قال الله الحكيم في كتابه الكريم: اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى ، قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي ، ويَسِّرْ لِي أَمْرِي ، واحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي ، يَفْقَهُوا قَوْلِي ، واجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي ، هارُونَ أَخِي ، اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي ، وأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي ، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً ، ونَذْكُرَكَ كَثِيراً ، إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً ، قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى.[1]
خاطب الله موسى قائلًا: اذهب إلى فرعون! لأنّه طغى بكفره وعناده. فقال له موسى: ربِّ؛ (ها أنت بعثتني بهذه المهمّة) مُنَّ عَلَيّ بشرح الصدر (لئلّا أسأم، ولكي أصبر أمام جفاء الناس وإنكارهم) ويسّر لي عملي (و سهّل لي حزونة المشاكل التي تعترض هذه الرسالة)! واحلل عقدة لساني ليفهموا كلامي ويعوه. وكذلك اجعل لي وزيراً من أهلي؛ كي يعينني! وهو أخي هارون؛ أشدد به أزري! وأشركه معي في أمر الرسالة والالتزام! حتّى نسبّحك ونمجّدك ونقدّسك دائماً وباستمرار، ونذكرك كثيراً! إنّك كنت بنا وبأحوالنا حقّاً بصيراً، فقال الله لموسى: قد اوتيتَ كلَّ ما طلبته يا موسى.
تدور هذه الآيات المباركة حول موسى وأخيه هارون على نبيّنا وآله وعليهما الصلاة والسلام. ولكي ينجح موسى في تبليغ الرسالة وأداء الأمانة الإلهيّة في بعثه إلى قوم مشركين: فرعون المجرم المحترف، ووزيره هامان، وسائر العادين الذين كانوا معه، وكافّة القوم الذين اتّبعوا شهواتهم وميولهم النفسانيّة، كان طلبه من الله هو أن يُشرك معه أخاه هارون في أمر النبوّة والرسالة، وينصبه في مقام النبوّة والرسالة، لكي يسيرا معاً في هذا الطريق، ويتلقّيا الوحي من الله، ويتعاضدا في تبليغ الرسالة.
وكان لموسى مقام النبوّة والرئاسة العامّة على بني إسرائيل والأسباط؛ وكلّف بإرشاد وهداية الفراعنة والأقباط؛ وكان لهارون مقام النبوّة والوزارة، وفوّض إليه إعانة أخيه على اموره.
وبصورة عامّة، ليتعاونا ويتآزرا كلاهما كلمة كلمة، وخطوة خطوة، ويداً بيد؛ ليتلقّيا معاً الوحي من الله، أحدهما بوصفه أميراً، والثاني وزيراً.
ولكي يسبّحا الله كثيراً وينزّهاه ويقدّساه، ويطهّراه، من شوائب الفقر والفاقة، والحاجة إلى امور عالم الكثرة، والاستمداد من الأشياء، والمصالح الذاتيّة في الامور، ويذكرا الله كثيراً، لأنّه سبحانه بصير بأحوال العباد، مطّلع على نهجهم ومسلكهم، خبير بنيَاتهم وسرائرهم.
وجاء الخطاب من الله لموسى عليه السلام: قد اجيب دعاؤك، ونُفّذ مرادك، ولقد جعلنا أخاك هارون شريكاً لك في أمر النبوّة، وصيّرناه معينك وناصرك ووزيرك في أمر الإمارة والولاية! فاذهبا إلى فرعون الطاغي وادعواه إلى دين التوحيد والسير على صراط الاستقامة والعدالة! وورد تعيين هارون في منصب الوزارة صريحاً في القرآن الكريم من خلال قوله تعالى: ولَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً.[2]
ونفس هذا الأمر المتعلّق بموسى، وإنابته الى الله، ودعائه لاستخلاف هارون، وقضاء حاجته بنصب هارون أخيه في مقام النبوّة والخلافة والوزارة، نجده عند الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم، وإنابته إلى الله، ودعائه لاستخلاف عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وقضاء حاجته بنصب عليّ في مقام الخلافة والوزارة والولاية والوصاية والاخوّة.[3]
[1] الآیات 24 إلـى 36 من سورة 20: طه.
[2] الآية 35، من السورة 25: الفرقان.
[3] روى السيّد ابن طاووس دعاء رسول الله لاستخلاف أمير المؤمنين و إعطاء جميع مقامات موسى لهارون، و ذلك عند نزول الآية: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ و بعده طرق عن الثعلبيّ، منها رواية أخرجها الثعلبيّ مرفوعة عن عباية بن الربعيّ قال: بينا عبد الله بن عبّاس جالس على شفير زمزم يقول: قال رسول الله، و يبيّن للناس الأحاديث الواردة عن رسول الله إذ أقبل رجل معتمّ بعمامة، فجعل ابن عبّاس لا يقول: قال رسول الله إلّا و قال الرجل: قال رسول الله، فقال ابن عبّاس: سألتك بالله من أنت! فكشف العمامة عن وجهه و قال: أيّها الناس! من عرفني، فقد عرفني، و من لم يعرفني فأنا جُنْدُب بن جُنادة البدريّ أبو ذرّ الغفاريّ. سمعت رسول الله باذُنَيّ هاتين و إلّا فصمّتا؛ و رأيته بعينَيّ هاتين، و إلّا فعميتا، و هو يقول: عليّ قائد البررة و قاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله.
أيّها الناس! أما إنّي صلّيت مع رسول الله صلّى الله عليه و آله يوماً من الأيّام صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد، فلم يعطه أحد شيئاً؛ فرفع السائل يده إلى السماء و قال: اللهمّ اشهد أنّي سألت في مسجد رسول الله فلم يعطيني أحد شيئاً. و كان عليّ عليه السلام راكعاً فأومأ إليه بخنصره اليمنى و كان يتختّم فيها. فأقبل السائل حتّى أخذ الخاتم من خنصره؛ و ذلك بعين رسول الله صلّى الله عليه و آله. فلما فرغ رسول الله من صلاته، رفع رأسه إلى السماء و قال: اللهمّ إنّ موسى سألك فقال:«ربّ اشرح لي صدري و يسّر لي أمري و احلل عقدة من لساني يفقهوا قولي و اجعل لي وزيراً من أهلي هارون أخي اشدد به أزري و أشركه في أمري» فأنزلتَ عليه قرآناً ناطقاً «سنشدّ عضدك بأخيك و نجعل لكما سلطاناً فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما وَ مَن اتّبعكما الغالبون». اللهمّ و أنا محمّد نبيّك و صفيّك اللهمّ فاشرح لي صدري و يسّر لي أمري و اجعل لي وزيراً من أهلي عليّاً أشدد به ظهري. قال أبو ذر: فما استتمّ رسول الله الكلمة حتّى نزل جبرئيل عليه السلام من عند الله تعالى فقال: يا محمّد! اقرأ. قال: و ما أقرأ؟ قال: اقرأ: إنّما وليّكم الله و رسوله و الذين ءَامنوا الذين يقيمون الصلاة و يؤتون الزكاة و هم راكعون.( «الطرائف» لأبن طاووس، ج 1، ص 47 و 48، الحديث 40 طبعة قم سنة 1400 ه)