من موارد الاستشهاد بحديث المنزلة كلام زياد بن سُميَّة في خطبته التي ذكرها ابن أبي الحديد كالآتي: روى عليّ بن محمّد المدائنيّ، قال: لمّا كان زمن [أمير المؤمنين] عليّ عليه السلام ولّى زياداً فارسَ أو بعض أعمال فارس. فضبطها ضبطاً صالحاً، وجبى خراجَها وحَماها؛ وعرف ذلك معاوية، فكتب إليه: أمَّا بَعْدُ! فإنّه غرّتك قِلاعٌ تأوي إليها ليلًا، كما تأوي الطير إلى وكرها! وأيم الله، لو لا انتظاري بك ما الله أعلم به، لكان لك منيّ ما قاله العبد الصالح: فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها ولَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وهُمْ صاغِرُونَ[1].
وكتب في أسفل الكتاب شعراً، من جملته:
تَنْسَى أبَاكَ وقَدْ شَالَتْ نَعَامَتُهُ *** إذْ يَخْطُبُ النَّاسَ والوَالِي لَهُمْ عُمَرُ
فلمّا ورد الكتاب على زياد، قام فخطب الناس، وقال: العَجَبُ مِنِ ابْنِ آكِلَةِ الأكْبَادِ؛ ورَأسِ النِّفَاقِ! يُهْدِّدُنِي وبَيْنِي وبَيْنَهُ ابْنُ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عَلَيْهِ وآلِهِ؛ وزَوْجُ سَيِّدَةِ نِسَاءِ العَالَمِينَ؛ وأبُو السِّبْطَيْنِ؛ وصَاحِبُ الوَلَايَةِ؛ والمنزلَةِ؛ والإخَاءِ؛ في مِائَةِ ألْفٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ؛ والتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإحْسَانٍ! أما والله لو تخطّى هؤلاء أجمعون إليّ، لوجدني أحمر مُخِشّاً[2] ضرّاباً بالسيف.
ثمّ كتب [زياد بعد هذه الخطبة كتاباً] إلى أمير المؤمنين عليّ عليه السلام، وبعث بكتاب معاوية في كتابه. فكتب إليه [أمير المؤمنين] عليّ عليه السلام، وبعث بكتابه: أمَّا بَعْدُ؛ فَإنِّي قَدْ وَلَّيْتُكَ مَا وَلَّيْتُكَ! وأنَا أرَاكَ أهْلًا! وإنَّهُ قَدْ كَانَتْ مِنْ أبي سُفْيَانَ فَلْتَةٌ في أيَّامِ عُمَرَ مِنْ أمَانِيّ التَّيْهِ وكَذِبِ النَّفْسِ؛ لَمْ تَسْتَوْجِبْ بِهَا مِيرَاثاً؛ ولَمْ تَسْتَحِقَّ بِهَا نَسَباً. وإنَّ مُعَاوِيَةَ كَالشَّيْطانِ الرَّجِيمِ يَأتِي المَرْءَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ومِنْ خَلْفِهِ وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمَالِهِ؛ فَاحْذَرْهُ، ثُمَّ احْذَرْهُ، ثُمَّ احْذَرْهُ؛ والسَّلَامُ[3].
[1] الآية 37، من السورة 27: النمل. و هذا الكلام رسالة النبيّ سليمان إلى بلقيس و أعوانها، إننّا في غنى عن هديّتكم! و عليكم أن تسلموا، أو اشخص إليكم جنوداً كثيرين يخرجونكم من تلك الديار بالذلّ و الصغار!
[2] جاء في نسخة ابن أبي الحديد: أحمر مُخِشَّاً. و المُخِشّ بضمّ الميم و كسر الخاء و تشديد الشين هو الماضي الجريء. و لكن ورد في نسخة «غاية المرام» جَمْراً مُحْتاً بمعنى الجامع، و المجتمع، و ألف فارس.
[3] «شرح نهج البلاغة» ج 16، ص 181 و 182، طبعة دار الكتب العربيّة؛ و «غاية المرام» القسم الأوّل، ص 125 و 126، الحديث 100؛ و «الاستيعاب» ج 2، ص 525 و 526.