روى أحمد بن حنبل بسنده عن المنهال، عن عبّاد بن عبد الله الأسديّ، عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام قال: لمّا نزلت الآية: وأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، جمع النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أهل بيته؛ فاجتمع ثلاثون شخصاً منهم، فأكلوا، وشربوا، قال: فقال لهم: مَنْ يَضْمَنُ عَنِّي دَيْني، ومَوَاعِيدي؛ ويَكُونُ مَعِي في الجَنَّةِ؛ ويَكُونُ خَلِيفَتِي في أهْلِي؟! فَقَالَ رَجُلٌ لَمْ يُسَمِّهِ شَرِيكٌ: يَا رَسُولَ اللهِ! أنْتَ كُنْتَ بَحْرَاً مَنْ يَقُومُ بِهَذَا؟! قَالَ: ثمَّ قَالَ الآخَرُ قَالَ: فَعَرَضَ ذَلِكَ على أهْلِ بَيْتِهِ، فَقَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أنَا[1].
ذكر ابن أبي الحديد في «شرح نهج البلاغة» في ذيل كلام الإمام في الخطبة القاصعة: أنَا وَضَعْتُ في الصِّغَرِ بِكَلَاكِلِ العَرَبِ، وكَسَرْتُ نَواجِمَ قُرُونِ رَبِيعَةَ ومُضَرَ، قال: روى عن جعفر بن محمّد الصادق عليه السلام قال: كَانَ عَلِيّ عَلَيهِ السَّلَامُ يَرَى مَعَ رَسُولِ اللهُ صلّى الله عَلَيهِ وآلِهِ وسَلَّمَ قَبْلَ الرِّسَالةِ الضَّوءَ ويَسْمَعُ الصَّوْتَ؛ وقَالَ لَهُ صلّى الله عَلَيهِ وآلِهِ: لَوْ لا أنِّي خَاتَمُ الأنْبِيَاءِ لَكُنْتَ شَرِيكاً في النُّبُوَّةِ! فَإنْ لَا تَكُنْ نَبِيّاً فَإنَّكَ وَصِيّ نَبِيّ ووَارِثُهُ! بَلْ أنْتَ سَيِّدُ الأوْصِيَاءِ وإمَامُ الأتْقِيَاءِ!
ثمّ نقل ابن أبي الحديد قصّة آية الإنذار وحديث العشيرة عن الطبريّ في تأريخه بنحو مفصّل، وهو ما أوردناه في الجزء الأوّل من كتابنا هذا: «معرفة الإمام» في المجلس الخامس، عن الطبريّ. وكذلك أوردناه في هذا الجزء في أوّل رواية الحاكم الحسكانيّ. وفيه تصريح على أنّ النبيّ قال: هَذَا أخِي ووَصِيِّي وخَلِيفَتِي فِيكُمْ فَاسْمَعُوا لَهُ وأطيِعُوا!
ثمّ قال: ويدلّ على أنّه وزير رسول الله من نصّ الكتاب والسنّة قول الله تعالى: وَاجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي هارُونَ أَخِي اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي وأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي.
وقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في الخبر المجمع على روايته بين سائر فرق الإسلام: أنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ موسى إلَّا أنَّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي.
وعلى هذا أثبت النبيّ لعليّ جميع مراتب ومقامات هارون من موسى. فإذاً هو وزير رسول الله، وشادّ أزره؛ ولو لا أنّه خاتم النبيّين، لكان شريكاً في أمره.
[1] «مسند أحمد بن حنبل» ج 1، ص 111. و ورد هذا الحديث في «كنز العمّال» باب فضائل عليّ عليه السلام، ج 15، ص 113، رقم 323، الطبعة الثانية، حيدرآباد. و نقله المجلسيّ في «بحار الانوار» ج 9، ص 295 عن كتاب «العمدة»؛ و ذكره المظفّر في «دلائل الصدق» ج 2، ص 233؛ و العلّامة الحلّيّ في «منهاج الكرامة». و ينبغي أن نعلم أنّ صاحب «كنز العمّال» الذي روى هذا الحديث عن «مسند أحمد بن حنبل» و عن ابن جرير قال: نقله ابن جرير عن الطحاويّ، و عن ضياء في «المختارة» و صحّحه. و ذكر الملّا عليّ المتّقي في أوّل «كنز العمّال» عن السيوطيّ في ديباجة «جمع الجوامع» أنّ جميع روايات ضياء في «المختارة» صحيحة. (طبعة حيدرآباد، ج 15، ص 113، رقم 323، ط 2).