روى الشريف الرضيّ تلك الرسالة في «نهج البلاغة» بقوله: ومن كتاب له عليه السلام إلى زياد بن أبيه، وقد بلغه أنّ معاوية كتب إليه يريد خديعته باستلحاقه: وَقَدْ عَرَفْتُ أنَّ مُعَاوِيَةَ كَتَبَ إلَيْكَ يَسْتَزِلُّ لُبَّكَ ويَسْتَفِلُّ غَرْبَكَ! فَاحْذَرْهُ فَإنَّمَا هُوَ الشَّيْطَانُ، يَأتِي المُؤْمِنَ مِنْ بَيْن يَدَيْهِ؛ ومِنْ خَلْفِهِ وعَنْ يَمِينِهِ؛ وعَنْ شِمَالِهِ، لِيَقْتَحِمَ غَفْلَتَهُ؛ ويَسْتَلِبَ غِرَّتَهُ.
وَقَدْ كَانَ مِنْ أبي سُفْيَانَ في زَمَنِ عُمَرَ فَلْتَةٌ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ ونَزْعَةٌ مِنْ نَزَعَاتِ الشَّيْطَانِ؛ لَا يَثْبُتُ بِهَا نَسَبٌ ولَا يُسْتَحَقُّ بِهَا إرْثٌ، والمُتَعَلِّقُ بِهَا كَالوَاغِلِ المُدَفَّعِ، والنَّوطِ المُذَبْذَبِ[1].
فَلَمَّا قَرَأ زِيَادٌ الكِتَابَ؛ قَالَ: شَهِدَ بِهَا ورَبِّ الكَعْبَةِ ولَمْ تَزَلْ في نَفْسِهِ حتّى ادَّعَاهُ مُعَاوِيَةُ[2].
أي: أنّ معاوية يطلب زلل عقلك وخطأه. ويحاول أن يفلّ حدّك، أي: عزمك.
وظهرت من أبي سفيان فلتة في كلامه أيّام عمر. وهذه الفلتة كانت من حديث النفس، وكلمة فاسدة من كلمات الشيطان (إذ قال: إنِّي أعْلَمُ مَنْ وَضَعَهُ في رَحِمِ امِّهِ، يقصد نفسه) وحركاته القبيحة التي تفسد المكلّفين. ولا يثبت بواسطة تلك الفلتة وعثرة اللسان نسب، ولا يستحقّ بها إرثٌ. ومن أراد أن يثبت له نسباً عن هذا الطريق فمثله مثل من يهجم على الشرب ليشرب وهو ليس منهم، فلا يزالون يدفعونه ويحولون بينه وبين الشرب. وكذلك مثله مثل شيء شدّوه على سرج الحصان، أو رحل البعير كالكأس أو القدح وأمثالهما، فهو يتقلقل باستمرار بواسطة السرعة في السير والحركة. ولا يقرّ له قرار أبداً.
ولمّا قرأ زياد كتاب أمير المؤمنين عليه السلام قال: شهد عليّ بها وربّ الكعبة، بقوله: إنّني وليد أبي سفيان وظلّت هذه الفكرة في نفسه حتّى قطع معاوية نسبه من عُبَيْد، ونسبه إلى أبي سفيان.
وعند ما استشهد أمير المؤمنين عليه السلام، ظلّ زياد والياً على فارس. وقلق معاوية منه لأنّه كان يعرف ثباته ورسوخ مبدئه واستقامة منهجه. وخاف أن يقترب من الإمام الحسن المجتبى عليه السلام أكثر، وينهض لمساعدته ونصرته، فلهذا كتب إليه رسالة بهذا المضمون: من أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن عُبَيْد.
أمَّا بَعْدُ؛ فإنّك عبد قد كفرتَ النعمة، واستدعيتَ النقمة! ولقد كان الشكر أولى بك من الكفر! وإنّ الشجرة لتضرب بعِرْقِها، وتتفرّع من أصلها. إنّك -لا امّ لك بل لا أب لك- قد هلكتَ وأهلكتَ! وظننتَ أنّك تخرج من قبضتي، ولا ينالك سلطانيّ! هيهات! ما كلّ ذي لُبّ يصيب رأيه، ولا كلّ ذي رأي ينصح في مشورته.
بالأمسِ عبدٌ، واليوم أمير! خطّة ما ارتقاها مثلُكَ يا ابن سُميّة! وإذا أتاك كتابي هذا، فَخُذِ الناس بالطاعة والبيعة! وأسرع الإجابة! فإنّك إن تفعل، فدمك حقنتَ! ونفسك تداركتَ! وإلّا اختطفتُكَ بأضعف ريش (بأضعف قوّة)، ونلتك بأهون سعي.
واقسم قسماً مبروراً، ألّا اوتَى بك إلّا في زمّارة، تمشي حافياً من أرض فارس إلى الشام حتّى اقيمك في السوق، وأبيعك عبداً، وأردّك إلى حيث كنتَ فيه وخرجتَ منه! والسلام[3].
[1] قال الشريف الرضيّ في تفسير هذين التشبهين: الوَاغِلُ هُوَ الذي يَهْجُمُ على الشُّرْبِ لِيَشْرَب مَعَهُمْ وَ لَيْسَ مِنْهُمْ، فَلَا يَزَالُ مُدَفَّعَاً مُحَاجَزَاً. وَ النَّوطُ المُذَبْذَبُ هُوَ مَا يُنَاطُ بِرَحْلِ الرَّاكِبِ مِنْ قَعْبٍ أوْ قَدَحٍ أوْ مَا أشْبَهُ ذَلِكَ فَهُوَ أبَدَاً يَتَقَلْقَلُ إذَا حَثَّ ظَهْرَهُ وَ اسْتَعْجَلَ سَيْرَهُ.
[2] «نهج البلاغة» باب الرسائل، رسالة 44.
[3] «جمهرة رسائل العرب» لأحمد زكي صفوت، ج 2، ص 29 و 30، عن ابن أبي الحديد.