يعود خوف أبي سفيان من عمر في عدم إفصاحه بأنّ زياداً منه، وأنّ نطفته انعقدت بعد أن زنى بامّه، إلى حكم رسول الله صلّى الله عليه وآله: الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ولِلْعَاهِرِ الحَجَرُ. أي: أنّ الولد المولود هو لمن كانت امرأته في فراشه بعقد صحيح، أو مِلك صحيح، أو تحليل جائز. وأمّا الزاني فلا حظّ له من الولد، بل حظّه الحجر الذي يرجم به.
أي: عند ما يولد طفل من امرأة، ولا تقوم أمارة قطعيّة أو حجّة ظنّيّة على أنّه ابن زنا، فينبغي أن نعتبره من صاحب الفراش، لا من الزاني، حتّى لو كان تولّده مشكوكاً فيه. أو يقوم ظنّ قويّ غير الحجّة على أنّ نطفة هذا الطفل من الزنا، كالتشابه في الوجه، أو قول القافَة، أو تحليل دم الطفل، وأمثال ذلك. ويتّفق الشيعة والعامّة في هذا الحكم على أنّ الزاني لا يستطيع أن يستلحق الطفل المولود منه به. وصدر هذا الحكم عن رسول الله عند ما تنازع سعد بن أبي وقّاص، وعَبد بن زَمْعَة في ولد كان من زمعة.
لمّا ذهب سَعْد بن أبي وقّاص إلى مكّة في عام الفتح، قال له أخوه عُتْبَة بن أبي وقّاص: إنّ ابن زمعة ولد من نطفتي، وهو منّي، فخذه وائت به! فأخذه سعد في عام الفتح، وقال: هذا ابن أخي، وقد اوصيتُ به. فقام عَبْد بن زَمْعَة، وهو أخو ذلك الولد، وقال: هذا أخي، وقد ولد على فراش أبي.
فتخاصما عند رسول الله. قال سعد: يا رسول الله! هذا الغلام ابن أخي عتبة وقد عهد إليّ أنّه ابنه؛ انظر إلى شبهه. فقال عبد بن زمعة: يا رسول الله! هذا أخي، وقد ولد على فراش أبي، فهو من أولاده. فنظر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى الطفل ورأي شبهه البيّن بعتبة.
ثمّ التفت إلى عَبْد بْنِ زَمْعَة وقال: هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ! الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ولِلْعَاهِرِ الحَجَرُ. واحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ! قَالتْ عَائِشَةُ: فَلَمْ يَرَ سَوْدَةَ قَطُّ[1].
وكتب أمير المؤمنين عليه السلام كتاباً إلى معاوية جواباً على كتاب كان قد بعثه معاوية إليه وقال فيه: يا عليّ! نفيتَ زياد عن أبي سفيان! فقال الإمام: لم أنفه، بل نفاه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إذ قال: الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ولِلْعَاهِرِ الحَجَر[2].
وعند ما كتب زياد كتاباً إلى الإمام الحسن المجتبى عليه السلام، وأساء فيه الأدب بقوله: من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن ابن فاطمة، فإنّ الإمام عليه السلام أجابه قائلًا: مِنَ الحَسَنِ ابْنِ فَاطِمَةَ إلى زِيَادِ ابْنِ سُمَيَّةَ. أمَّا بَعْدُ؛ فَإنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عليه وآلِهِ وسَلَّمَ قَالَ: الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ولِلْعَاهِرِ الحَجَرُ. والسَّلَامُ[3].
أجل، لا خلاف بين أهل الإسلام جميعهم أنّ الطفل المولود في الفراش الصحيح يعود إلى صاحب الفراش. أي: أنّ نسبه إلى ذلك الرجل الذي أولده بنكاح شرعيّ صحيح.
هذا الطفل ابنه، وهو أبوه، وإخوته من هذا النكاح هم إخوته، وكذلك علاقته بسائر الأرحام من عمّ وعمّة، وابن عمّ، وابن عمّة، وابن أخٍ، وابن اخت، وغيرهم.
وعند ما يحوم الشكّ من خلال عدم قيام أمارة قطعيّة أو حجّة عليه، فلا رحم بين الزاني وبين هذا الطفل. فهو ليس ابنه، وذاك ليس والده، وأبناء الزاني ليسوا إخوةً لهذا الطفل، وأخو الزاني ليس عمّه، وهكذا[4].
لقد خالف معاوية بن أبي سفيان حكم رسول الله جهراً، وأعلن أنّ زياد بن عُبَيْد هو زياد بن أبي سفيان، وهو أخوه؛ وتصاعدت موجات الاعتراض من جميع أنحاء العالم الإسلاميّ، ومن صحابة رسول الله كافّة. وعلى الرغم من هذا كلّه، فإنّه لم يرتّب أي أثر عليه. وارتقى منبر الشام، وأجلس زياداً على مرقاة أوطأ منه، وأعلن أنّ هذا الرجل ولد من زنا أبي، أبي سفيان، بسميّة في الطائف، فهو ابن أبي سفيان، وهو أخي. ولا يحقّ لأحد أن يسميّه زياد بن عبيد.
صدر هذا العمل من معاوية كخطّة سياسيّة أراد فيها عطف زياد إليه، لأنّه كان أمير الشام والمسلمين في تلك الأرجاء، وإذا كان زياد أخاه، فهذا يعني أنّه أخو الأمير وابن أبي سفيان الشخصيّة العربيّة المهمّة، على عكس عبيد الذي كان غلاماً روميّاً، ولا شرف لزياد بالانتساب إليه.
بَيْدَ أنّ زياد المسكين التعس قد استساغ الانتساب إلى أبي سفيان، واعتبر نفسه ابناً له بالزنا، ونسب إلى امّه السِّفاح، ونفى انتسابه لأبيه عُبَيْد الذي أولده على فراشه بنكاح صحيح من سميّة.
وآثر زياد بنوّة الزنا على النسب الصحيح طلباً للرئاسة. وقدّم نطفة أبي سفيان، ولو كانت نطفة سِفاح، على نطفة عُبَيْد الروميّ، وإن كانت نطفة نكاح صحيح، واعتبر ذلك من دواعي شرفه. وكان زياد في أوّل أمره رجلًا عاقلًا لبيباً كيّساً، ومن شيعة أمير المؤمنين عليه السلام وأتباعه. ونُصِّب من قبله حاكماً على منطقة من مناطق فارس. وكما رأينا فإنّ معاوية عند ما كتب إليه رسالة، وهدّده فيها، جاء بين الناس وخطب فيهم، وأعلن عن استعداده التامّ لحرب معاوية؛ واعتبر أمير المؤمنين عليه السلام صاحب الولاية المقصود في الحديث النبويّ: مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيّ مَوْلَاهُ، وصاحب الوزارة والمنزلة: أنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى، وصاحب الاخوّة: أنْتَ أخِي، وهو أبو السبطين: الحسن، والحسين، وبعل فاطمة سيّدة نساء العالمين، وابن عمّ رسول الله. وظلّ زياد حاكماً على فارس ما دام أمير المؤمنين حيّاً؛ ولم يستطع معاوية أن يخدعه أو يكسر شوكته بالتهديد.
ويستفاد من رسالة أمير المؤمنين عليه السلام التي كتبها في جواب رسالته وجاء فيها أنّ ما صدر عن أبي سفيان في زمن عمر كان زلّة من الأماني الشيطانيّة المضلّة، وتسويلات النفس، ولا يثبت فيها نسب، ولا يُسْتَحَقُّ فيه إرث أنّ معاوية قد وجّه نظر زياد إليه في رسالته من خلال استلحاقه بأبي سفيان وبنوّته إيّاه، وأراد أن يخدعه عبر هذا الاسلوب على أنّه أخوه، وابتغى من ذلك تحريضه على أمير المؤمنين عليه السلام.
[1] «صحيح مسلم» ج 2، ص 1080 مفهرس، طبعة بيروت، دار إحياء الكتب العربيّة، باب الولد للفراش و توقّي الشبهات، و نقل هنا أيضاً رواية اخرى عن عائشة، و روايتين عن أبي هريرة أنّ رسول الله قال: الولد للفراش و للعاهر الحجر.
إن أمر رسول الله سودة اخت عبد بن زمعة بالاحتجاب كان من باب الاحتياط، لا من باب الحكم الشرعيّ المسلّم. إذ إنّ عبداً كان يشبه عتبة بن أبي وقّاص كثيراً كما جاء في الرواية. و المقرّر في علم الاصول أنّ الاحتياط حسن عقلًا و شرعاً حتّى مع وجود الحجّة المعتبرة على أحد الاحتمالين.
[2] «بحارالأنوار» ج 10، ص 127، و كتاب «القواعد الفقهيّة» ج 4، ص 21. و روى مشايخنا الثلاثة في الكتب الأربعة عن الحسن بن صيقل، عن الإمام الصادق عليه السلام، قال الحسن: سمعته و يُسأل عن رجل اشترى جارية ثمّ وقع عليها قبل أن يستبرء رحمها، قال عليه السلام: بئس ما صنع يستغفر الله و لا يعد؛ قلتُ: فإن باعها من آخر و لم يستبرئ رحمها، ثمّ باعها الثاني من رجل آخر فوقع عليها و لم يستبرئ رحمها فاستبان حملها عند الثالث؛ فقال أبو عبد الله عليه السلام: الولد للفراش و للعاهر الحجر.
[3] «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، ج 16، ص 194.
[4] قال في «جواهر الكلام» ج 29، ص 256 و 257، الطبعة الحديثة: و كيف كان فلا يثبت النسب مع الزنا إجماعاً بقسميه؛ بل يمكن دعوى ضروريّته فضلًا عن دعوى معلوميّته من النصوص أو تواترها فيه. فلو زنى فانخلق من مائه ولد على الجزم لم ينسب إليه شرعاً على وجه يلحقه الأحكام و كذا بالنسبة إلى امّه.