لمّا انتهت معركة الجمل، نادى منادي أمير المؤمنين عليه السلام: أنْ لَا يُجْهَزْ على جَرِيحٍ، ولَا يُتْبَعْ مُوَلٍّ؛ ولَا يُطْعَنْ في وَجْهِ مُدْبِرٍ؛ ومَنْ ألْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ؛ ومَنْ أغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ. ثُمَّ آمَنَ الأسْوَدَ والأحْمَرَ[1]
وجاء في «كنز العمّال» بعد هذه الفقرات: ولَا يُسْتَحَلَّنَّ فَرْجٌ ولَا مَالٌ. وانْظُرُوا مَا حَضَرَ بِهِ الحَرْبُ مِنْ آنِيَةٍ فَاقْبِضُوهُ! ومَا كَانَ سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ؛ ولَا تَطْلُبُنَّ عَبْدَاً خَارِجَاً مِنَ العَسْكَرِ! ومَا كَانَ مِنْ دَابَّةٍ أوْ سِلَاحٍ فَهُوَ لَكُمْ! ولَيْسَ لَكُمْ امُّ وَلَدٍ؛ والمَوَاريثُ على فَرِيضَةِ اللهِ؛ وأي امْرَأةٍ قُتِلَ زَوْجُهَا فَلْتَعْتَدَّ أرْبَعَةَ أشْهُرٍ وعَشْرَاً.
قَالُوا: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! تُحِلَّ لَنَا دِمَاءَهُم؛ ولَا تُحِلَّ لَنَا نِسَاءَهُمْ؟!
فَقَالَ: كَذَلِكَ السِّيرَةُ في أهْلِ القِبْلَةِ! فَخَاصَمُوهُ.
قَالَ: فَهَاتُوا سِهَامَكُمْ؛ واقْرَعُوا عَلَى عَائِشَةَ، فَهِيَ رَأسُ الأمْرِ وقَائِدُهُمْ! فَعَرَفُوا وقَالُوا: نَسْتَغْفِرُ اللهَ؛ فَحَمَهُمْ عَلِيّ.
وَقَالَ عَلِيّ يَوْمَ الجَمَلِ: نَمُنُّ عَلَيْهِمْ بِشَهَادَةِ أنْ لَا إلَهَ إلَّا اللهُ؛ ونُوَرِّثُ الأبْنَاءَ مِنَ الآبَاءِ[2].
أجل، إنّ السبب الذي دعا أصحاب الإمام الذين كانوا معه في ساحة القتال إلى المطالبة بأسر نساء أصحاب الجمل جميعهنّ، وأخذ أموالهم كلّها بوصفها غنائم حربيّة وذلك بعد انتهاء الحرب وإخماد الفتنة، هو ما شاهدوه خطأ من سيرة أبي بكر الذي كان أوّل من جلس مجلس رسول الله كخليفة له. إذ كانت سيرته قتال كلّ من امتنع عن دفع الزكاة من المسلمين، ولم يفرّق بين هؤلاء وبين المرتدّين في شبه الجزيرة العربيّة، وكان يعاملهم وسائر المشركين باسلوب واحد بعد رسول الله.
وأمّا أمير المؤمنين عليه السلام، فإنّ له مقام النبوّة لو قدّرت نبوّة بعد رسول الله، وقد طبّق حكم رسول الله عملًا بالحكم الإلهيّ وبمقتضى وزارته وولايته الإلهيّة. أي: أنّه تعامل مع الأشخاص الذين كانوا مسلمين وفقاً لحكم الإسلام، وبوصفهم كانوا من أهل القبلة، وإن بغوا على إمام زمانهم. وحكم في أموالهم ونسائهم وذراريهم بحكم الإسلام. فلم يأسر نساءهم، ولم ينظر إليهنّ كغنائم، فيقسّمهنّ على المسلمين المقاتلين، بل كان لسان حاله أن يُنْظَر إليهنّ كمسلمات مات عنهنّ أزواجهنّ، فيلزمن العدّة، ثمّ يتزوّجن؛ ولم يأسر أولادهنّ. وكان العبيد والإماء وسائر أموال المقتولين لورثتهم. وكانت الأشياء الموجودة في المعركة لا غير من الغنائم.
وأمّا قتال المشركين والمرتدّين، فلمّا كان حكم دار الحرب سارياً عليهم، فإنّ جميع أموالهم ونسائهم وذراريهم غنائم ينبغي تقسيمها بين المسلمين.
ولمّا كان عمل الإمام عليه السلام جديداً على الجند، واعتُبِرَ بدعة بسبب سيرة الخليفة الأوّل، لذلك بيّن لهم سلام الله عليه أنّ تلك السيرة كانت خاطئة. وأنّها كانت بدعة في دين الله. وأنّ رسول الله تعامل مع أهل مكّة الذين كانوا من أهل القبلة بمثل هذا التعامل. وهذه هي السنّة؛ وهذا هو الحكم. وأنّ الصغار لا يزرون وزر الكبار، كما لا يمكن تحميلهم ذنب الكبار. وأنّ ما كان في ساحة الحرب من سلاح وماشية وسائر الأشياء كالآنية ... فإنّها من غنائم الحرب فحسب. وأمّا النساء فإنّهنّ حُرّات. والأموال مصونة، والذراري محترمون. ولا يحقّ لأحد التعرّض لهم.
وأنّ اقتراح القرعة باسم عائشة في مقابل لجّهم في مخالفة هذا الحكم أثبت أنّ كلامهم كان خاطئاً، وإلّا كيف يجوز لهم أخذ عائشة إلى بيوتهم بوصفها أسيرة حرب؟ وكيف يجوز لهم مواقعتها؟ وكيف يسوغ لهم عرضها في السوق للبيع؟
من هنا ينبغي أن نعلم أنّ الأمويّين لمّا قتلوا سيّد الشهداء عليه السلام، فإنّهم تعاملوا مع ذويه على أساس تلك السيرة الخاطئة والأحكام الجائرة الظالمة للخليفة الأوّل أبي بكر، فسلبوا جميع أموالهم بما فيها الأموال التي كانت في الخيام، وأخذوا ذراري أهل البيت ونساءهم بوصفها غنائم حربيّة، وسبوا زينب، وامّ كلثوم، وسائر المخدّرات الطاهرات، وأنزلوا بذلك البيت الكريم ما لا يخطر في مخيّلة أي شريف.
ومن هنا، إعلم أنّه لو قيل: إنّ السهم الذي وقع في نحر عليّ الأصغر يوم عاشوراء قد خرج من سقيفة بني سَاعِدَة، وأصاب نحره، فقد صدق القائلون وأصابوا. ومن يرى نفسه خليفة في مقابل أمير المؤمنين ووزارته وولايته، ويصدر مثل هذه الأحكام الجائرة، فإنّه يحمل وزر جميع الانحرافات والجنايات الناتجة عن غصبه الخلافة.
خشت أول چون نهد معمار كج *** تا ثريّا مىرود ديوار كج[3]
ألَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى القَوْمِ الظَّالِمِينَ[4]، وسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ[5].
[1] «تاريخ اليعقوبيّ» ج 2، ص 183، طبعة بيروت سنة 1379 ه.
[2] «كنز العمّال» ج 6، ص 83، الطبعة الاولى.
[3] يقول: «إذا وضع الباني اللبنة معوجّة فإنّ الجدار يظلّ معوجّاً ما دامت الثريّا تسير».
[4] في الآية 18، من السورة 11: هود: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ.
[5] الآية 227، من السورة 26: الشعراء.