضيق عن مثلها مثل هذا الميقات، لأنّ يوم الغدير يختصّ بيومه زيارات في كتاب المَسَرَّة من كتاب «المَزَار» لابن أبي قُرَّة. وهي زيارات يوم الغدير رويناها عن جماعة إلى ابن أبي قرّة:
منها، قال ابن أبي قُرَّة: أخبرنا محمّد بن عبد الله، قال: أخبرنا أبي، قال: أخبرنا الحسن بن يوسف بن عميرة، عن أبيه، عن جابر بن يزيد الجُعْفي، عن أبي جعفر محمّد بن عليّ عليهما السلام، قال: كان أبي عليّ بن الحسين عليهما السلام قد اتّخذ منزله من بعد مقتل أبيه الحسين بن عليّ عليهما السلام بيتاً من شعر، وأقام بالبادية، فلبث بها عدّة سنين، كراهيةً لمخالطته الناس وملابستهم.
وكان دأبه أنّه يسير من البادية بمقامه بها إلى العراق زائراً لأبيه وجدّه عليهما السلام، ولا يشعر بذلك أحداً.
قال مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيّ: فخرج أبي سلام الله عليه متوجّهاً إلى العراق لزيارة أمير المؤمنين عليه السلام، وأنا معه، وليس معنا ذو روح إلّا الناقتين.
فلما انتهى إلى النجف من بلاد الكوفة، وصار إلى مكانه منه، فبكى حتّى اخضلّت لحيته بدموعه، ثمّ قال: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُهُ. السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أمِينَ اللهِ في أرْضِهِ وحُجَّتَهُ على عِبَادِهِ، إلى أن بلغ قوله: مَشْغُولَةً عَنِ الدُّنْيَا بِحَمْدِكَ وثَنَائِكَ. ثمّ وضع خدّه على القبر، وقال: اللهُمَّ إنَّ قُلُوبَ المُخْبِتِينَ إلَيْكَ وَالِهَةٌ، إلى أن قال: وغَايَةُ رَجَائِي، في مُنْقَلَبِي ومَثْوَايَ.
قال جابر الجعفي: قال لي الباقر عليه السلام: ما قال هذا الكلام، ولا دعا به أحد من شيعتنا عند قبر أمير المؤمنين عليه السلام، أو عند قبر أحد من الأئمّة عليهم السلام إلّا وقّع دعاؤه في دَرَج من نور، بطابع محمّد صلّى الله عليه وآله، [و كان محفوظاً كذلك] حتّى يسلّم إلى قائم آل محمّد صلوات الله عليه، فيتلقى صاحبه بالبشرى والتحيّة والكرامة، إن شاء الله.[7]
قال جابر: حدّثت بهذا الحديث أبا عبد الله جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام، فقال: زد فيه: إذا ودّعت أحد الأئمّة، فقل: السَّلَامُ عَلَيْكَ أيُّهَا الإمَامُ ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُهُ! أسْتَوْدِعُكَ اللهَ وعَلَيْكَ السَّلَامُ ورَحْمَةُ اللهِ! آمَنَّا بِالرَّسُولِ وبِمَا جِئتُمْ بِهِ وبِمَا دَعَوْتُمْ إلَيْهِ! اللهُمَّ لَا تَجْعَلْهُ آخِرَ العَهْدِ مِنْ زِيَارَتِي وَلِيَّكَ، اللهُمَّ لا تَحْرِمْني ثَوَابَ مَزَارِهِ الَّذِي أوْجَبْتَ لَهُ ويَسِّرْ لَنَا العَوْدَ إلَيْهِ إنْ شَاءَ اللهُ!
وقال السيّد ابن طاووس بعد نقل هذه الزيارة المعتبرة عن كتاب «المزار» لابن أبي قُرّة: أقول: وقد زار مولانا الصادق عليه السلام قبر أمير المؤمنين عليه السلام بنحو هذه الألفاظ من الزيارة، تركنا ذكرها خوف الإطالة.
وروى جدّي أبو جعفر الطوسيّ[8] هذه الزيارة ليوم الغدير عن جابر الجُعفي، عن الإمام الباقر عليه السلام أنّ مولانا عليّ بن الحسين عليهما السلام زار أمير المؤمنين بهذه الزيارة في يوم الغدير، وفي ألفاظها خلاف، ولم يذكر فيها وداع.[9]
ومن الأعمال في عيد الغدير: الصيام إذ مرّت في تضاعيف هذا البحث كثير من روايات الخاصّة والعامّة في فضيلة صوم هذا اليوم. وذكر أنّ ثوابه يعدل ثواب صيام ستّين شهراً، وثمانين شهراً، وستّين سنة، وستّين شهراً في الأشهر الحرم.
وننقل فيما يأتي رواية عن ابن طاووس، عن كتاب محمّد بن عليّ الطرازيّ، عن أبي الحسن عبد القاهر بوّاب الإمام موسى بن جعفر، وأبي جعفر محمّد بن عليّ الجواد عليهما السلام، قال: حدّثنا أبو الحسن عليّ بن حَسَّان الواسطيّ بواسط في سنة ثلاثمائة، قال: حدّثني عليّ بن الحسن بن عليّ العبديّ، قال: سمعت أبَا عَبْدِ اللهِ جَعْفَر بن مُحَمَّدٍ الصَّادِق عليه وعلى آبائه وأبنائه السلام يقول: صَوْمُ يَوْمِ غَدِيرِ خُمٍّ يَعْدِلُ صِيَامُ الدُّنْيَا لَوْ عَاشَ إنْسَانٌ عُمْرَ الدُّنْيَا ثمَّ لَوْ صَامَ مَا عُمِّرَتِ الدُّنْيَا لَكَانَ لَهُ ثَوَابُ ذَلِكَ. وصِيَامُهُ يَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ مِائَةَ حِجَّةٍ ومِائَةَ عُمْرَةٍ وهُوَ عِيدُ اللهِ الأكْبَرُ.
وَمَا بَعَثَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ نَبِيَّاً إلَّا وتَعَيَّدَ في هَذَا اليَوْمِ، وعَرَفَ حُرْمَتَهُ. واسْمُهُ في السَّمَاءِ يَوْمُ العَهْدِ المَعْهُودِ، وفي الأرْضِ يَوْمُ المِيثَاقِ المأخُوذِ والجَمْعِ المَشْهُودِ الحديث.[10]
[1] «الإقبال» ص 474 و475.
[2] (2 و3) «الغدير» ج 1، ص 286 و287.
[3] (2 و3) «الغدير» ج 1، ص 286 و287.
[4] «الإقبال»، ص 464.
[5] «الإقبال» ص 476.
[6] «الإقبال» ص 476 إلى 493.
[7] روى الشيخ الطوسيّ هذه الزيارة إلى هنا في «مصباح المتهجّد» ص 514 و515 مرسلةً عن جابر الجعفي.
[8] علىّ بن طاووس من جهة الأب من أولاد طاووس، وطاووس من أولاد الإمام الحسن المجتبى، بهذه السلالة: عليّ بن موسى بن جعفر بن أحمد بن محمّد بن أحمد بن محمّد الطاوسيّ بن إسحاق بن الحسن بن محمّد بن سليمان بن داود بن الحسن المثنى بن الإمام المجتبى الحسن بن عليّ بن أبي طالب عليهما السلام. («الكنى والألقاب» ج 3، ص 299؛ و«تنقيح المقال» ج 2، ص 311). ومن جهة الامّ حفيد ابن إدريس، وابن إدريس ابن حفيد الشيخ الطوسيّ. وأخوه لُامّه وأبيه السيّد أحمد بن طاووس («ريحانة الأدب» ج 8، ص 76).
[9] «الإقبال» ص 470 و471.
[10] «الإقبال» ص 476؛ و«بحار الأنوار» ج 20، ص 314، طبعة الكمباني.