روى الحاكم الحسكانيّ، عن أبي القاسم القرشيّ بسنده المتّصل عن عبد الله بن عبّاس، عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام. قال: لمّا انزلت هذه الآية: وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ على رسول الله، دعاني رسول الله صلّى الله عليه وآله، فقال: يا عليّ! إنّ الله أمرني أن أنذر عشيرتك الأقربين، فضقت بذلك ذرعاً، وعرفت أنّي مهما أمرتهم بهذا الأمر، أرى منهم ما أكرهُ! فصمتُّ حتّى جاءني جبرئيل، فقال: يَا مُحَمَّدُ! إنّك إن لم تفعل ما امرتَ به، يعذّبك ربّك، فاصنع ما بدا لك! يا عليّ! اصنع لنا صاعاً من طعام! واجعل لي فيه رِجْلَ شاةٍ؛ واملأ لنا عُسّاً من لبن؛ ثمّ اجمع لي بني عبد المطّلب حتّى أكلّمهم، وابلّغهم ما امرت به. ويستطرد في الحديث إلى أن يقول: فَقَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبْ! إنِّي واللهِ مَا أعْلَمُ بِأحَدٍ مِنَ العَرَبِ جَاءَ قَوْمَهُ بِأفْضَلَ مِمَّا جِئْتُكُمْ بِهِ! إنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِأمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ وقَدْ أمَرَنِيَ اللهُ أنْ أدْعُوَكُمْ إلَيْهِ.
فَأيُّكُمْ يُوَازِرُنِي عَلَى أمْرِي هَذَا، على أنْ يَكُونَ أخِي ووَصِيِّي ووَلِيِّي وخَلِيفَتِي فِيكُمْ؟
فأحجم القوم عنها جميعاً.
فقلت وإنّي لأحدثهم سنّاً، وأرمضهم عيناً، وأعظمهم بطناً، وأحمشهم ساقاً[1]: أنَا يَا نَبِيّ اللهِ؛ أكُونُ وَزِيرَكَ عَلَيهِ! فقام القوم يضحكون، ويقولون لأبي طالب: قَدْ أمَرَكَ أنْ تَسْمَعَ وتُطِيعَ لِعَليّ![2]
وروى الحاكم الحسكانيّ أيضاً عن ابن فنجويه بسنده المتّصل عن البراء بن عازب قال: لمّا نزلت الآية: وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، جمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بني عبد المطّلب؛ وسرد القصّة، إلى أن قال: فَقَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ! إنِّي أنَا النَّذِيرُ إلَيْكُمْ مِنَ اللهِ عَزَّ وجَلَّ والبَشيِرُ لِمَا يَجيءُ بِهِ أحَدُكُمْ، جِئْتُكُمْ بِالدُّنْيَا والآخِرَةِ، فَأسْلِمُوا وأطِيعُونِي تَهْتَدُوا! وَمَنْ يُوَاخِينِي [مِنْكُمْ] ويُوَازِرُنِي؛ ويَكُونُ وَلِيِّي ووَصِيِّي بَعْدِي وخَليفَتِي في أهْلِي ويَقْضِي دَيْنِي؟! فسكت القوم [كلّهم]؛ وأعاد ذلك ثلاثاً؛ كلّ ذلك يسكت القوم، ويقول عليّ: [قلتُ]: أنا! فقال [النبيّ]: أنت! فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب: أطع ابنك فقد أمَّرَهُ عليك[3].
ونقل الشيخ الطبرسيّ هذه الرواية نفسها بدون ذكر السند، وذلك في تفسير الآية المباركة؛ وقال أيضاً: أورده الثعلبيّ في تفسيره[4].
[1] هذه المعاني كناية عن الفقر و المسكنة، و عدم وجود المال و الاعتبار و الرخاء. و جاء في بعض النسخ: أرمصهم عيناً بالصاد المهملة.
[2] «شواهد التنزيل» ج 1، ص 371 و 372، حديث 514 ضمن روايات وردت في شأن نزول الآية: وَ اجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي. و ذكر ابن عساكر هذه الرواية في «تاريخ دمشق» كتاب أمير المؤمنين عليه السلام في الجزء الأوّل، ص 88 في رقم 140. و ذكرها أيضاً صاحب «كنز العمّال» في كتابه، باب فضائل عليّ عليه السلام، من الطبعة الثانية حيدرآباد، ج 15، ص 115 إلى 117 في الرقم 334. و قال في آخرها: رواها ابن جرير الطبريّ، و ابن أبي حاتم، و ابن مردويه، و أبو نعيم، و البيهقيّ كلاهما في كتاب «دلائل النبوّة». و «دلائل الصدق» للمظفّر ج 2، ص 233، و «تاريخ الطبريّ» ج 2، ص 62 و 63، طبعة الاستقامة. و «شرح نهج البلاغة» لابن أبي الحديد، طبعة اوفسيت بيروت، ج 3، ص 254 و 255، و في ج 13، ص 210 و 211 من طبعة دار إحياء الكتب العربيّة. و ذكر صاحب «كنز العمّال» أيضاً مختصر هذا الحديث في كتابه المذكور، ج 15، ص 100، رقم 286.
[3] شواهد التنزيل» ج 1، ص 420 و 421، حديث رقم 580 ضمن الروايات الواردة في شأن نزول آية الإنذار: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ.
[4] «مجمع البيان» ج 4، ص 206، طبعة صيدا. و وردت هذه الرواية في «غاية المرام» القسم الأوّل ص 320، الحديث الثالث عن الثعالبيّ في تفسيره، في ذيل تفسير الآية الشريفة بسند متّصل. و لكنّنا لم نعثر على هذه الرواية في «تفسير الثعالبيّ»، و لعلّ صاحب «غاية المرام» نقلها عن «تفسير الثعلبيّ» و حدث سهو في الكتابة أو في الاستنساخ. و ارتكب المعلّق علي «شواهد التنزيل» هذا السهو نفسه. و ذكر في ج 1، ص 420 ما ذكره البحرانيّ في «غاية المرام» عن الثعالبيّ. و نقل المجلسيّ هذه الرواية أيضاً في «بحار الأنوار» ج 9، ص 294، طبعة الكمبانيّ، عن كتاب «العمدة»، عن «تفسير الثعلبيّ».