إن شرح وبيان جواب أمير المؤمنين عليه السلام لزياد بن سميّة يحتاج إلى سرد قصّة تأريخيّة. فنقول: زياد وكنيته أبو المغيرة، امّه سميّة كانت أمَة لأحد دهاقين الفرس[1]، وكان يعيش في الطائف. فمرض الدهقان، فدعا الحَرْثَ بْنَ كَلْدَة الثَّقَفِيّ وكان طبيباً ليعالجه، فعالجه، فبرأ، فوهبه سُميّة جزاءً له على علاجه، فأولدها الحرث نَفِيعَاً ونَافِعَاً. ثمّ زوّجها غلامه الروميّ عُبَيْدَاً. وفي تلك الفترة سافر أبو سفيان إلى الطائف. وطلب من الخمّار أبي مَرْيَمَ السَّلُولِيّ بغياً. فأخذ إليه أبو مريم سميّة. وولدت سميّة زياداً في السنة الاولى من الهجرة، في وقت كانت زوجة لعُبيد.
ولمّا حاصر النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم الطائف، جاء نفيع إلى النبيّ، فأعتقه، ولقّبه أبا بَكْرَة. وحينئذٍ خاف الحرث بن كلدة من ذهاب ابنه الآخر نافع إلى النبيّ، فقال له: أنْتَ وَلَدِي! ولهذا قيل لنفيع الملقّب بأبي بكرة: مَوْلَى الرَّسُول، وقيل لنافع: ابن الحَرْث، وقيل لزياد: ابن عُبَيْد. وكان هذا في وقت لم ينسب معاوية زياداً إلى أبي سفيان بعد. لكن لمّا اعتبره معاوية ابنَ أبي سفيان، وأخاه، لذا قيل له: زياد بن أبي سفيان؛ ولمّا انقرضت الدولة الأموّية، قيل لزياد: زياد بن سميّة أو زياد بن أبيه[2].
وروى ابن عبد البرّ عن هشام بن محمّد بن السائب الكلبيّ، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عبّاس، أنّ عمر بعث [أيّام حكومته] زياداً، [وهو غلام حَدَث] في إصلاح فساد واقع باليمن.
ولمّا رجع زياد من اليمن، خطب عند عمر خطبة لم يُسْمَع مثلها، وعليّ عليه السلام حاضر، وأبو سفيان، وعمرو بن العاص. فقال عمرو بن العاص: للّه أبو هذا الغلام، لو كان قرشيّاً، لساق العرب بعصاه. فقال أبو سفيان: إنّه لقريّش؛ وإنّي لأعرف الذي وضعه في رَحِم امّه! فقال عليّ عليه السلام: ومن هو؟ قال أبو سفيان: أنا! فقال عليّ: مَهْلًا يَا أبَا سُفْيَانَ!
فخاطب أبو سفيان أمير المؤمنين عليه اسلام بثلاثة أبيات من الشعر مفادها أنّه لو لم يخف عمر، لبيّن قصّة تولّد هذا الفتى[3].
وروى أحمد بن يحيى البَلاذُريّ مثل هذا المضمون، وقال في آخره: قال عمرو بن العاص لأبي سفيان: فَهَلَّا تَسْتَلْحِقُهُ؟! قَالَ: أخَافُ هَذَا العَيْرَ الجَالِسَ أنْ يَخْرِقَ عَلَيّ إهَابِي.
وروى محمّد بن الواقديّ مثله أيضاً، وقال في آخر كلامه: قال عليّ عليه السلام: مَهْ يَا أبَا سُفْيَانَ! فَإنَّ عُمَرَ إلى المَسَاءَةِ سَرِيعٌ.
عرف زياد ما دار بين عليّ عليه السلام، وبين أبي سفيان فكانت في نفسه[4].
[1] قال في «العقد الفريد» ج 3، ص 228: كانت سُمَيّة امُّ زياد قد وهبها أبو الخير بن عمرو الكنديّ للحارث بن كلدة، و كان طبيباً يعالجه، فولدت له على فراشه نافعاً، ثمّ ولدت أبا بكرة.[ و لمّا كان لون أبي بكرة لا يشبهه] أنكره. و قيل له[ أيضاً]: إنّ جاريتك بغيّ[ فلهذا] انتفى الحرث بن كلدة من أبي بكرة، و نافع، و زوّجها عُبيداً[ و كان] عبداً لابنته، فولدت على فراشه زياداً. فلمّا كان يوم الطائف، نادى منادي رسول الله: أيّما عبد نزل فهو حرّ، و ولاؤه للّه و رسوله. فنزل أبو بكرة و أسلم، و لحق بالنبيّ صلّى الله عليه و آله و سلّم.[ و لمّا انتفى الحرث بن كلدة من أبي بكرة، و اعتبره ابن غلامه، ممّا سبب في إسلامه و عتقه]، قال لنافع[ أخي أبي بكرة]: أنت ابني، فلا تفعل كما فعل أبو بكرة. فلهذا لحق نافع بالحرث بن كلدة- انتهى. إذاً كان كلّ واحد من أبناء سميّة الثلاثة من أبٍ. فزياد من أبي سفيان، و نافع من الحرث بن كَلْدَة، و نُفَيْع أخيه، و هو أبو بكرة، من عُبَيْد. و لُقّب نُفَيْع بأبي بكرة لأنّه نزل من القلعة بواسطة بكرة معلّقة بحبل.
[2] الكامل» لابن الأثير، ج 3، ص 443 في ذكر حوادث سنة 44 ه؛ و «الاستيعاب» ج 2، ص 523 إلى 530؛ و «الإصابة» ج 1، ص 563؛ و «فوات وفيّات الأعيان» ج 2، ص 31 إلى 33.
[3] «الاستيعاب» ج 2، ص 525.
[4] «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، ج 16، ص 181، طبعة دار المعارف العربيّة.