نلاحظ في الحديث أنّه لم يعتبر عليّاً أفضل من قريش فحسب، بل أفضل من جميع الخلائق يوم القيامة أيضاً. ولذا قال في آخره: قيمتك ومزيّتك أعظم من الجميع يوم القيامة.
وقد قال رسول الله هذا الكلام، وهو يضرب بيده على ظهر عليّ.
وعلى أساس وحدة النفس هذه، واتّحاد روح رسول الله وروح أمير المؤمنين، الذي كان قائماً منذ اليوم الأوّل الذي كُلِّف فيه رسول الله بدعوة عشيرته وقبيلته، وذلك قبل أن يُكَلَّف بالتبليغ العامّ، والإعلان العامّ، وقبل أن تنزل الآية: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ، إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ[1].
وحين نزلت الآية الشريفة: وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ[2]، وامر النبيّ بدعوة كبار بني هاشم ورجالهم، وقال لعليّ: اطبخ لنا رِجل شاةٍ! وأحضر لنا قعباً من لبن! وادع أربعين من بني عبد المطّلب، وكان عددهم بهذا المقدار آنذاك! ودعا عليّ عليه السلام بني عبد المطّلب كافّة؛ وأكلوا كلّهم من ذلك الطعام، وشبعوا؛ وشربوا جميعهم من ذلك القعب، وارتووا؛ خاطبهم النبيّ الأكرم قائلًا: يا قوم! بُعثت إليكم وإلى العرب والناس كافّة بالنبوّة! وهذا حمل ثقيل، وهذه مهمّة عظيمة. أيّكم يؤازرني في أمر الرسالة هذا؟ ويعينني عليه؟ وهو أخي، ووصيّي، وخليفتي في امّتي، وولييّ كلّ مؤمن بعدي؟ فلم يجبه أحد. فقام عليّ، وقال: أنَا يَا رَسُولَ اللهِ.
وأجلسه الرسول، إذ كان طفلًا لم يبلغ الحلم؛ ثمّ كرّر دعوته قائلًا: أيُّكُمْ يُبَايِعُنِي عَلَى أنْ يَكُونَ أخِي وصَاحِبِي ووَارِثِي ووَلِيَّكُمْ بَعْدِي؟! ولم يجبه أحد، وقام عليّ وقال: أنَا يَا رَسُولَ اللهِ! فقال الرسول: اجلس. ثمّ كرّر دعوته ثالثاً قائلًا: أيُّكُمْ يَنْتَدِبُ أنْ يَكُونَ أخِي، ووَزِيرِي، ووَصِيِّي، وخَليِفَتِي في امَّتِي، ووَلِيّ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي؟! ولم يجبه أحد، وقام عليّ، وقال: أنَا يَا رَسُولَ اللهِ! فأخذ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم رأس عليّ في حجره، وألقى في فمه من بصاقه، وقال: اللَهُمَّ امْلأ جَوْفَهُ عِلْمَاً وفَهْمَاً وحُكْمَاً! وقال: إنَّ هَذَا أخِي ووَصِيِّي وخَليِفَتِي فِيكُمْ فَاسْمَعُوا لَهُ وأطِيعُوا![3].
ثمّ قال لعمّه أبي طالب: يَا أبَا طَالِبٍ! اسْمَعِ الآنَ لِابْنِكَ! وأطِعْ! فَقَدْ جَعَلَهُ اللهُ مِنْ نَبِيِّهِ بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى!
وخلاصة الأمر فإنَّ الواضح من هذا الموضوع أنّ النبيّ هو الذي أعدّ ذلك المجلس ليعيّن له ناصراً ومعيناً، ووزيراً، وأخاً، ومواسياً في المحن، والبلايا والشدائد، وثقل عبء النبوّة، وتبليغ الرسالة في حياته، وحراسة الوحي الإلهيّ، وحفظ دين الله، وإمامة الامّة الإسلاميّة بعد مماته.
تماماً كما أنّ موسى رأى نفسه وحيداً على أثر الخطاب الإلهيّ، وشعر أنّه محتاج إلى أخ مثل هارون، ليكون له عضداً ومؤازراً، وشريكاً في حمل أعباء النبوّة وأداء الرسالة إلى فرعون والفراعنة، فكذلك رسول الله، رأى نفسه وحيداً على أثر الوحي الإلهيّ في حمل الرسالة وإبلاغها إلى سكّان العالم والمشركين والكفّار، وكذلك في الصراع العلميّ والعمليّ ضدّ المناوئين والمنافقين وطلّاب الدنيا الذين كانوا دائماً سدّاً محكماً وحصناً حصيناً للحؤول دون نيل الأنبياء أهدافهم. وأعلن أنّه يريد خليفةً، ووزيراً، ومعيناً، وناصراً، وأخاً له يؤازره في هذا الأمر، ويشاركه في أداء الرسالة، ويكون حاميه ووزيره وأخاه في شتّى المشاكل والبلايا والمصائب والمحن، وعراقيل المتعدّين والمتجاوزين، والصراع مع الجائرين والظالمين، وقطع دابر الفاجرين والمجرمين، وإيصال نداء التوحيد إلى آذان المستضعفين والمغلوبين على أمرهم، وأسرى النفس الأمّارة، وطواغيت الزمان. ويرافقه خطوة خطوة في السرّاء والضرّاء، والليل والنهار، والسلم والحرب. ويحمل عبء الخلافة والإمامة والوزارة كما حمل صلّى الله عليه وآله عبء الرسالة. ويكون معه في كافّة مراحل ومنازل السير المعنويّ والروحيّ.
وفي ذلك اليوم نُصب عليّ من قبل الله سبحانه وتعالى في مقام الإمامة والولاية والخلافة والوراثة والاخوّة. فنبوّة رسول الله غير منفصلة عن ولاية عليّ؛ واقيم الإسلام منذ اليوم الأوّل على قاعدتي النبوّة والإمامة؛ ورُفِعَ السقف على هاتين الدعامتين؛ وأنّه لينهار إذا كان على قاعدة واحدة دون اخرى، ويتصدّع ويتشذّر، ولا يبقى منه إلّا الاسم.
إنّ النبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يَدعُ عشيرته وقومه إلى الإسلام فحسب، وذلك أنّ قبول أصل الإسلام لم يكن مهمّاً لكثير منهم؛ كما أنّ حمزة اعتنق الإسلام، وأصبح من طلائع المسلمين السبّاقين في هذا الطريق. وكان إسلام أبي طالب خفية، وكانت مساعدته للنبيّ إلى درجة أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم سمّى العام الذي توفي فيه هو وخديجة: عام الحُزْن لشدّة الحزن الذي نزل به؛ واعتنق العبّاس الإسلام أيضاً.
وإنّما كانت دعوة النبيّ في ذلك المجلس لطلب الوزير، وقبول المعاون، والخليفة، والوصيّ في كافّة الشؤون المتعلّقة بالامّة الإسلاميّة. ولمّا كان قبول هذا الأمر عسيراً جدّاً، وقاصماً للظهر، فلهذا صمت الجميع، وامتنعوا عن الإقرار به.
[1] الآيتان 94 و 95، من السورة 15: الحجر.
[2] الآية 214، من السورة 26: الشعراء.
[3] وردت هذه الفقرة من الرواية في «دلائل الصدق» ج 2، ص 233.