روى شيخ الإسلام الحمّوئيّ بعد عرض روايتين في غدير خمّ، وذكر أشعار حسّان بن ثابت، روى بسنده المتّصل عن أبي راشد، عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام أنّه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ: إنَّ اللهَ أيَّدَنِي يَوْمَ بَدْرٍ وحُنَيْنٍ بِمَلَائِكَةٍ مُعْتَمِّينَ هَذِهِ العِمَامَةَ. والعِمَامَةُ [هِيَ] الحَاجِزُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ والمُشْرِكِينَ.
قالَهُ لِعَلِيّ لَمَّا عَمَّمَهُ يَوْمَ غَديرِ خُمٍّ بِعِمَامَةٍ سَدَلَ طَرَفَهَا على مِنْكَبِهِ.[1]
وأخرج بسندٍ متّصل آخر عن أحمد بن عيسى بن عبد الله المعروف بأبي طاهر، وعن أبيه، عن جدّه، عن جَعفر بن محمّد عليهما السلام قال: حَدَّثَني أبي عَنْ جَدِّي أنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ عَمَّمَ عَلَيّ بْنَ أبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِمَامَتَهُ السَّحَابَ، فَأرْخَاهَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِهِ، ثمَّ قَالَ: أقْبِلْ فَأقْبَلَ، ثمَّ قَالَ [لَهُ] أدْبِرْ فَأدْبَرَ، [فَ] قَالَ: هَكَذَا جَاءَتَنِي المَلَائِكَةُ.[2]
وكذلك روى الحمّوئيّ بسند متّصل آخر، عن أبي راشد الحَرَّاني، عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام أنّه قال: عَمَّمَني رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ يَوْمَ غَديرِ خُمٍّ بِعِمَامَةٍ فَسَدَلَ طَرَفَهَا على مِنْكَبي، وقَالَ: إنَّ اللهَ أيَّدَنِي يَوْمَ بَدْرٍ وحُنَيْنٍ بِمَلَائِكَةٍ مُعْتَمِّينَ بِهَذِهِ العِمَامَةِ.[3]
وقال العلّامة الأميني: روى الحافظ عبد الله بن أبي شيبة، وأبو داود الطيالسيّ، وابن منيع البغويّ، وأبو بكر البيهقيّ، كما في «كنز العمّال» عن عليّ عليه السلام: عَمَّمَني رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ بِعِمَامَةٍ فَسَدَلهَا خَلْفي (و في لَفْظٍ: فَسَدَلَ طَرَفَهَا على مِنْكَبي) ثمَّ قَالَ: إنَّ اللهَ أمَدَّنِي يَوْمَ بَدْرٍ وحُنَيْنٍ بِمَلَائِكَةٍ يَعْتَمُّونَ هَذِهِ العِمَّةَ. وقَالَ: إنَّ العِمَامَةَ حَاجِزَةٌ بَيْنَ الكُفْرِ والإيمَانِ.[4]
ثمّ قال الأميني: ورواه من طريق السيوطيّ عن الأعلام الأربعة السيّد أحمد القشاشيّ في «السِّمْط المجيد».
وفي «كنز العمّال» عن مسند عبد الله بن الشخير، عن عبد الرحمن بن عديّ البحراني، عن أخيه عبد الأعلى بن عديّ: إنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِه دَعَا عَلِيّ بْنَ أبي طَالِبٍ فَعَمَّمَهُ وأرْخَى عَذَبَةَ العِمَامَةِ مِنْ خَلْفِهِ.[5] (لديلميّ).
وعن الحافظ الديلميّ، عن ابن عبّاس قَالَ: لَمَّا عَمَّمَ رَسُولُ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ عَلِيَّاً بِالسَّحَابِ، قَالَ لَهُ: يَا عَلِيّ! العَمَائِمُ تِيجَانُ العَرَبِ.
وعن ابن شاذان في مشيخته عن عليّ بن أبي طالب: إنَّ النَّبِيّ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ عَمَّمَهُ بِيَدِهِ فَذَنَّبَ العِمَامَةَ مِنْ وَرَائِهِ ومِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ، ثمَّ قَالَ لَهُ النَّبِيّ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ: أدْبِرْ فَأدْبَرَ. ثمَّ قَالَ لَهُ: أقْبِلْ فَأقْبَلَ.
وَأقْبَلَ على أصْحَابِهِ فَقَالَ النَّبِيّ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ: هَكَذَا تَكُونُ تِيجَانُ المَلَائِكَةِ.
وأخرج الحافظ أبو نعيم في «معرفة الصحابة»، ومحبّ الدين الطبريّ في «الرياض النضرة» عن عبد الأعلى بن عديّ النهرواني: إنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ دَعَا عَلِيَّاً يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ فَعَمَّمَهُ وأرْخَى عَذَبَةَ العِمَامَةِ مِنْ خَلْفِهِ.
وذكر العلّامة الزرقاني في «شرح المواهب».[6]
ونقل المولى عليّ المتّقي الهنديّ أحاديث عن رسول الله في فضيلة العمامة. فيما يأتي بعضها: أخرج الباورديّ عن ركانة، قال: العِمَامَةُ على القَلَنْسُوةِ فَصْلُ مَا بَيْنَنَا وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، ويُعْطَى يَوْمَ القِيَامَةِ بِكُلِّ كَوْرَةٍ يَدُورُهَا على رَأسِهِ نُورَاً.
وعن «المعجم الكبير» للطبراني، عن ابن عبّاس، وعن الطبراني أيضاً، عن اسامة: اعْتَمُّوا تَزْدَادُوا حِلْمَاً!
وعن البيهقيّ في «شعب الإيمان»، عن خالد بن معدان مرسلًا: اعْتَمُّوا خَالِفُوا الامَمَ قَبْلَكُمْ!
وعن الديلميّ في «مسند الفردوس» لجابر: رَكْعَتَانِ بِعِمَامَةٍ خَيْرٌ مِنْ سَبْعِينَ رَكْعَةً بِلَا عِمَامَةٍ.
وعن ابن عساكر، عن عبد الله بن عمر: صَلَاةُ تَطَوَّعٍ أوْ فَرِيضَةٍ بِعِمَامَةٍ تَعْدِلُ خَمْساً وعِشْرِينَ صَلَاةً بِلَا عِمَامَةٍ وجُمْعَةٌ بِعِمَامَةٍ تَعْدِلُ سَبْعِينَ جُمْعَةً بِلَا عِمَامَةٍ.
وعن الطبراني، عن ابن عمر، وعن البيهقيّ في «شعب الإيمان»، عن عبادة: عَلَيْكُمْ بِالعَمَائِمِ، فَإنَّها سِيمَا المَلَائِكَةِ، وأرْخُوا لَهَا خَلْفَ ظُهُورِكُمْ! إئْتُوا المَسَاجِدَ حَسِرَاً ومُعَصَّبِينَ! فَإنَّ العَمَائِمَ تِيجَانُ المُسْلِمِينَ![7] وعن الديلميّ، عن عمران بن حصين: العَمَائِمُ وقَارٌ لِلمُؤمِنِ، وعِزٌ لِلعَرَبِ، فَإذَا وَضَعَتِ العَرَبُ عَمَائِمَهَا وضَعَتْ عِزَّهَا.
وعن الديلميّ أيضاً، عن ركانة، لَا تَزَالُ امَّتي على الفِطْرَةِ مَا لَبِسُوا العَمَائِمَ على القَلَانِسْ.[8]
أجل، كما رأينا في أحاديث كثيرة أنّها سنّة أكيدة على المسلمين أن يعتمّوا، وذلك عزّ وشرف. ويوجب قبول الصلاة والجزاء عليها أضعافاً مضاعفة، لأنّ هذا اللباس لباس النبيّ وأمير المؤمنين. ولكن ينبغي أن نعلم أنّ تلك العمامة الواردة في الشرع المطهّر ليست كالعمائم المألوفة، لأنّها ليست أكثر من كَورتين أو ثلاث كورات أوّلًا. وثانياً: ينبغي أن يُرْخَى طرفاها من الأمام ومن الخلف، لا أن يُدْخَلَا في طيّاتها.
وكذلك يستحبّ للإنسان مطلقاً، وبخاصّة عند الصلاة، وخطبة الجمعة، والعيدين. أن يحمل الرداء على منكبه. والرداء غير العباءة المألوفة هذا اليوم، بل هو حلّة بهيئة لباس الإحرام يُلْقَى على المنكب.
ونأمل أن تعود الميول والاتّجاهات من هذه العادات والتقاليد إلى حقيقتها الاولى بعد الركون إلى حقائق الإسلام.
كم كان الاستعمار الكافر يقظاً في زحفه على المسلمين، إذ خطّط لمؤامرة ثقافيّة وأدبيّة ملحّة، واستعمل التعذيب والسجن، فقام أوّل ما قام بنزع العمائم عن الرءوس. ولم تكن العمامة سابقاً لباساً خاصاً للفقهاء والعلماء، بل كان يلبسها جميع الناس بشتّى طبقاتهم، إمّا بدون طربوش أو يشدّونها عليه.
كان الاستعمار يأخذ الناس إلى القوميسيريّة، وينزع عمائمهم. ويشقّ جُبَبَهم، ويسلب عباداتهم، ويقول لهم: من الضروريّ أن تلبسو زيّاً موحّداً! وأي زيّ؟ إنّه الزيّ الاوروبّيّ. ضعوا على رؤوسكم، والبسوا السترة والبنطلون. وإنّ حلق اللحى، ولبس الزنّار وربطة العنق هي من الواجبات في الدوائر الحكوميّة.
وكانوا يقولون: ليس شرف الإنسان في اللباس، بل بالعلم، والعلم حيثما كان، علم، والعالم في أي لباس كان، هو عالم.
لقد كانوا يقولون خطأ ويغالطون. فشرف الإنسان بلباس النبيّ، وبالهيئة التي عليها عمامة المولى أمير المؤمنين. ولو كان العالم في لباس النبيّ، فهو عالم ديني. ولباس الكفر يمثّل مدرسة الكفر ويجسّد الإلحاد والانحراف. وإنّ جنود كلّ مملكة يعرفون بلباسهم ولونه وشعاره.
وفي العصر البهلويّ عند ما كانوا ينزعون العمائم، ولم يسمحوا بالعِمَّة قطّ، نُقل عن أحد علماء تبريز أنّه كان يقول: جاء مدير الشرطة ذات يوم إلى بيتي يبلّغني أن أخلع العمامة، فرفضت، فقال لي: يا سماحة السيّد! إنّ العلم ليس بالعمامة واللباس. ولا تختلف شخصيّة الإنسان سواء كان بالعمامة أم بغيرها، وما هو تأثير العمامة؟! فأجبته قائلًا: كنّا نخال إلى الآن أنّ العمامة لا تأثير لها على الشخصيّة والعلم، والعالم يبقى عالماً مهما كان لباسه، بَيدَ أنّ إصرارك وإلحاحك على نزع العمامة أثار عندنا الشكّ وجعلنا نوقن أنّ للعمامة تأثيرها الملحوظ، فلهذا نحن مجدّون في الاحتفاظ بعمائمنا.
[1] «فرائد السمطين»، ج 1، الباب 12، ص 75، الحديث رقم 41.
[2] «فرائد السمطين»، ج 1، الباب 12، ص 76، الحديث رقم 42.
[3] «فرائد السمطين»، ج 1، الباب 12، ص 76، الحديث 43.
[4] «روى هذا الحديث في «كنز العمّال» ج 19، ص 222. الطبعة الثانية، حيدرآباد، عن الطيالسيّ والبيهقيّ: عن علىّ بن أبي طالب عليه السلام.
[5] ««الغدير» ج 1، ص 291.
[6] «الغدير» ج 1، ص 291.
[7] «كنز العمّال» ج 19، ص 222 و223، الطبعة الثانية، حيدرآباد، سنة 1391.
[8] «كنز العمّال» ج 19، ص 223.