من المواطن التي استُشهد فيها على حديث المنزلة استشهاد الإمام أبي الحسن عليّ بن محمّد العسكريّ[1] المشهور بالإمام عليّ النقيّ عليه السلام في كتاب بعثه إلى أهل الأهواز جواباً عن كتاب لهم كانوا قد أرسلوه إلى الإمام، وسألوه فيه عن الجبر والتفويض.
قال الإمام الهاديّ عليه السلام في هذا الكتاب: اجتمعت الامّة قاطبة لا اختلاف بينهم في ذلك أنّ القرآن حقّ لا ريب فيه عند جميع فرقها. فهم في حالة الإجماع عليه مصيبون؛ وعلى تصديق ما أنزل الله مهتدون.
ولقول النبيّ صلّى الله عليه وآله: لَا تَجْتَمِعُ امَّتي عَلَى ضَلَالَةٍ.
فأخبر أنّ ما اجتمعت عليه الامّة ولم يخالف بعضها بعضاً هو الحقّ (و معلوم أنّ هذا الأمر مرتكز على أصل الاستناد إلى القرآن).
فهذا معنى الحديث؛ لا ما تأوّله الجاهلون؛ ولا ما قاله المعاندون.
ومن إبطال حكم الكتاب واتّباع حكم الأحاديث المزوّرة، والروايات المزخرفة، اتّباع الأهواء المرويّة المهلكة التي تخالف نصّ الكتاب، وتحقيق الآيات الواضحات النيّرات.
ونحن نسأل الله أن يوفّقنا للصواب، ويهدينا إلى الرشاد.
ثمّ قال عليه السلام: فإذا شهد الكتاب بتصديق خبر وتحقيقه، فأنكرته طائفة من الامّة، وعارضته بحديث من هذه الأحاديث المزوّرة، صارت بإنكارها ودفعها الكتاب كفّاراً ضلّالًا.
وأصحّ خبر ما عرف تحقيقه من الكتاب مثل الخبر المجمع عليه من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حيث قال: إنِّي مُسْتَخْلِفٌ فِيكُمْ خَلِيفَتَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وعِتْرَتِي! مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي! وإنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتّى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ.
وكذلك قال صلّى الله عليه وآله وسلّم في عبارة اخرى: إنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ: كِتَابَ اللهِ وعِتْرَتِي أهْلَ بَيْتِي؛ وإنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حتّى يَرِدَا عَلَيّ الحَوْضَ! مَا إنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا!
وهذان الحديثان يترجمان لنا معنى واحداً، ويشعران بموضوع واحد.
ولمّا وجدنا شواهد هذا الحديث نصّاً في كتاب الله مثل قوله: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهُمْ راكِعُونَ[2].
ثمّ اتّفقت روايات العلماء في ذلك لأمير المؤمنين عليه السلام أنّه تصدّق بخاتمه وهو راكع، فشكر الله ذلك له، وأنزل الآية فيه.
ثمّ وجدنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قد أبانه من أصحابه بهذه اللفظة: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ! اللَهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وعَادِ مَنْ عَادَاهُ!
وقوله: عَلِيّ يَقْضِي دَيْنِي ويُنْجِزُ مَوْعِدِي وهُوَ خَلِيفَتِي عَلَيْكُمْ بَعْدِي.
وقوله حين استخلفه على المدينة فقال: يَا رَسُولَ اللهِ أ تُخْلِفُنِي على النِّساءِ والصِّبْيَانِ؟
فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم في جوابه: أمَا تَرْضَى أنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي!
فعلمنا أنّ الكتاب شهد بتصديق هذه الأخبار، وتحقيق هذه الشواهد؛ فلزم الامّة الإقرار بها إذا كانت هذه الإخبار وافقت القرآن، ووافق القرآن هذه الأخبار.
فلمّا وجدنا هذه الأخبار موافقة لكتاب الله، ووجدنا كتاب الله لهذه الأخبار موافقاً، وعليها دليلًا، كان الاقتداء بهذه الأخبار فرضاً لا يتعدّاه إلّا أهل العناد والفساد[3].
ثمّ شرع الإمام عليه السلام في بيان الجبر والتفويض، وقول الحقّ المتمثّل بالأمْرِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ.
[1] لم يلقّب الإمام الحسن العسكريّ بلقب العسكريّ فحسب، بل لقّب غيره ممّن ابعد إلى سامراء أيضاً، و هو والده الإمام عليّ بن محمّد الهاديّ الذي نلحظه قد لقّب بهذا اللقب في الحديث المذكور. كما أنّ الإمام محمّد الجواد لم يعرف وحده بابن الرضا، بل شاركه في ذلك الإمام عليّ النقيّ الهاديّ، و الإمام الحسن العسكريّ
[2] .الآية 55، من السورة 5: المائدة.
[3] «الاحتجاج» للشيخ الطبرسيّ، ج 2، ص 250 إلى 253، طبعة النجف؛ و «غاية المرام» القسم الأوّل، ص 152، الحديث 70، نقلًا عن «الاحتجاج».