من المَثُوبات والقُرُبات في يوم الغدير تفطير المؤمنين الذي تمّ التأكيد عليه في ذلك اليوم.
وذكر السيّد ابن طاووس رواية مفصلة في فضيلة يوم الغدير عن كتاب «النَّشر والطَّيّ»، يقول الإمام الرضا عليه السلام في فقرات منها: ويَوْمُ تَفْطِيرِ الصَّائِمِينَ، فَمَنْ فَطَّرَ فِيهِ صَائِماً مُؤْمِنَاً كَانَ كَمَنْ أطْعَمَ فِئَامَاً[1] وفِئامَاً إلى أنْ عَدَّ عَشْرَاً، ثمَّ قَالَ: أوتَدْرِي مَا الفِئام؟! قَالَ: لَا! قَالَ: مِائَةُ ألْفٍ، وهُوَ يَوْمُ التَّهْنِئَةِ يُهَنِّيءُ بَعْضُكُمْ بَعْضَاً.[2]
وفي ضوء ما ذكرنا في كتابنا «معادشناسى»[3] (معرفة المعاد)، أنّ ثواب العمل يرتكز على حقيقة العمل وباطنه، وعلى النيّة ودرجة الخلوص وارتباط العمل بالله، وأنّه يرفع الحجاب، ويولّد التقرّب الحقيقيّ من الله، يستبين لنا كيف تترتّب هذه المثوبات العظيمة والجزاءات الوافية على أعمال يوم الغدير، لأنّ العمل لا قيمة له ما لم ينبع من الإخلاص، ولم تَشُبْهُ شائبة الرياء والسمعة وسائر الأغراض، فحقيقة صحّة الأعمال منوطة بعدم إنكار الله، ونبيّه، والولاية، وإذا انتهجت النهج الإلهيّ في صراط القرب المستقيم، فإنّها تُقْبَل. وكلما تشرّب العمل بطعم المحبّة، والخلوص، والصفاء، والوفاء، والحقيقة، زادت قيمته.
إن يوم الغدير الذي هو يوم تمييز الحقّ من الباطل، ويوم إعداد الصفوف من جنود الله قبالة تشكيل جنود الشيطان، هو يوم الامتحان والبلاء العظيم، ويوم افتراق الظاهر والصورة عن الحقيقة والواقع والمعنى والباطن.
إن يوم الغدير هو يوم محاربة الشيطان للّه، ويوم تجلي الولاية، وكلّ من كان في صفّ المؤمنين، وأقرّ بأمر رسول الله، وقبل الآيات النازلة في القرآن، وتقلّد ولاية عليّ طوعاً ورغبة بلا إكراه وإجبار، وفتح صدره وفرش قلبه للطاعة والتبعيّة، فإنّه يتبيّن عظم قدره وقيمته. ولذلك فإنّ يوم الغدير هو يوم الامتحان النهائيّ، وهو يوم النجاح والرسوب. والكلّ يعلمون أنّ جهود سنة، أو مرحلة، أو عمر، يبذلها الطالب تتجلّى يوم الامتحان. فكلّ ساعة من يوم الامتحان تعدل ساعات من غيره. ولو غاب طالب المدرسة في الأوقات العاديّة اسبوعاً أو أكثر، فإنّ غيابه يمكن تداركه وتلافيه، أمّا لو غاب ساعة من يوم الامتحان، فإنّ غيابه يساوي إهدار جميع أتعابه ومساعيه، وتحمّله المشاكل المختلفة طيلة سنة كاملة.
وإذا احترم أحد يوم الغدير، فإنّه احترم كلام الله ورسوله وخليفته. فيوم الغدير يعادل عمر الدهر، وساعة من ساعاته تعدل الأيّام والشهور، ودقيقة من دقائقه ولحظة من لحظاته تساوي الأيّام الاخرى، وهَلُمَّ جَرَّا.
وعلى هذا إذا صام امرؤ في يوم الغدير طائعاً راغباً، حبّاً لعليّ والولاية، واستجابةً لنداء الحقّ، فإنّ كلّ لحظة من عطشه وجوعه مساوقة للأيّام والشهور الاخرى. ولذا لاعجب، بل طبقاً للموازين العقليّة والنظريّة، أنّ الجزاء العظيم للعاملين في يوم عيد الغدير، إذا نتج عن قبول الولاية وربطها بالأمام بلا شكّ، صحيح وثابت.
وهذه هي مدرسة الشيعة، وهذا هو الانفتاح والحقيقة وذروة المحبّة والمودّة والإيثار والحقيقة التي تتدفّق منها كالنافورة. أمّا مدرسة العامّة الخائبة المسكينة فهي جامدة جافّة جوفاء، إذ إنّ أتباعها عند ما يصلون إلى رواية صحيحة مأثورة عن رسول الله على أنّ الصوم في يوم الغدير يعدل صوم ستّين شهراً، ينسون أنفسهم، ويقولون: كيف يمكن أن يكون صوم يوم واحد مستحبّ معادلًا لصوم ستّين شهراً؟!
وأورد ابن كثير الدمشقيّ في كتاب «البداية والنهاية» الرواية التي نقلناها سابقاً عن «تاريخ بغداد»، وذكرنا أنّ الخطيب البغداديّ نصّ على عدالة ووثوق راويها حَبْشُون الخلّال، وأحمد بن عبد الله بن أحمد النيّريّ. ولما ورد فيها أنّ رسول الله عدّ صيام يوم الغدير معادلًا لصيام ستّين شهراً، أنكر ذلك. وفيما يأتي عبارة ابن كثير: وأمّا الحديث الذي رواه ضمرة عن ابن شوذب، عن مطر الورّاق، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، وفيه: قَالَ: لَمَّا أخَذَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ بِيَدِ عَلِيّ قَالَ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ. فَأنْزَلَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي}. قَالَ أبُو هُرَيْرَةَ: وهُوَ يَوْمُ غَدِيرِ خُمٍّ. مَن صَامَ يَوْمَ ثَمَان عَشْرَةَ مِنْ ذي الحِجَّةِ كُتِبَ لَهُ صِيَامُ سِتِّينَ شَهْراً.
فإنّه حديث منكر جدّاً، بل كذب لمخالفته لما ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطّاب أنّ هذه الآية نزلت في يوم الجمعة يوم عرفة، ورسول الله صلّى الله عليه وآله واقف بها كما قدّمنا. وكذا قوله إنّ صيام يوم الثامن عشر من ذي الحجّة، وهو يوم غدير خمّ يعدل صيام ستّين شهراً لا يصحّ لأنّه قد ثبت ما معناه في الصحيح أنّ صيام شهر رمضان بعشرة أشهر، فكيف يكون صيام يوم واحد يعدل ستّين شهراً. هذا باطل.
وقد قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبيّ بعد إيراده هذا الحديث: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ جِدَّاً.
ورواه حبشون الخلّال، وأحمد بن عبد الله بن أحمد النيّريّ -و هما صدوقان- عن عليّ بن سعيد الرملي، عن ضمرة.
قال الذهبيّ: ويروى هذا الحديث من حديث عمر بن الخطّاب ومالك بن الحُوَيْرِث، وأنس بن مالك، وأبي سعيد، وغيرهم بأسانيد واهية. وقال الذهبيّ أيضاً: وصدر الحديث متواتر، أتيقّن أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله قاله. وأمّا اللهُمَّ والِ مَنْ وَالاهُ فزيادة قويّة الإسناد. وأمّا هذا الصوم، فليس بصحيح، ولا والله ما نزلت هذه الآية إلّا يوم عرفة قبل غدير خمّ بأيّام، والله تعالى أعلم.[4]
هذا هو كلام ابن كثير نصّاً، وقد نقلناه هنا حرفيّاً رعاية للأمانة.
ونقول في جواب الذهبيّ وتلميذه الذيلي: في ضوء قاعدة وقانون باب التعادل والتراجيح في علم الاصول، إذا تعارضت روايتان صحيحتان في المتن، فإنّهما تسقطان عند فقدان المرجّحات بسبب التعارض، وينبغي الرجوع إلى دليل آخر.
إن الرواية الواردة عن عمر بن الخطّاب، المذكورة في الصحيحين، على فرض صحّة سندها، ينبغي أن تتعارض مع رواية الخطيب البغداديّ، لأنّ تلك الرواية صحيحة السند أيضاً. وما هو الدليل والمرجّح على أن تعتبروا رواية عمر هي الأصل؟ وتسقطوا رواية الخطيب لاختلاف متنها مع متن الرواية المشار إليها؟! إن رواة رواية الخطيب هم: أبو هريرة، وشهر بن حوشب الأشعريّ، ومطر بن طهمان الورّاق أبو رجاء الخراساني، وأبو عبد الرحمن شوذب، وضمرة بن ربيعة القُرَشيّ، وأبو نصر عليّ بن سعيد الرملي، وحبشون بن موسى بن أيّوب الخلّال، والحافظ أبو الحسن عليّ بن عمر الدارقطني. وهؤلاء كلّهم عدول ثقات عند العامّة، وهم حائزون على أعلى درجة في شروط قبول الخبر، والرواية التي أوردوها هي رواية صحيحة كما يصطلح عليها، ولا يتسنّى رفضها طاعةً للهوى، كما لا يمكن إهمالها والتغاضي عنها لمخالفة مضمونها مضمون رواية عمر بن الخطّاب.
ونستخلص من هنا أنّ مقياس الصحّة والوثاقة والقبول والردّ في كتب العامّة قائم على أساس مذهبهم، لا على قاعدة التراجيح، فلهذا لا يبقى لهذه الروايات شأن عموماً، لأنّه بناءً على مقياس المذهب والانحياز إلى الخلفاء، تطعن وتقدح الرواية الواردة عنهم، كالشخص المدّعي الذي يجعل نفسه شاهداً على دعواه.
وثانياً: إنّ نزول الآية {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} في يوم الغدير كما تحدّثنا عن ذلك بالتفصيل سابقاً مدعوم بروايات اخرى رواها ابن مردويه، والطبريّ، والخطيب، وأبو نُعيم، والسجستاني، والحَسْكاني، وابن عساكر، وغيرهم في كتبهم، وهذه الروايات تؤيّد رواية حبشون وترجّحها في مقابل رواية عمر.
وثالثاً: يمكن أن تكون الآية قد نزلت مرّتين، كما قلنا سابقاً، الاولى في يوم عرفة بنحوٍ، والثانية في يوم الغدير بنحوٍ آخر، ذلك أنّ قضيّة الولاية قد طرحت في يوم عرفة، وتمّ التأكيد عليها، كما تفيده خطبة رسول الله.
يقول ابن كثير: لما جاء في الرواية أنّ صوم عيد الغدير يعادل صوم ستّين شهراً، وإنّ هذا الكلام باطل، فإنّ هذا البطلان يستلزم ضعف الرواية من أصلها.
ينبغيّ أن نقول له: ولم لا يعادل صوم الغدير صوم ستّين شهراً؟ ويجيب بأنّه صوم مستحبّ، وأنّه ليس أهمّ من صوم شهر رمضان الواجب، وأنّ ثواب شهر رمضان يعدل ثواب عشرة أشهر. وعند ما تشرّفت بأداء فريضة الحجّ هذا العام، جرى نقاش ذات ليلة مع أحد علماء الوهّابيّة في المسجد الحرام، وكان قد حفظ كلام ابن كثير حول صوم الغدير نصّاً، وقال: لما كانت هذه الرواية تعتبر صوم يوم واحد معادلًا لصوم ستّين شهراً، وهذا لا يعقل، لذلك لا حجّيّة لها.
وكان شابٌّ من شيعة البحرين جالساً إلى جنبي، فقال له: كم يتقاضى هؤلاء السقّاءون الذين تراهم يتجوّلون في المسجد الحرام، ويتجشّمون العناء في إيصال آنية الماء الثقيلة إلى نقاط المسجد المختلفة؟! قال: خمسمائة ريال سعوديّ كحدٍّ أعلى!
قال الشابّ: لو جاء الملك السعوديّ يوماً لزيارة المسجد الحرام والطواف فيه، وبادر أحد السقّائين فملأ له إنّاءً نظيفاً من الماء عطّره بشيء من ماء الورد، وقدّمه إليه مع باقة ورد، أو ورقة خضراء، مظهراً له الاحترام الكثير والأدب. فكافأه الملك بهديّة مقدارها ألف ريال، فهل أساء الملك في عمله هذا؟ قال: لا!
قال الشابّ: إنّ الراتب الشهريّ الذي يتقاضاه السقّاء لو قسّم على أيّام الشهر، فإنّه يأخذ في كلّ يوم ستّة وعشرين ريالًا وشيئاً قليلًا معها، والمبلغ الذي يستلمه طيلة الساعة التي يوجد فيها الملك لا تعدو ريالين أو ثلاثة، وهذا المبلغ يأخذه مع راتبه الشهريّ، فكيف يصحّ إعطاؤه ألف ريال بلا عوض إزاء عمل غير واجب، ويمدح ذلك العقلاء؟ فكذلك صوم الغدير الذي هو موهبة من مالك الملوك وملكهم وربّ الأرباب لعبد مخلص ومؤمن أراد التعبير عن حبّه وولائه لعليّ عليه السلام من خلال صيام يوم واحد. فلم يحر الوهّابي جواباً، والجم واجماً. {فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ}.[5]
[1] الفئام في اللغة الجماعة من الناس. ويقول الإمام هنا بخاصّة: المقصود من هذه الجماعة التي لها ثواب الصيام مائة ألف شخص.
[2] «الإقبال» ص 464.
[3] في المجلس التاسع والعاشر من الجزء الأوّل، وفي المجلس الثالث والستّين من الجزء التاسع.
[4] 1 «البداية والنهاية» ج 5، ص 213 و214.
[5] الآية 258، من السورة 2: البقرة.