نقل ابن عساكر الدمشقيّ ثماني روايات حول آية الإنذار، وجمع العشيرة، وإقامة عليّ عليه السلام في الوزارة، وذلك في الجزء الأوّل من كتاب أمير المؤمنين عليه السلام، من رقم 135 إلى 142.
وذكر الرواية 135 بسنده المتّصل عن سالم، عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام؛ وبعد بيان القضيّة، قال رسول الله في آخرها: مَنْ يُوَازِرُنِي عَلَى مَا أنَا عَلَيْهِ ويُبَايِعُنِي عَلَى أنْ يَكُونَ أخِي ولَهُ الجَنَّةُ؟ قلتُ: أنَا يَا رَسُولَ اللهِ! وإنِّي لأحْدَثُهُمْ سِنَّاً وأحْمَشُهُمْ سَاقَاً. فسكت القوم ثمّ قالوا: يا أبا طالب! أ لا ترى ابنك؟ قال أبو طالب: دعوه، فلن يألو من ابن عمّه خيراً[1].
ونقل الرواية 136 بسنده المتّصل عن ربيعة بن ناجذ، عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم دعا بني عبد المطّلب، وذكر الرواية بالإعجاز الذي حصل في ذلك المجلس إذ شبع الجميع من رِجْل الشاةِ، وارتووا من قعب اللبن دون أن ينقص منهما شيء؛ ثمّ قال النبيّ: يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ! إنِّي بُعِثْتُ إلَيكُمْ خَاصَّةً وإلى النَّاسِ عَامَّةً وقَدْ رَأيْتُمْ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ مَا رَأيْتُمْ! فَأيُّكُمْ يُتَابِعُنِي على أنْ يَكُونَ أخِي وصَاحِبِي؟! يقول عليّ عليه السلام: لم يقم إليه أحد؛ فقمت إليه، وكنت أصغر القوم. قال: فقال [رسول الله]: اجلس! وفعل [رسول الله] ثلاث مرّات كذلك؛ وأنا في كلّ ذلك أقوم إليه، فيقول لي: اجلس حتّى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي [للبيعة] .
وروى الرواية 137 بسنده المتّصل عن عبّاد بن عبد الله الأسديّ، عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام قال: جمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قريشا، ثمّ قال: لَا يُؤَدِّي أحَدٌ عَنِّي دَيْنِي إلَّا عَلِيّ[2].
ونقل الرواية 138 بسند متّصل آخر عن عبّاد بن عبد الله الأسديّ أيضاً، عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام قال: لمّا نزلت الآية: وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، دعا رسول الله رجالًا من أهل بيته، وبعد بيان شبعهم من رِجل الشاة، وارتوائهم من قعب اللبن، قال لهم:10 عَلِيّ يَقْضِي دَيْنِي[3]؛ ويُنْجِزُ مَوْعِدِي[4].
وأخرج الرواية 139 بسند متّصل آخر عن عبّاد بن عبد الله، عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام قال: يا عليّ! اجمع بني هاشم؛ وطبخت صاعاً من الطعام وشاة ثلاث مرّات، وأعددت قعباً من لبن. وكانوا يأكلون ويشبعون؛ وقالوا مرّتين: ما رأينا كاليوم في السحر! وفي الثالثة بَدَرَهُم رسول الله بالكلام، فقال: أيُّكُمْ يَقْضِي دَيْنِي ويَكُونُ خَليِفَتِي ووَصِيِّي مِنْ بَعْدِي؟! قال: فسكت العبّاس مخافة أن يحيط ذلك أي [دَين رسول الله] بماله؛ فأعاد رسول الله الكلام على القوم؛ وسكت العبّاس [أيضاً] مخافة أن يحيط ذلك بماله. فأعاد رسول الله الكلام الثالثة. قال [أمير المؤمنين عليه السلام]: وإنِّي يومئذٍ لأسوأهم هيئة، إنِّي يَوْمَئِذٍ أحْمَشُ السَّاقَيْنِ؛ أعْمَشُ العَيْنَيْنِ، ضَخْمُ البَطْنِ؛ فقلت: أنَا يَا رَسُولَ اللهِ! قال النبيّ: أنْتَ يَا عَلِيّ! أنْتَ يَا عَلِيّ!![5]
ونقل الرواية 140 بسنده المتّصل، عن عبد الله بن عبّاس، عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام. وهذه الرواية بعباراتها نفسها هي الرواية التي ذكرناها عن الحاكم الحَسْكانيّ أولًا.
وأخرج الرواية 141 بسنده المتّصل عن أبي رافع. وهذه الرواية عينها هي الرواية التي نقلناها سابقاً عن كتاب «غاية المرام» عن محمّد بن عبّاس بن ماهيار، عن تفسير القرآن فيما نزل في أهل البيت عليهم السلام.[6]
وذكر الرواية 142 بسنده المتّصل عن عمر بن عليّ بن عمر بن عليّ بن الحسين بن عليّ أبي طالب، عن أبيه، عن عليّ بن الحسين، عن أبي رافع، قال: كنت قاعداً بعد ما بايع الناس أبا بكر فسمعت أبا بكر يقول للعبّاس: انْشِدُكَ اللهِ! هَلْ تَعْلَمُ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلّى الله عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ جَمَعَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ وأوْلَادَهُمْ، وأنْتَ فِيهِمْ، وجَمَعَكُمْ دُونَ قُرَيشٍ. فَقَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ! إنَّهُ لَمْ يَبْعَثِ اللهُ نَبِيَّاً إلَّا جَعَلَ لَهُ مِنْ أهْلِهِ أخاً ووَزِيرَاً ووَصِيّاً وخَلِيفَةً في أهْلِهِ! فَمَنْ مِنْكُمْ يُبَايِعُنِي عَلَى أنْ يَكُونَ أخِي، ووَزِيرِي، ووَصِيِّي، وخَلِيفَتِي في أهْلِي؟! فَلَمْ يَقُمْ مِنْكُمْ أحَدٌ!
فَقَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ! كُونُوا في الإسْلَامِ رُؤُوسَاً ولَا تَكُونُوا أذْنَاباً. واللهِ لَيَقُومَنَّ قَائِمُكُمْ، أوْ لَتَكُونَنَّ في غَيْرِكُمْ ثُمَّ لَتَنْدَمُنَّ!
فَقَامَ عَلِيّ مِنْ بَيْنِكُمْ فَبايَعَهُ على مَا شَرَطَ لَهُ ودَعَاهُ إلَيْهِ.
أتَعْلَمُ هَذَا لَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ؟! قَالَ: نَعَمْ[7]
[1] «تاريخ دمشق» كتاب أمير المؤمنين، ج 1، ص 83 و 84.
[2] «تاريخ دمشق» كتاب أمير المؤمنين، ج 1، ص 84 و 85.
[3] المصدر السابق.
[4] قال المجلسيّ رضوان الله عليه في «بحار الأنوار» ج 9، ص 293 في ذيل الرواية الواردة عن «بشارة المصطفي» التي جاءت فيها عبارة: قاضي دَيني: قرأ المحقّق الطوسيّ نصير الملّة و الدين، و العلّامة الحلّيّ، و جماعة من علمائنا رضي الله عنهم: قاضي دِيني بكسر الدال. و أنكره السيّد المرتضى رحمة الله عليه، ثمّ قال المجلسيّ: و لا حاجة في تكلّف ذلك لتواتر العبارات و النصوص الصريحة من الجانبين.
[5] «تاريخ دمشق» كتاب أمير المؤمنين، ج 1، ص 86 و 87. و معلوم في هذه الرواية أنّ ذيلها الذي يذكر سكوت العبّاس موضوع، و لا يناسب دعوة رسول الله في أوّل البعثة. و أراد الواضع أن يخلط الالتزام بدَين الرسالة بالدَين الشخصيّ.
[6] «تاريخ دمشق» ج 1، ص 87 و 88.
[7] «تاريخ دمشق» ج 1، ص 89 و 90.